التربية الرقمية: انها مسألة امن قومي!
23-10-2018

مهارات نيوزواشنطن / فيلادلفيا

يكبر اليوم حجم المحتوى الرقمي وسط تملك فاعلين كثر في البيئة المعلوماتية والاعلامية الجديدة، حكوميين او غير حكوميين، لقدرات تكنولوجية متطورة. وتقودهم دوافع متعددة اهمها دوافع سياسية ودوافع السيطرة على رواية الاحداث، والتأثير على الرأي العام بما يخدم مصالحها. التربية الاعلامية والرقمية اصبحت مهارة مطلوبة في البيئة  الرقمية.

موضوع التربية الاعلامية ليس جديدا. عملت عليه اليونسكو منذ اواسط الثمانينات. حينها كان الاعلام لم يشهد بعد هذه الثورة التكنولوجية. وكان المتتبع للاعلام يستهلك فقط ما تقدمه الميديا. اليوم اصبح في امكانه التفاعل والنشر والتعليق والتأثير من خلال منصات التواصل الاجتماعي. زادت التحديات في الاعوام الماضية. وزاد الاهتمام بموضوع التربية الرقمية والاعلامية مع ازدياد امكانات وتطور تقنيات بث المعلومات المضللة على الانترنت. وفي طليعة الموضوعات الاساسية التي تشغل الحيز العام في الولايات المتحدة الامريكية اليوم، هو موضوع مكافحة التضليل الاعلامي، لاسيما بعد تأكد تسلل "الدعاية الروسية" الى الناخبين الامريكيين في انتخابات 2016 الرئاسية. وتنشغل الاوساط الحكومية والاكاديمية والمهنية والمجتمع المدني كل بحسب خبراته وامكانياته والدور الذي يشغله في وضع وتصميم برامج وتطوير افكار ومشاريع لمواجهة اكبر تحديات هذا العصر الرقمي: التضليل الاعلامي.

“يتضاعف حجم المعلومات في العالم كل عاميين” يقول الان ميلير الصحافي السابق في  جريدة لوس انجلس تايمز والحائز على جائزة البوليتزر ومؤسس “مشروع التربية الاخبارية” . اذ ان مشهد المعلوماتية اليوم هو الاكثر تحديا في تاريخ البشرية. ففي كل دقيقة يتم عرض 4.3 مليون مقطع فيديو على يوتيوب ويتم مشاركة 18 مليون رسالة نصية ويتم تنزيل 375000 تطبيق.

 يقول ميلر ان صعود وسائل التواصل الاجتماعي زاد من حجم تدفق المعلومات وزاد كذلك مقدار الرأي في مقابل الحقيقة. “ وكذلك ازداد عدد الذين يعملون في صناعة المحتوى المضلل في حين ان عدد الصحافييين المحترفين في اميركا آخذ في الانخفاض”.

هذا الواقع الجديد، وضع العالم بأسره امام ازمة صحة عامة في الحياة المدنية والديموقراطية “في اميركا والعالم، وهذا يدعونا الى العمل بجهد كبير لتحصين الاجيال المقبلة”.

منذ عشرة اعوام بدأ ميلير مشروعه لتعليم الطلاب كيف يميزون بين ما هو حقيقي وما هو زائف في عالم التواصل الرقمي. حينها كان الطلاب لا يزالون يستعملون الانترنت للبحث عن المعلومات ويواجهون صعوبة في تحديد مصادر هذه المعلومات ومدى صدقيتها. كان ذلك قبل عقد من ان تبدأ حقبة دونالد ترامب. حقبة ما اصبح يعرف ب “ما بعد الحقيقية”. اذ دأب ترامب على وصف الاخبار الحقيقية التي لا تناسبه ب الاخبار المضللة. وهكذا بدأت حقبة جديدة في الولايات المتحدة اخذت تطرح فيها الاسئلة الحقيقية حول مدى تأثير الاخبار المضللة والدور الروسي فيها في الانتخابات الرئاسية الامريكية.

