الصحافة الاستقصائية والبحث في مواجهة التلاعب الاعلامي
31-10-2018

مهارات نيوز: واشنطن/فيلادلفيا

كيف يمكن ان نبني مجتمعا اكثر مناعة، اقل ضعفا، واكثر مرونة، في مجال مكافحة التضليل الاعلامي. اسئلة تشغل المعنيين في الاوساط الامريكية، لاسيما بعدما  تبين حجم التضليل الاعلامي الذي وقع ضحيته المواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي اثناء الانتخابات الرئاسية الامريكية.

لا يمر يوم من دون ان يورد الاعلام الامريكي مقالات وتحقيقات عن اخر التحقيقات والمواقف  في هذا المجال.  الاولوية اليوم لحماية الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الامريكية . وقد وجهت القيادة الإلكترونية للولايات المتحدة رسائل الى عملاء روس فرديين في محاولة لردعهم عن نشر المعلومات المضللة للتدخل في الانتخابات النصفية، وإخبارهم بانه تم تحدديهم ويجري تتبع عملهم، وفقًا لمسؤولين تمت إحاطتهم بهذه العملية.

دور الصحافة الاستقصائية في مواجهة  التضليل

اما على المدى البعيد لا بد من رفع وعي المواطنين على اخطارالاخبار الكاذبة. ويلعب الاعلام والمجتمع المدني دورا فاعلا في بناء هذه الثقافة وهذه المناعة. ان تغيير المعادلة يتطلب عملا على توعية الجمهور. 

ان التدخل الروسي في الانتخابات الامريكية  في مناطق كثيرة حول العالم، اعاد الاهتمام بدور وسائل الاعلام المحوري في حماية الديموقراطية وفي مساعدة الناس على معرفة  طرق التلاعب وتمكينهم من تكوين مناعة تجاهها. يقول جوناثان هينك ، نائب المنسق في " مركز المشاركة العالمية"

"ان دور الاعلام محوري في مكافحة التضليل الاعلامي. ومن المهم ان يستمر الاعلام في النمو في بيئة حيوية تزدهر فيها الصحافة الاستقصائية وان يصبح المجتمع المدني فاعلا في التحقق من المعلومات، ومن ان يتمكن من محاسبة المسؤولين  ومن فضح هذا النوع من التلاعب".

هل الناس يعرفون انهم عرضة لهذا التلاعب؟ وهل يعرفون ادواته حتى يتمكنوا من ان يبنوا مناعتهم تجاهه؟

ليس بالضرورة انهم يعرفون، وهذا ما يصعب الامور على الحكومات والفاعلين غير الحكوميين، السياسيين المستقلين، والاحزاب السياسية لمواجهة هذا التلاعب.  ويشرح هينك ان هناك دورا يمكن ان تلعبه الحكومات والمشرعون وكذلك القطاع الخاص. "ومن الواضح ان مكافحة الاخبار الكاذبة  لن تكون معالجته سهلة. وستأخذ بعض الوقت. وقد اخذت منصات التواصل الاجتماعي وقتا حتى تمنع حسابا ما او تقفله، اذ لديهم سياستهم الخاصة للاستخدام وعليهم ان يتحققوا من كل حساب او موقع قبل ان يأخذوا القرار باقفاله.  والمشكلة ان هذه المنصات لديها مئات الملايين من المستخدمين وهم يعملون وفق خوارزميات وبرامج تستخدم الذكاء الاصطناعي وهذا يصعب عليهم عملية مراقبة عدد المتصفحين وعدد البوستات الذي ينشرفي كافة الحسابات."

