عاصون تتعرف على الحكواتي وأطفالها يرغبون به شهرياً
25-07-2017

ربما لم يسمع قارئ هذه الكلمات ببلدة عاصون في المنية. وربما يعرفها. لا تختلف البلدة كثيراً عن محيطها. طبيعة خلابة. اهمال حكومي واضح، لا يحتاج للبحث أو التدقيق. مقومات لا يتم الاستفادة منها. ومدرسة رسمية تتحوّل إلى شقق للاصطياف. الأدق، أن بناية سكنية، تتحوّل إلى مدرسة شتاءً. يُمكن لزائر البلدة في الأسابيع الأخيرة من شهر حزيران، مشاهدة إخراج مقاعد الدراسة من المبنى لتتكدس هنا أو هناك. المشهد المؤلم، هو مراقبة أطفال في مدرسة ابتدائية لا يملكون ملعباً في مدرستهم. الأمر مهين ومعيب، والأهم خطر على سلامة هؤلاء الطلاب.

إذا كان الملعب غير متوفر، فكيف ستقام الأنشطة التي تحتاج لملعب. في الربيع الماضي، تعرّف أطفال عاصون على الحكواتي. أخبرهم قصصه، وتنقّل معهم من صور إلى حلب. مرّ في بيروت وطرابلس. روى كيف يُصنع الصابون البلدي في خان الصابون، الموجود في عدد من مدن لبنان وسوريا. من أكثر قصص الحكواتي التي بقيت في ذاكرة الأطفال، قصّة مدينة صور واللون الأرجواني المستخرج من الصدف على شاطئها. في رواية الحكواتي، صور تُسمى ملكة البحر. قصص الملوك تصل بسهولة لعقول وقلوب الأطفال. لم تقتصر رواية الحكواتي، على أن صور ملكة البحر، بل قال لهم أن لملك صور ابنة اسمها أوروبا، وإنها جميلة جداً. الخيال ضروري للأطفال. تعزز القصص مخزون الصور لدى الأطفال، فتنمو مخيلتهم. الأطفال في عاصون محرومون من الكثير من حقوقهم، لكن أحداً لم ينل من مخيلتهم.

تروي زكور عايدة قصصاً عن مدينة صور، وكأنها زارتها. هي لاجئة من سوريا إلى لبنان، وليست سائحة تجول أنحاء البلاد؛ رغم أنه حق لها. قصة الحكواتي نقلتها إلى مدن وبلدات. من الواضح أنها أغرمت بمدينة صور. تقول هذه الطفلة ــ اللاجئة، إنها شاهدت عرضاً جميلاً. تتذكر الصور الجميلة التي شاهدتها.

لا تختلف حالها كثيراً عن منار يوسف. هما صديقتان. لكن التماهي بينهما، يجعل من يراهما للمرة الأولى يعتقد أنهما شقيقتان. لا تنسى منار ذكر أن هناك من اكتشف الصدف، الذي منه تم استخراج اللون الأرجواني في صور. تتنقل منار في رواية ما تتذكر من صور إلى "طرابلس ولبنان والمينا".

هذه كانت المرة الأولى التي التقت فيها منار وزكور مع الحكواتي. بهرهما شكله. تذكرا من قصته أكثر بكثير مما يُمكن أن يتذكر الانسان من قصة سمعها من أسابيع. ورغم خجلهما الظاهر، فإنهما كانتا واثقتين من رغبتهما بأن تتحول زيارة الحكواتي إلى تقليد شهري، في المدرسة أو في البلدة. صحيح! المدرسة الرسمية ليست جاهزة تماماً لاستقبال هذا النوع من الأنشطة.

ترغب فاتن العابدي ودارين مقدسي في حصول هذا الأمر عبر المركز الثقافي الذي تم بناؤه خلال مشروع "دعم وتمكين البلديات والمجتمع المحلي في الضنية" الذي عملت في اطاره "مؤسسة مهارات" مع شركائها منظمة "مرسي كور" الدولية وجمعية "الفريق اللبناني لتحويل النزاعات، بيس لابس"، بدعم من الاتحاد الاوروبي وبالتعاون مع اتحاد بلديات الضنية. وكما كان النشاط المجتمعي في البلدة، مساحة لجميع القاطنين فيها بغض النظر عن عمرهم أو جنسهم أو جنسيتهم، فإن رغبة اللجنة المجتمعية بأن يؤدي المركز الثقافي هذا الدور.

تروي دارين، كيف تفاعل الأطفال مع الحكواتي: "أنا معلمة، وأعرف كم هو صعب جذب انتباه عشرات الأطفال في وقت واحد ولمدة تتجاوز الدقائق، لو لم يكونوا مهتمين لما تابعوا وسكتوا أو تجاوبوا".