ويقول ميلير ان التربية الاعلامية تساعد الطلاب على فهم وتقييم المعايير المهنية للصحافة ذات الجودة، حتى يتمكنوا من معرفة اي مصادر عليهم ان يثقوا بها ويتفاعلوا معها ويشاركوها على مواقعهم. اليوم اصبح الجميع يمكنه ان ينشر. لم يعد الامر يقتصر على التفاعل السلبي مع المحتوى الرقمي. واصبح من المهم اعداد المواطنين لكي يتفاعلوا بجدية مع المحتوى الذي يستهلكونه وكذلك مع المحتوى الذي ينتجونه وينشرونه على الانترنت. اليوم نحن امام بيئة رقمية جديدة فرضها التقدم التقني والتكنولوجي على صناعة واستهلاك المحتوى الرقمي.

مع تزايد الحاجة الى معلومات ومواد تعليمية في مجال التربية الرقمية والاعلامية، اطلق “مشروع التربية الاخبارية” منصته الرقمية  في عام 2016  بهدف الوصول الى الطلاب والمدرسين والمكتبات العامة في اميركا والعالم حيث هناك انترنت  وبكل الراغبين في التفاعل والاستفادة من المواد التعليمية. وتوفر هذه المنصة التعليمية دروسا بطرق مختلفة منها طرق التعلم الذاتي. ويشارك في تقديم هذه المواد التعليمية نخبة من الاعلامييين في كبريات وسائل الاعلام الامريكية. 

دوريا، تصدر ابحاث عن المؤسسات الاكاديمية والبحثية في الولايات المتحدة الامريكية حول مدى الصعوبة التي يواجهها الأمريكيون بوجه عام والطلاب بوجه خاص في هذا المشهد المعلوماتي الجديد.

وخلصت دراسة حول تقييم مهارات التربية الاعلامية ان الطلاب "خدعوا بسهولة" وهم غير مجهزين  بالمهارات اللازمة  للبحث في  الصور والمعلومات عبر الإنترنت بنجاح وأمان. وشملت الدراسة  8000  من طلاب المدارس المتوسطة والثانوية قامت بها مجموعة ستانفورد لتاريخ التعليم عام 2016.  واشار معدو الدراسة الى انه : "بشكل عام ، يمكن تلخيص قدرة الشباب على التفكير في المعلومات على الإنترنت بكلمة واحدة: قاتمة. ... اذ تتعرض الديمقراطية للتهديد نظرا للسهولة التي يحدث فيها التضليل حول القضايا المدنية وسرعة انتشارها”.  وتابعوا ان هذه البرامج التعليمية هي "الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها التعامل مع هذه الأنواع من القضايا”. وخلصوا الى ان"القدرة على تحديد ما هو موثوق أو غير موثوق به: هي المهارة الأساسية الجديدة في مجتمعنا".

بالطبع ، المراهقون ليسوا وحدهم في مواجهة هذا التحدي. وجدت دراسة استقصائية أجريت على 19000 من البالغين أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن حقبة من الوصول غير المسبوق للمعلومات لم تترك للجمهور شعورا بانهم اكثر معرفة من قبل.” واشار الاستطلاع ، الذي رعته مؤسسة نايت ومؤسسة غالوب الى أن 73% من الأمريكيين يقولون إن انتشار المعلومات غير الدقيقة على الإنترنت مشكلة كبيرة في التغطية الإخبارية ، وأن نصفهم فقط يشعرون بالثقة في قدرة الناس على تجاوز الانحياز والتمييز بين الحقائق. علاوة على ذلك ، فإن 58% من الأمريكيين يقولون إن العدد المتزايد من مصادر الأخبار يجعل من الصعب عليهم ان يجاروا الاحداث.