اذا التحدي هو تكنولوجي، وكذلك هو تنظيمي، وكذلك تحد مجتمعي، ويتابع هينك "لذا يجب ان نعمل على كل هذه الصعد معا. اليوم منصات التواصل الاجتماعي قائمة على نموذج اعمال يربح من عدد البوستات ومن حجم تداول هذه البوستات. نعم، هذا يهدد نموذج الاعمال ويقلل من الارباح ولكن على هذه المنصات ان تعي ان سمعتها ستسيء ان لم تتعامل مع الاضرار التي تحدثها.  لقد صرح مؤسس شركة فيسبوك ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ العام الماضي ان فايسبوك يقبل ان يقلل من ارباحه من اجل ان يوفر تجربة قيمة لمستخدميه. اظن ان منصات التواصل الاجتماعي توصلت الى قناعة انه لا يمكنها ان تنساق فقط الى منطق الربح."

وعلى الاعلام ايضا ان يلعب دوره في شرح ما يحدث من حملات مضللة وشرح المصطلحات المستخدمة اليوم كي يتمكن المتابعون من فهم التقنيات والادوات المستخدمة في هذا التلاعب.

الحرب السيبرانية: ماذا علينا ان نفعل؟ 

لا يكاد يمر يوم ايضا من دون ان تنشر دراسة او تحليل اكاديمي حول التضليل الاعلامي والدعاية الروسية. الاهم اليوم هو ان يفهم الباحثون ادوات الدعاية الروسية ومكامن الضعف التي تمكنوا منها الى الولوج الى العقل الامريكي. هذا ما تحاول الإجابة عليه كاثلين هال جيميسون، الباحثة في الاعلام والتواصل السياسي، في معهد اننبرغ  للسياسات العامة في جامعة بنسلفينيا.

الواضح، ان تدخلا روسيا حصل في الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ لكن ما هو غير واضح هو إذا ما كان التدخل سببا لوصول ترامب الى سدة الرئاسة.

انطلقت جيميسون من فكرة ان الفرد لا ينتخب بشكل عقلاني ودون التأثيرات الخارجية. هذه التأثيرات متعددة وموجودة في الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهذه الرسائل تتكرر على هذه المنصات وتصبح شبه حقيقة مطلقة واساسية وإحدى المسائل التي ستدخل وتؤثر في تصويتنا. هذه كانت الاستراتيجية الروسية، كيف طبّقت؟

وقد حصلت الدعاية المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسط بيئة قانونية لا تمنع النشر او التداول في المعلومات على وسائل الاعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي قبل او يوم الانتخابات كما يحصل في العديد من البلدان حول العالم حيث هناك قوانين للاعلام والاعلان الانتخابي وهناك صمت انتخابي يفرض على وسائل الاعلام وكذلك على وسائل التواصل الاجتماعي ومثال ذلك الانتخابات الفرنسية مثلا.

معلومات عن الانتخابات الأميركية ومزايا الناخبين:

وفق جيميسون، أعطت المقالات والدراسات للانتخابات الرئاسية الأميركية المعلومات الكافية لأي شخص في العالم لمعرفة تفاصيل هذه الانتخابات، من: الهوية الحزبية لكل مقاطعة، عدد الناخبين، العدد الكافي لكل حزب للنجاح والوصول الى البيت الأبيض... وهذا ما حصلت عليه القوات الروسية.

كما ان سرقة بيانات الحزب الديموقراطي ولائحة مناصريهم، ساهمت بمعرفة مزايا وصفات الناخبين الديموقراطيين. إضافة الى ذلك، تمكن الروس من تحديد الفئة المترددة والتي لم تحسم بعد صوتها. وكانت اهداف رسائل الروس هؤلاء المترددين لا سيما من هم غير راضين من النظام السياسي الاميركي؛ اذ خلقت صورا وفيديوهات تتوجه لهؤلاء مع رسائل ضمنية ضد هيلاري كلينتون وسياستها.

والدراسات التي حللت نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2016 اظهرت ان لولا قدامى الجيش الاميركي لما ربح ترامب ولولا المحافظين الانجيليين والكاثوليك لما ربح ترامب.

استهدفت حملة ترامب هذه الفئات كما الفريق الروسي. اذاً، وجّه خطابان لهذه الفئة المستهدفة حاملةً نفس الخطاب الذي يستهدف مشاعرهم ومخاوفهم "الخوف من المهاجرين"، "الخوف من المسلمين"، "مركز اميركا في العالم"...

