الحريات في لبنان ليست بخير بتدخل من رجال الدين
05-10-2018

حرية الرأي والتعبير ليست على ما يرام  في لبنان، وبدأت تضيق أكثر فأكثر، مع تعاظم دور السلطات الدينية ووقوفها بوجه تنظيم النشاطات وعرض الأعمال الفنية والثقافية، في بلد عُرِف أنه نموذج للحريات مقارنة بالبلدان العربية.

فيوم السبت الماضي،  دفعت ضغوط هيئة العلماء المسلمين في لبنان إلى تحرك الأمن العام في اليوم الثاني من مؤتمر "ندوى" السنوي حول "الجندر والحريّات الجنسيّة" الذي نظّمته المؤسسة العربية للحريّة والمساواة في فندق "Le Crillon"، وكان قد حضره أكثر من مئة ناشط وناشطة من منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

في ذلك اليوم، طلبت العناصر الامنية برنامج المؤتمر وصور وأسماء المشاركين. وبعد مغادرة عناصر الأمن العام، أبلغ عناصر بلباس أسود من فرع المعلومات المنظّمين بضرورة وقف أعمال المؤتمر وتوقيع تعهّد بعدم عقد مؤتمر مماثل مستقبلاً، لكن المدير التنفيذي للمؤسسة العربية للحرية والمساواة جورج قزي رفض التوقيع رغم تهديده بالاعتقال، واضطر إلى نقل المؤتمر إلى فندق آخر، بعدما خضعت إدارة فندق "Le Crillon" لقرار الأمن العام بإغلاق صالة المؤتمرات.

يقول قزي في حديث خاص لـ "مهارات نيوز" إن مناقشة الحقوق والصحة الجنسية أزعج هيئة العلماء المسلمين، مشيرا إلى أن مساحة الحريات تضيق اليوم بتدخل من رجال الدين.

ولا يخفي قزي خشيته من القمع الحاصل، ويتحدث عن سابقة من حيث الشكل، بقوله: "ما يحصل اليوم مخيف جدا اكثر من اي وقت مضى، لدي خوف على المشاركين في المؤتمر، وأن يتسبب ما حصل بمشاكل لدى المشاركين من البلدان العربية، اليوم ما عدنا قادرين على تنظيم نشاطات كنا نقوم بها من قبل".

وبحسب قزي، فإن القضاء اللبناني كان قد سجل خطوات ايجابية في تعامله مع المثليين، وهو ما لا تقوم به السلطات الامنية مدفوعة من رجال الدين، في إشارة إلى قرارات صدرت سابقا عن محاكم رفضت التعامل مع المثليين بموجب المادة 534 من قانون العقوبات، والتي تنص على أن العلاقات الجنسية "المنافية للطبيعة" غير مشروعة، وتفرض على ممارسيها عقوبة بالسجن قد تصل إلى عام.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتدخّل فيها رجال دين لايقاف اعمال او نشاطات ثقافية وفنية وانسانية، بداعي أنها مخالفة لمعتقداتهم السائدة، فقبل نحو أسبوعين، منعت لجنة الرقابة على الأفلام عرض فيلم "The Nun"  الاميركي، بدفع من المركز الكاثوليكي للاعلام، باعتباره "يمس بالدين المسيحي".

الفيلم يروي قصة راهبة يرافقها كاهن ورجل من سكان الريف يحققون في ظاهرة تواجد شيطان في دير في رومانيا عام 1952، وهو آخر انتاجات سلسلة "The Conjuring" لأفلام الرعب، لكن لجنة الأفلام وبتدخل ديني، حالت دون عرضه.

في غضون ذلك، تلفت رئيسة جمعية "مارتش" ليا بارودي في حديث خاص لـ "مهارات نيوز" إلى أن رجال الدين ليس لديهم صلاحيات قانونية للنظر اصلا في اعمال فنية او ثقافية مرتبطة بالحريات، وأن منع عرض الفيلم او غيره من الاعمال يغذي منطق القمع.

وتشير بارودي إلى أن المضحك المبكي أن فيلم "The Nun" سجل أعلى نسبة مشاهدة في البلدان الكاثوليكية، تشدد على ضرورة أن يتم وضع حد لتدخل رجال الدين، وتقول: "السلطات الدينية تكرس اليوم منطق الانقسام والطائفية بعدم اعطائها مساحة للرأي الآخر، وتربّي بذلك ثقافة عدم قبول الآخر".

بدوره، يقول المستشار القانوني لجمعية "مهارات" المحامي طوني مخايل إن حرية التجمع حق من حقوق الانسان كفله الدستور اللبناني، ويشير إلى أن عقد أي مؤتمر أو منتدى لمناقشة قضايا انسانية او ثقافية بطريقة سلمية، لا يخالف أي قواعد أو نصوص تتعلق بالنظام العام.

ويرى مخايل أن الرقابة المسبقة على الاعمال السينمائية والمسرحية بموجب قوانين عفى عنها الزمن، تقوّض الحريّات، ويوصّف ما يحصل اليوم بممارسات أمنية تعكس نهجًا قمعيًّا لدى السلطة، خاصة، عندما يتعلّق الأمر بمسائل فكرية تتعارض مع المعتقدات الدينية السائدة.

ويخلص مخايل إلى أن لرجال الدين نفوذاً في السلطة، وتأثير في حجب أي نقاش فكري يتعارض مع معتقداتهم، مع أنهم في العلن يدعون إلى التسامح وقبول الآخر، ولكن عمليًّا، لا يبدو أن هذا الأمر موجود، ويناقض التعددية الفكرية والثقافية المعروفة عن لبنان.