والتربية الاعلامية او التربية على المعلوماتية والاعلام اصبحت اليوم من المهارات الاساسية المطلوبة للمواطنين في هذا العصر، يقول ميلير، “انها مهارة مطلوبة للقرن الحالي”.

وهناك طرق تعليمية ومناهج وطرق متعددة تتناول هذا الموضوع. قد تترواح المسائل التي تتناولها مناهج هذا الحقل من التعامل مع مصادر الاخبار والتمييز بين الصحافة ذات الجودة والمواد الاعلامية الدعائية، والى معرفة خلفيات المواد الاعلامية والاعلانية ومصادرها الى المعرفة بالخلفيات السياسية والدعاية السياسية والحملات الانتخابية الى تشكيل مناعة من المواد الاعلانية الاستهلاكية وحماية الصحة النفسية والجسدية للمراهقين الذين يستهلكون الميديا بكافة اشكالها. وان اختلفت الاهداف الخاصة من استعمال المواد التعليمية في هذا المجال، الا ان الهدف العام هو بناء قدرة المتعلمين على التحليل النقدي وتمييز المواد الاعلامية والاعلانية والحكم عليها وتمكينهم ايضا من ان يناقشوا بفعالية اراءهم عبر استخدام الاعلام الرقمي.

 انتخابات ال 2016 اعطت دفعا لحركة العاملين في التربية الاعلامية في الولايات المتحدة الامريكية، اذ اصبح المدرسون يبحثون عن مواد تعليمية تساعد طلابهم على تقييم مصداقية المعلومات التي يستهلكونها. قبل انتخابات ال 2016، “كنا نقوم بمبادرات كثيرة، الان ان هذه الانتخابات شكلت مفصلا مهما اعاد الاهتام الفعلي بهذا الحقل الذي لا يزال يعتمد على مبادرات الجمعيات المتخصصة والمهنيين ومن خارج المنهج الدراسي. وليس هناك دعم على المستوى التربوي العام وليس هناك ايضا نموذجا واحدا في تدريبها.” تقول ميشيل سيولا ليبكن المديرة التنفيذية للجمعية الوطنية للتربية الاعلامية. “ لقد شكلت التكتيكات التي استخدمت في انتخابات ال 2016 مفاجأة لنا جميعا. والاهم اليوم ان نعمل على برامج تساعد المواطنين على ان يفهموا ويعرفوا كيف يفكرون حول التكنولوجيا وليس فقط ان يتعلموا كيف بيستخدمونها.” واشارت الى ان 28 ولاية اميركية تعتمد في برامجها التعليمية موادا متعلقة في الاعلام ( common core state standards ) . ولكن لم يتم بعد اعتماد منهج مخصص على المستوى التربوي العام. وحدها ولاية كالفورنيا تنظر اليوم في اقرار اعتماده.  

هناك حركة شعبية تطالب باعتماد مقررات للتربية الرقمية على المستوى التربوي. “اذا اصبح ملحا مع ما حصل في الانتخابات الاميركية الاخيرة من خرق كبير للدعاية الروسية لوسائل التواصل الاجتماعي لدينا. ان انتخاب ترامب غير المشهد السياسي لدينا”.  هذا ما تقوله شيري هوب كولفر مديرة مركز التربية الاعلامية والمعلوماتية في جامعة تامبل في فيلادلفيا. اذ تشرف كولفر على مقرر دراسي في هذه الجامعة وهو مفتوح للطلاب الجامعيين الذين يريدون تعميق معرفتهم بالاعلام ولاسيما في اعداد المواد الاعلامية للاطفال. وتعتبر ان “التغطية الاعلامية هذه الايام لا تساعدنا كثيرا على فهم الاحداث بعمق، لانها تركز على الصدام الدائر حاليا في مجتمعنا”.