كيف حصل هذا الامر تحديداً؟

دور وسائل التواصل الاجتماعي:

بعد ان حددت الفرق الروسية الفئة المستهدفة من الناخبين ومخاوفهم، اعدت هذه الفرق عددا من الرسائل الموجهة مستغلةً ما سرقته من رسائل الكترونية من بريد كلينتون وخادم (Server) الحزب الديومقراطي. ونشرت هذه الرسائل عبر وسائل الاعلام الاجتماعي من Facebook  و Twitter  و YouTube.

صور لبوستاتتم نشرها من قبل حسابات وهمية

Source: Washington Post

استخدم الروس حسابات وهمية لنشر هذه الرسائل بالاضافة الى قرصنة عدد من الحسابات القديمة واستخدام الحسابات الالية (bot) لنشر الصور والفيديوهات والهاشتاغز بشكل متواصل وضاغط.

احدى البوستات التي انتشرت ضد الحزب الديموقراطي وهيلاري كلينتون

المصدر: غوغل

تقول جيميسون ان نشر هذه الرسائل بشكل متواصل وكثيف يؤثر على الناخب المتردد لا سيما من لديهم شكوك بالحزب الديموقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون. وتصبح في النهاية حقيقة في عقل الناخب.

Source: New York Times

كما نشر الروس لعبة الكترونية تتضمن وتحمل رسائل مضادة لسياسيات هيلاري كلينتون.

هذا التكرار بنشر الرسائل نفسها كان مفتاح النجاح للفريق الروسي. واستغلال الروس لنقاط ضعف الاعلام الاميركي وبرمجة وسائل التواصل الاجتماعي كان المفتاح الاخر!

العيوب في الاعلام الأميركي:

لحظت جيميسون ان الاعلام الاميركي لم يقم بدوره الاساسي اي البحث والتحقق ونقل رسائل المرشحين واتجه نحو السكوب والفضائح. مثال على ذلك هي قضية ويكيليكس وتسريب مضمون رسائل كلينتون والحزب الديموقراطي.

اتجه الاعلام الاميركي على نشر مضمون تسريبات ويكيليكس من دون ذكر ان من سرق هذه المعلومات هم الروس وسربوها لويكيليكس. ولم يلحظ الاعلام الاميركي العلاقة السيئة بين كل من اسانج (المسؤول عن ويكيليس) وهيلاري كلينتون التي هي احد المسؤولين الذين طالبوا بمحاكمته وسبب وجوده في سفارة الايكوادور في لندن.

لو عرف الرأي العام الاميركي بهذه المعلومات هل كان سيأخذ بهذه الرسائل المسربة؟

الضعف في وسائل التواصل الاجتماعي:

لقد استغل الروس نقاط الضعف في برمجة وسائل التواصل الاجتماعي من خلال خلق حسابات وهمية وجيش الكتروني وهمي ضغط على الناخبين عبر وسائل يمضون معظم وقتهم عليها.

صورة لهشتاغز تمكن الروس من نشرها وتصدرت قائمة الهاشتاغز في الولايات المتحدة الاميركية

Source: New York Times

بالنسبة ل جيميسون، ان التدخل الروسي السيبيراني هو "احد عوامل"وصول ترامب الى الرئاسة وليس العامل الوحيد.

لكن ما هو الواضح، ان هنالك خرقا امنيا للدولة الاميركية وتلاعبا بالرأي العام وهذا ما يطرح تساؤلا عما اذا كانت نتائج هذه الانتخابات شرعية وتنمّ فعلاً عن الرأي العام الاميركي.

