مبادرة طريق الحرير الرقميّة: الصين تصدّر أسلوب حوكمتها للإنترنت
17-01-2019

في تشرين الأول 2018، نشرت Freedom House (منظمة دولية معنية بالديموقراطية وحرية التعبير على الإنترنت) تقريرها السنوي حول "الحرية على شبكة الإنترنت 2018" في العالم. وجاء في التقرير أنّ الصين تصدّرت الدول المسيئة للنموذج الحرّ والمنفتح للإنترنت في العالم.

وبدأت المخاوف تظهر، بعد محاولات الصين تصدير نموذج حوكمتها "الاستبدادي والتسلطي" إلى دول آسيوية وأفريقية. ما هو فعلياً نموذج الصين لحوكمة الإنترنت وكيف تتمّ إدارته؟ وكيف تُصدّر الصين هذا النموذج؟

عند الحديث عن الصين، لا يمكن إلّا الإتيان على ذكر جدار الصين العظيم ... وللإنترنت أيضاً جدارعظيم وهو جدار الحماية العظيم (Great Firewall) التي بنت عليه السلطات الصينية أسلوبها بإدارة الإنترنت داخل الصين. فجدار الحماية منع الولوج إلى آلاف المواقع الإلكترونية وحجب مواقع التواصل الاجتماعي الكلاسيكية كالفايسبوك وتويتر وغيرهما... مما دفع المبرمجين الصينيين إلى ابتكار برامج تواصل اجتماعي للصين وأبرزها WeChat-Sina Weibo – Toudou Youku. وسهّل هذا الأمر على السلطات الأمنية الصينية مراقبة هذه المواقع والأحاديث والمواضيع التي تنشر عليها. علماً أنّ كل فترة تحجب السلطات كلمات أو لائحة كلمات عن محركات البحث والمواقع على الإنترنت. مثلاً: عام 2011 تم حجب البحث عن "الربيع العربي".

في عام 2017، أقرّ قانون جديد للإنترنت في الصين، "قانون الأمن السيبراني الصيني"، وبدأت فاعليته في 1 حزيران 2017. أدى هذا القانون إلى تعزيز دور مكتب إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين (Cyberspace Administration of China) وتنظيم وتطوير تقنيات المراقبة ذات تكنولوجيا متقدمة وضرب مفاهيم الخصوصية على الشبكة العنكبوتية. كما أدى هذا القانون إلى فرض القوانين الصينية على شركات ومواقع أجنبية مثل حذف شركة Apple للعديد من تطبيقات الـVPN التي يستخدمها المواطن الصيني لخرق جدار الحماية والدخول إلى مواقع إلكترونية محجوبة.

ومن أبرز تداعيات هذا القانون هي عمليات المراقبة الإلكترونية واستخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة سكان منطقة Xinjiang ذات الأغلبية المسلمة. فالسلطات الصينية لا تتوانى عن مراقبة الأجهزة الإلكترونية لسكان المنطقة كما نشرت كاميرات مراقبة ذات تقنية عالية في أنحاء المنطقة. كما هنالك برنامج يقوم بحفظ جميع معلومات سكان المنطقة بدءاً من بطاقات الهوية إلى لوحات السيارات، ومروراً بالحسابات المصرفية وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم الصين بتطوير برنامج "رصيد اجتماعي" حيث يجمع معلومات عن عادات المواطن، ماذا يشتري، من هم أصدقائه، نشاطاته اليومية، بهدف تقييم المواطن إذا ما كان جديراً بالثقة أو لا!

ووفق موقع Freedom House، فإنّ خصائص النظام الصيني لحوكمة الإنترنت هي التالية:

خصائص النموذج الصيني لحوكمة الإنترنت

ويبدو من خلال قراءة تقرير Freedom House أنّ الصين عازمة على نقل نموذج حوكمتها إلى دول أخرى. ويتمّ هذا الأمر من خلال مبادرة "طريق الحرير الرقميّة" (Digital Silk Road) وتدريبات لإداريين وصحافيين من دول مختلفة.

مبادرة طريق الحرير، خطة صينية هدفها إعادة إحياء طريق الحرير التجارية البرية والبحرية. أما مبادرة طريق الحرير الرقمية فمن أهدافها الرئيسية:

تصدير تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت عبر مشاريع بنى تحتية وإمدادات Fiber Optics:

تبني شركة هاواوي الصينية أكبر شبكة للإنترنت في المكسيك، وشبكة 5G في كل من بنغلادش وكمبوديا. وتعمل كمستشار للحكومة الكينية فيما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

تعمل شركة CloudWalk مع حكومة زيمبابوي على بناء شبكة وطنية للتعرف على الوجوه وحفظ المعلومات.

نقل النموذج الصيني لإدارة الإنترنت:

تعقد الصين سنوياً العديد من الحلقات والدورات والتدريبات، مع سياسيين وإعلاميين، لنقل وشرح نموذجها في إدارة الإنترنت. لم تقتصر فقط هذه التدريبات على شرح قوانين الإنترنت الصينية بل أيضاً على طرق التحكم بنقل ونشر المعلومات، التلاعب بالرأي العام وغيرها... كما يزور المتدربون في إطار دوراتهم مقرّ شركة تعنى بمراقبة "آنية" للرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي.

في أيار 2018، دعت السلطات الصينية إعلاميين من الفيليبين للتعرّف على "النموذج الصيني للإعلام الاشتراكي" و"التطوّرات الجديدة في الإعلام".

كما شارك إعلاميون عرب وإداريون من مصر، الأردن، لبنان، ليبيا، المغرب، السعودية والإمارات في حلقة دراسية لمدة ثلاثة أسابيع. وتبنّت كل من أوغندا وتانزانيا خلال السنة الماضية قوانين تقيّد الإعلام والإنترنت، وهي مواد مستوحاة من القوانين الصينية.

إلى أين تصدر الصين نموذجها؟

تحدث المدير التنفيذي السابق لشركة غوغل، إيريك شميدت (Eric Schmidt)، عن وجود حالياً طريقتين لإدارة الإنترنت في العالم: الطريقة الأميركية والطريقة الصينية.

 دول ستتّبع النموذج الأول الكلاسيكي ودول ستتّبع النموذج الثاني، التي لا تتوانى المقالات والتقارير بتسميته "Digital Authoritarianism" أي الاستبداد الرقمي. فالصين تعمل اليوم وأكثر من أي وقت سابق على تصدير تكنولوجيا عالم الاتصالات والإنترنت والإعلام؛ وتعمل على أن تكون هي الدولة المرجعية في تقنية الذكاء الاصطناعي. وتعمل الصين أيضاً على إدخال مفاهيم جديدة لعالم الإنترنت مثل "Internet Sovereignty" أو السيادة في الإنترنت، أي سيادة الدولة على الإنترنت على أراضيها. الأمر الذي يضع الصين في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية منبع شبكة الإنترنت والذكاء الاصطناعي.

وهنا نتساءل هل نحن أمام حربٍ جديدةٍ ما بين الصين والولايات المتحدة الأميركية؟ هل نحن أمام خيارين "أيديولوجيين" في إدارة الإنترنت؟

"الانفتاح" VS "السيادة في الإنترنت".