ما مدى فاعلية هذه التربية الرقمية ولاسيما ان كل الدراسات تشير الى ان الناس عادة ميالون الى ان يصدقوا ويتفاعلوا مع ما يتناسب مع قناعاتهم؟

مدى فاعلية هذه المناهج لا تزال تحتاج الى مزيد من الوقت والبحث. لاسيما انها لا تدرس بنفس المنهج. ولم تعتمد بصلب المواد التعليمية بعد. غير ان ما نستنتجه من الدراسات الكثيرة التي اجريت حول سهولة تشارك ووصول الاخبار الزائفة وميل الناس اكثر الى تصديقها ومشاركتها،ان هناك  عوائق اساسية  تحتاج الى جهود كبيرة لمواجهتها، لاسيما ان التقدم التكنولوجي اصبح بمكان يمكن من يستخدمونه على انتاج محتوى كاذب ومضلل باحترافية عالية.   

توصلت دراسة حديثة حول انتشار الاخبار عبر تويتر قام بها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الشائعات الكاذبة تصل عبر الإنترنت بشكل أسرع وأبعد وأعمق من القصص الحقيقية. وتتبع الباحثون أكثر من 126,000 قصة طالت حوالي 3 ملايين شخص على مواقع التواصل الاجتماعي في عام 2006  حتى عام 2017

هذا ما وجدوه:ان الأخبار الكاذبة أكثر عرضة للتغريد، بنسبة 70 في المئة، من القصص الحقيقية للمواطنين العاديين. تحتاج القصص الحقيقية لحوالي ستة أضعاف من الوقت للوصول إلى 1500 شخص من القصص الكاذبة.نادرًا ما تصل القصص الحقيقية إلى أكثر من 1000 شخص. في حين ان  تتم مشاركة 1? من افضل القصص الزائفة بشكل روتيني من قبل 1000 إلى 100,000 شخص.

لماذا يميل الناس الى الخلط ما بين الوقائع والاراء؟ عوامل كثيرة تتحكم بما نعتقده،  وقد اشارت كاترينا ماتسا، المديرة المعاونة للبحث الصحافي في مركز بيو للابحاث “ ان الانتماء السياسي يلعب دورا في كيفية تمييز الاميركيين للاخبار الواردة كحقائق او كآراء، اذ بينت آخر الدراسات التي قام بها مركزها بعنوان التمييز ما بين الحقائق والاراء في الاخبار الى ان هذه القدرة على التمييز تحكمها عوامل الانتماء السياسي، ما بين ديموقراطي وجمهوري. وقد شددت انه لم يكن المجتمع الاميركي في تاريخه مقسوما كما هو اليوم.

رغم التحديات العملية، الا ان مواجهة التضليل الاعلامي تأخذ بعدا جديا في الولايات المتحدة الامريكية التي تكثر فيها المبادرات والدراسات والابحاث لمواجهة اي خطر او تهديد لمجتمعها وكيف اذا كان الخطر هو خطر تسلل دعاية من انظمة قمعية ديكتاتورية لا تتشارك القيم عينها مع المجتمع الاميركي ولا يشهد لها بتاريخ عريق في حماية الاعلام وحرية التعبير. هدفها زعزعة الديموقراطية وزعزعة ثقة الناس بحكامهم. انها مسألة امن قومي!  

ملاحظة المحرر: المعلومات المقدمة في هذا المقال مستقاة من مقابلات وزيارات ميدانية في اطار جولة صحافية نظمها مركز الصحافة الاجنبية التابع لوزارة الخارجية الامريكية ل 24 صحافيا من مختلف البلدان، تحت عنوان “ “التربية الاعلامية ومكافحة التضليل الاعلامي. يعمل هذا المركز على تعميق فهم سياسة الولايات المتحدة الامريكية والقيم المجتمعية من خلال التفاعل والتواصل مع الاعلام الاجنبي. وتهدف الجولات الاعلامية التي ينظمها الى اطلاع الاعلام الاجنبي على الموضوعات السياسية الاساسية التي يتم التداول فيها وكذلك الاطلاع على نواح من الحياة المجتمعية الامريكية والثقافة السائدة والسياسات المتداولة.