تعلو البسمة وجه فاتن العابدي عندما تتحدث عن النشاط وعن الحكواتي. هي من المنظمين. تعبر البسمة عن الفخر بالقدرة على إنجاح هذا النشاط، في ظل الانقسام في البلدة الناتج عن الانتخابات البلدية، التي تعطلت نتيجتها، وباتت البلدية بإدارة القائمقام، "لكن مختلف الأطراف تجمعوا وعملوا لإنجاح النشاط.

اختار المنظمون وقت الغداء، ليقدم الحكواتي فقرته. "أردنا فتح المجال للأهل بتناول طعام الغداء بهدوء" تقول فاتن. لكن اللافت كيف تجمّع الكبار إلى جانب الأطفال لسماع قصص الحكواتي. أنصت الجميع له يروي كيف عن الأحياء القديمة في بيروت وبيوتها الجميلة. وقال الحكواتي إنه لم يكن يعرف أنه في عهد الفينيقيين "كانت الهندسة تبعيتهن من أقدم الهندسات، كانت كل البلاد المجاورة تستعمل الحجر لتبني المعاهد بس الفينيقيين كانوا يستعملوا الحجر ليعمروا بيوتهم وكل بيت يكون من سبع عواميد، ستة ع جناب الحيطان وعمود بالنص".

وروى الحكواتي قصة جزيرة الأرانب في طرابلس التي لم يكن فيها أرانب إلى أن أتى الفرنسيون بهم. ولفت إلى أن اسم طرابلس يعود لليونانية وهو "تريبوليس"، "لأنها كانت تتألف من ثلاثة أحياء سكنية، حي يسكنه أهل صور، وحي يسكنه أهل صيدا والحي الثالث يسكنه أهل أرواد". وأشار إلى أن طرابلس تتألف اليوم من ثلاثة أحياء: الميناء، القبة وأبو سمرا.

وعند حديثه عن أسواق طرابلس، أي سوق الصاغة وسوق العطارين وسوق النجارين والنحاسين وخان الخياطين وخان الصابون. نبّه إلى وجود خان للصابون أيضاً في مدينة حلب السورية. وشرح الحكواتي للأطفال كيف يُصنع الصابون: "هناك الريّس الذي يُشرف على كلّ مراحل تصنيع الصابون". في البداية يتم تسخين زيت الزيتون على نار الحطب، ثم تتم زيادة "القطرون" ويبدأ الزيت بالتحول إلى صابون. "بس ضحكني شكل الريّس وعماله، كيف لافين إيديهم بشقف من القطن، تاري تا ما يحرقوا حالهم بالزيت اللي على النار، وهم يُحركون الزيت بملعقة خشب كبيرة؛ طلع اسمها محراك".

وأكمل الحكواتي قصته، عبر الإشارة إلى أن "الريس" وعماله يزيدون ورق الغار أو القرفة أو العسل أو كبش القرنفل قبل انتهاء "الطبخة". وتُفرش العجينة على "مفرش" وتترك خمس ساعات لينشف الصابون. ثم يتم غسل عجينة الصابون لمدة ثلاثة أيام بمياه باردة لتنظيفها.

ويتم ختم الصابون باسم صاحب المعمل أو المدينة، عندما يكون طرياً، ويسأل الحكواتي الأطفال عن السماكة المطلوبة لقالب الصابون، قبل أن يُشير لهم بأنها سبعة سنتيمترات. ثم يتم "صفّ" قوالب الصابون فوق بعضها في المنشر لمدة 40 يوماً. وقبل أن يختم الحكواتي قصته، يذكر للأطفال أن خان الصابون في طرابلس يتميّز عن غيره بإنتاج الصابون المبروم مثل الطابة، والملون بألوان عدة.

دارين مقدسي (اللجنة المجتمعية):

تواجه بلدة عاصون من مشكلة أدت إلى شلّ البلدية. لكننا عبر هذا المشروع استطعنا جمع الطرفين حول طاولة واحدة، وشاركوا بأنشطة مشتركة. وسيساهم المركز الثقافي الذي يتم إنشاؤه في إيجاد مساحة تلاقي مشتركة بين جميع المختلفين، وسيكون مكاناً للتواصل بين اللبنانيين أنفسهم، وبين اللبنانيين والسوريين. ونعمل على وضع لائحة لأنشطة دورية في هذا المركز.

فاتن العابدي (اللجنة المجتمعية):

هذه أول مرة يحصل نشاط، أو قل مهرجان، بهذا الحجم في بلدة عاصون. شارك الجميع: لبنانيون وسوريون، كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً. وقد ساعدت الدورات التدريبية في تزويدنا بأدوات لرفع قدرتنا على التحمّل وحل الخلافات، وهي أدوات ستبقى معنا طويلاً. لكن من أهم الأمور التي اكتسبتها هي الثقة بأن الحلم والطموح إذا ترافق مع العمل يوصل للنجاح.