حين تتحوّل الاصلاحات الانتخابية "ترفا" لا يعنينا...
11-05-2016

بولا اسطيح

("الشرق الأوسط" – موقع "النشرة" الالكتروني)

قد يبدو النقاش بالاصلاحات الانتخابية الواجب اعتمادها في أي قانون مقبل تجري على أساسه الانتخابات النيابية، ومهما كان عميقا وجديا، ثانويا بالمرحلة الحالية وأشبه بمشاركة الطبقة السياسية الحاكمة بتضييع الوقت والتمهيد لتمديد ثالث لمجلس النواب بدأ يطرق أبوابنا وبقوة. اذ نجحت هذه الطبقة بتصوير الاصلاحات التي هي جوهر اي قانون انتخاب، "ترفا" لا يعنينا نحن الاعلاميون والمواطنون على حد سواء، بعدما بات طموحنا يقتصر على اجراء هذه الانتخابات في موعدها مهما كان القانون وشكله ومضمونه، وحتى ولو كان حكما سيعيد انتاج الوجوه نفسها التي باتت تتقن اللعبة السياسية الداخلية وكيفية البقاء في مواقعها من دون منافسة.

ولعل تقصير وسائل الاعلام بالتعاطي مع موضوع الاصلاحات الانتخابية أمر مفهوم ومبرر طالما هي لم تجد نفسها معنية بمواكبة حقيقية تشكل عنصر ضغط لمنع السير بالتمديد الاول وبعده التمديد الثاني. فالدور الذي لعبه الاعلام اللبناني بدعم الحراك المدني قبل أشهر والذي شكّل عنصر الدفع الأول للناشطين في الشارع والسبب الابرز لنجاح هذا الحراك في مرحلة من المراحل، لم يبرز في مرحلة التمديد، حين كادت وسائل الاعلام تتحول لـ"متواطئة" مع النظام الحاكم الذي يجدد لنفسه دون خجل رافعا كل مرة "فزاعة" بوجه شعب بات وللأسف غير مبال ومنصرف لتأمين لقمة العيش وسبل العيش الكريم، وخاضعا أيضا لفكرة ان الانتخابات بحد ذاتها "ترفا" ولا تعنيه!

وهل يُلام الاعلام في هذه البلاد، وهو الى حد كبير منبر لأحزاب تحاول تسويق سياستها وترسيخ فكرة وجوب استمرار ممثليها في الحكم لضمان استمرارية الدولة، على مجاراة الطبقة الحاكمة بالتمديد وتغييب المواضيع التي تعالج ملف الاصلاحات عن الشاشات والصحف والاذاعات؟ ولعل التسليم بأن وسائل الاعلام اللبنانية بنت هذه الطبقة الفاسدة التي تحتاج هي نفسها لاصلاح يمهد للاصلاح الكبير المنشود، يُساعد في فهم التركيبة المعقدة لهذا النظام الذي يتجدد تلقائيا متكئا على ماكينة اعلامية هي الركيزة الاساس فيه. ويرد القيمون على وسائل الاعلام الرئيسية في البلد تغييبهم لموضوع الاصلاحات الانتخابية عن الصفحات والشاشات لكونه لا يجذب المشاهدين والقراء ولأنّه بعيد كل البعد عن المادة المثيرة التي يبحثون عنها لرفع نسبة متتبعيهم.

ولعل أكثر ما يثير السخرية في المشهد العام، هو تفرد هذه الطبقة السياسية نفسها بصياغة الاصلاحات التي يحتاجها النظام، فنراها منكبة على كتابة سيناريوهات بنكهة اصلاحية توحي للمتابع عن بُعد أنّها تعديلات جوهرية تماشي ما ينادي به الناشطون دعاة التغيير وتطوير النظام، الا أنّها في الباطن والواقع مجرد ترتيبات خارجية تعيد انتاج النظام عينه والطبقة عينها بوسائل حديثة ومبهرة.

وينصرف النواب، ممثلو معظم الكتل النيابية، ومنذ مدة للبحث بمشاريع قوانين انتخابية أُخرجت اخيرا من أدراج مجلس النواب سعيا للتفاهم على احدها أو دمج بعضها ببعض بما يلبي مصالحهم وتطلعاتهم، لذلك وبعدما ارتأوا استبعاد المعنيين بالملف من أكاديميين وناشطين وجمعيات مجتمع مدني عن النقاش الحاصل باطار اللجان النيابية والذي من المفترض أن يكون نقاشا وطنيا، قرروا أخيرا ابعاد وسائل الاعلام كذلك عن المداولات بحجة السعي لعدم افشال التفاهمات التي قد تنتج في مرحلة لاحقة، وهم بالحقيقة يحاولون قدر المستطاع حصر كل الملف فيهم ليتفرغوا لتقاسم الحصص بعيدا عن الأنظار.ولا يوحي مسار الأمور بأنّهم سيخرجون قريبا بصيغة توافقية لمشروع قانون تجري على أساسه الانتخابات النيابية في العام 2017 نظرا الى ان هناك انطباعا عاما سائدا يؤشر الى تمديد جديد يلوح بالأفق، ما يجعل هؤلاء النواب المترددين أصلا باقرار قانون جديد يتضمن سلسلة من الاصلاحات، غير جديين بالتعاطي مع الملف ككل. فاذا بقسم منهم يرفع فزاعة التطرف كرد على المطالبة بالنسبية، وقسم آخر يعود الى نغمة "سطوة السلاح غير الشرعي"، ليبقى القسم المتمسك علنا بالاصلاح ينادي به ليل نهار ولا يقوم بأي خطوة حقيقية باتجاهه.

وتجاري وكما درجت العادة وسائل الاعلام التابعة بمعظمها لأحزاب محلية سياسة هذا الحزب أو ذاك، فتتبنى وجهة نظره من دون التدقيق فيها، فتصبح بعض الاصلاحات المتعارف عليها دوليا في تقارير اخبارية او مقالات وتحقيقات صحافية منحازة سياسيا، بمثابة صفعات توجه للتركيبة اللبنانية الفريدة، حتى أنّها قد تتحول في بعض الأحيان ومن حيث لا ندري قنابل موقوتة تهدد الدولة بمؤسساتها وتركيبتها طالما هي لا تؤمن المحاصصة الطائفية المعتمدة منذ عشرات السنوات.

ونظرا الى كون الحصول على تعهدات من الكتل السياسية بعدم تجديد ولاية مجلس النواب لمرة ثالثة، يبدو شبه مستحيل، لن نبالغ بالقول ان الشعب اللبناني يتحمل وحيدا مسؤولية ما آلت اليه الأمور، فمن سكت عن تمديد أول وثان سيسكت عن كل "ابداعات" هذه الطبقة ولن يجد بالاصلاحات الانتخابية الا موضوعا ثانويا لا يثير اهتمامه!