اول بوست بيّن تدخلا اجنبيا في الانتخابات الاميركية الرئاسية عام 2016

"ماذا علينا ان نفعل؟"

لقد تزامنت جولتنا الصحافية مع  نشر الدكتورة جيميسون لكتاب بعنوان "الحرب الالكترونية: كيف ساهم القراصنة الروس بانتخاب رئيس" (Cyber-war: How Russian hackers and trolls helped elect a president, OUP, 2018))

في هذا الكتاب، عرضت جيميسون بالتفاصيل طريقة عمل الروس وكيف تم التعامل مع الامر في الاعلام الاميركي واثرها على الحملات الانتخابية الرئاسية لا سيما في الشهر الاخير. وفي خلاصة الكتاب ابرز "التوصيات"لجميع من وقعوا ضحايا العمليات الروسية.

1. الادارة الاميركية:

على الرئيس الاميركي دونالد ترامب وفريقه الاعتراف بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الاميركية. لا سيما بعد تقارير الهيئات الامنية التي اقرت واثبتت هذا التدخل.

2. الصحافة الاميركية:

يقع نجاح الحملة الروسية جزئياً على الصحافة الاميركية. فطريقة تعامل الصحافة مع الوثائق والرسائل التي سربت و تمربطها ب ويكيليكس وليس بالقراصنة الروس اعطى شرعية اضافية لهذه الوثائق. والتهت الصحافة بالكتابة عن هذه الوثائق المسربة وتناست مواضيع اخرى ذات اهمية في الحملات الرئاسية.

لذلك من المهم على الصحافة ان تسأل نفسها العديد من الاسئلة اهمها: "ماذا كان على الصحافي والمحرر القيام به بطريقة مختلفة؟"

3. وسائل التواصل الاجتماعي:

وقعت جميع وسائل التواصل الاجتماعي (Facebook, Twitter, YouTube, Tumblr, Instagram…) ضحايا العمليات الروسية. وتبين عبر ذلك ان هذه الوسائل لم يكن لديها الامكانيات لردع هذا الهجوم الالكتروني الروسي.

نلاحظ بعد الانتخابات ان كلا من فايسبوك وتوتير عملا على تطوير موقعهما للحد من قيام هكذا هجوم لا سيما في حجب عدد كبير من الحسابات الوهمية.

وما يمكن فعله هو التالي:

- القدرة على الحجب والاشعار: لا سيما الحسابات الوهمية واعلان ان هذه الحسابات كانت تسيرها  ماكينات.

- معلومات اضافية: مثالاً ان هذه الدعاية مدفوعة ومن موّلها.

- الكشف عن البيانات: من وراء هذه الدعاية ومدة تسويقها...

- منع الاجانب من شراء دعايات انتخابية للمرشحين: عبر سياسة معينة يمكن لكل من توتير وفايسبوك اتباعها مثلاً ارسال رمز تحقق من قبل جهات امنية.

4. المواطن:

دفعه على القدرة على التمييز بين مصادر المعلومات الحقيقية والموثوقبها.

5. المرشح:

كل من المرشحين، ترامب وكلينتون، ساهما بتعزيز عمل الهجوم الروسي. ترامب بما قاله عن تسريبات ويكيليكس ومطالبة الروس عن الكشف عن  30000مستند لم ينشر بعد وكلينتون بما لم تفعله وهو التحرك بسرعة لمواجهة تسرب معلوماتها ومستنداتها.

ملاحظة المحرر: المعلومات المقدمة في هذا المقال مستقاة من مقابلات وزيارات ميدانية في اطار جولة صحافية نظمها مركز الصحافة الاجنبية التابع لوزارة الخارجية الامريكية ل 24 صحافيا من مختلف البلدان، تحت عنوان “ “التربية الاعلامية ومكافحة التضليل الاعلامي. يعمل هذا المركز على تعميق فهم سياسة الولايات المتحدة الامريكية والقيم المجتمعية من خلال التفاعل والتواصل مع الاعلام الاجنبي. وتهدف الجولات الاعلامية التي ينظمها الى اطلاع الاعلام الاجنبي على الموضوعات السياسية الاساسية التي يتم التداول فيها وكذلك الاطلاع على نواح من الحياة المجتمعية الامريكية والثقافة السائدة والسياسات المتداولة.