بقاعصفرين: مركز ثقافي لملء الفراغات
25-07-2017

في بقاعصفرين، عملية تشييد المركز الثقافي مستمرة، في اطار مشروع "دعم وتمكين البلديات والمجتمع المحلي في الضنية" الذي عملت في اطاره "مؤسسة مهارات" مع شركائها منظمة "مرسي كور" الدولية وجمعية "الفريق اللبناني لتحويل النزاعات، بيس لابس"، بدعم من الاتحاد الاوروبي وبالتعاون مع اتحاد بلديات الضنية. زيارة سريعة إلى مكان الورشة تكشف أنّ معالم المركز بدأت تتوضّح، من حيث تقسيم القاعات والغرف فيه، حيث من المقرر أن تنتهي الأعمال لاستكمال هذا المشروع بحلول شهر أغسطس/آب.

يفتح مشروع هذا المركز الثقافي آفاقاً جديدة لسكان بقاعصفرين، اللبنانيين واللاجئين السوريين، إذ من المقرّر أن يشهد سلسلة من النشاطات والدورات التدريبية التي من شأنها تعليم المشتركين وصقل خبراتهم في مجالات عدة. وأبرز هذه المجالات، الدورات التدريبية المجانية الخاصة بالسيدات والفتيات، اللبنانييات والسوريات، والتي من المقرّر أن تديرها وتنظمها اليمامة الطويل. اليمامة، لاجئة سورية من ريف حمص، خريجة معهد الفنون النسوية، وتدرّس وتعمل مع منظمات غير حكومية عديدة، تهدف من خلال نشاطها إلى المساعدة قدر الإمكان على تحسين واقع الناس، بغض النظر عن جنسياتهم. تقول اليمامة إنّ "خطة المشروع قد تمّ انجازها، وستتضمّن الدورات كافة الأشغال اليدوية كالخياطة والتطريز والكروشية، بالإضافة دورات توعوية وأخرى صحية". تشدّد اليمامة على "الفنون النسوية" التي من شأنها أن تساعد النساء، اللبنانيات والسوريات، على العمل من منازلهن بما في ذلك من مردود معنوي أولاً، إذ يصبحن قادرات على "تلبية حاجاتهن".

تمكين النساء والشباب

أما الطموح الفعلي، فيكون في الوصول بالمتدربات إلى مرحلة احترافية تمكّنهن "على الأقل من تأمين مردود مادي لهنّ، سنسعى إلى مساعدتهنّ من خلال معارض أو تسويق أو أي طريقة تشجعهنّ وغيرهن على العمل واكتساب بعض الحرف أو المهن"، بحسب ما تقول اليمامة. فواقع النساء في بقاعصفرين لا يختلف كثيراً عن واقع البلدة والمحيط، حيث الكل بحاجة إلى الدعم والاهتمام والتنمية وتطوير القدرات. لكن مشكلة التدريب وورشات العمل "انها تكون محدودة زمنياً"، تقول اليمامة، مشيرةً إلى أنّ "المطلوب استمرارها وتمديدها، أو حتى إستلحاقها بدورات أخرى هادفة وتحمل العلم والمعلومات للجميع". ويبدو الطلب ملحاً على ما تمّ إنجازه من دورات تدريبية، و"ضمان الاستمرار في هذا الأثر الإيجابي يكون من خلال استمرار ميرسيكور ومهارات في العمل معنا لتعزيز قدرات الجميع، لبنانيين وسوريين".

حال مشتركة

تبدو الناشطة السورية واثقة من هذا المشروع ومن هذا المركز الثقافي الذي سيفتح قاعاته قريباً أمام أهالي بقاعصفرين واللاجئين إليها من سوريا. والحاجة ملحّة لاستمرار العمل في هذه البلدة وغيرها، بحسب ما يقول مصطفى الكردي، اللاجئ من سوريا والذي كان يعمل مهندس ميكانيك. فـ"المطلوب أولاً وبشكل أساسي إقامة دورات تدريبية مهنية والحاجة إلى العمل وعلى اكتساب المهن"، كما يؤكّد الكردي، الذي يشير إلى أنّه "بواسطة هذا النوع من التدريب يمكن قتل الفراغ الذي يسيطر على حياة الشباب، فالفراغ يولّد الكثير من المشاكل، وتفادي المشاكل يكون عبر إشغال الشباب بأمور تعنيهم وتكسبهم فتشعرهم بالأمن والاطمئنان على المستويات كافة".

الحال مشتركة بين أهالي بقاعصفرين واللاجئين السوريين. الجميع هنا بحاجة إلى الدعم، مع العلم أنّ اللاجئين يشكلون ما يقارب 32 في المئة من عدد سكان البلدة. يعدّد رئيس البلدية سعد طالب، سلسلة المشاكل والنواقص التي تعاني منها البلدة، التي تبدأ بالبنى التحتية ولا تنتهي بانقطاع الكهرباء والحاجة إلى المياه وتعبيد الطرقات وشق بعضها… وهو ما حاول الاتحاد الأوروبي وميرسيكور العمل على معالجة جزء منه من خلال مشروع المركز الثقافي، وتشييد بئر للمياه، وتأهيل الطريق الجردية التي تربط البلدة بـ"نبع السكر"، وتزفيت الطريق التي تربط سير الضنية بـ"جبل الأربعين".

تجدر الإشارة إلى أن النتائج الإيجابية للمركز الثقافي لن تقتصر على دوره المباشر، بل إن المبنى سيكون "حجر أساس" لبناء طابق ثانٍ فوقه، أو طوابق عدة، تكون مخصصةً للبلدية. ويشكل مبنى المركز البلدي مدخلاً آخر على صعيد انهاء أزمة عدم وجود مقرّ للبلدية التي تشغل اليوم مكاتب مستأجرة في أحد المباني السكنية وسط القرية، وهو الأمر الذي يرتب كلفة مالية يُمكن استثمارها بمشاريع في البنى التحتية داخل البلد.

دعم سياحي

من لم يزر بقاعصفرين قد يتفاجأ في حال قال البعض إنّ المنطقة أشبه بمحمية طبيعية، مشابهة للمناطق الأخرى من جرود السلسلة الغربية. فجرد البلدة امتداد طبيعي لمنطقة الأرز، وفيه مئات آلاف الأمتار من شجر الأرز واللزاب، تقوم البلدية بحراستها والاعتناء بها. وتسعى البلدية إلى تحويلها إلى محمية فعلية ومنطقة سياحية مخصصة لهواة المشي في الطبيعة والتخييم، وغيرها من النشاطات التي يمكن إقامتها في الطبيعة. مع العلم أنّ في هذه الأحراج عدد من أشجار الأرز التي يزيد عمرها على الخمس مئة عام، وتشكل بدورها امتداداً طبيعياً لغابات الأرز.

لكن بقاعصفرين لم تدخل بعد إلى الجدول السياحي اللبناني لأسباب تبقى مجهولة، على الرغم من اكتشاف العديد من المغاور الطبيعية التي تحتوي على تجاويف وشعاب نحتها عبر الزمن تسرّب المياه الكلسية من مرتفعات الجرود. تشبه مغارة بيت زود، مغارة جعيتا إلى حدّ بعيد، لكن بحاجة إلى كل الدعم الرسمي والسياحي والإعلاني والإعلامي لتتمكن من استقبال الزوار وحجز مكانها بين المواقع والمرافق السياحية الطبيعية في لبنان. ومن شأن تطوير الصورة السياحية لبقاعصفرين وغيرها من بلدات الضنية، تحسين واقع أهالي هذه القرى ومنحهم المزيد من الأمل للتمسّك بأرضهم والثبات فيها دون الاضطرار إلى النزوح عنها باتجاه الساحل ومدنه.

هبة حسون (اللجنة المجتمعية ــ لاجئة سورية)

أكثر عنوان أو موضوع لا يزال عالقاً في ذهني هو موضوع حل النزاعات، أو بمعنى آخر حل الخلافات بين اللبنانيين والسوريين، أو المشاكل بشكل عام بين اي شخصين أو طرفين والحد من تأثير هذا الخلاف على الناس ومن الضرر الذي يمكن ان يسببه. والمطلوب بشكل بفعلي، المشاركة بدورات تعليمية أو ترفيهية، حتى أنني شخصياً تطوّعت العام الماضي لتدريس اللغة العربية.

فادي طالب (اللجنة المجتمعية)

اكتسبنا من هذا التدريب وهذه الورشات أموراً مهمة على صعيد كيفية التعامل مع الأزمات التي يمكن ان تنشأ بين الناس، تعلمنا كيف يمكن تجنّب الإشكالات ولتوصّل إلى حلول وأمور لم نكن ندركها في التعامل مع أحداث مماثلة. واغلب الإشكالات التي تقع تكون نتيجة حاجة مادية. في القرى، نحن للدعم على المستويات كافة، إذ نعتبر أنفسنا فاقدين لكل مؤهلات الحياة، نفسياً ومادياً واجتماعياً وطبياً.