ما هو الخصم القسري للدين (Haircut)؟
17-01-2019

في أواخر العام 2018، أصدرالمصرف الاستثماري غولدمان ساكس تقريراً تحدث فيه عن وضع لبنان المالي والاقتصادي الصعب والمتدهور في السنين الأخيرة، محذراً من صعوبة السياسة المالية التي يعتمدها مصرف لبنان في انقاذ البلاد في المستقبل القريب. وشدّد التقرير على أن السياسات المالية وإعادة هيكلة النظام الضريبي لن تنقذا لبنان من هذه الازمة ومن تدهور قيمة العملة اللبنانية.

من ثم أعاد هذا المصرف إصدار تقرير ثانٍ يتحدث فيه عن السياسات التي يمكن اتّباعها للخروج من الأزمة المرتقبة، ذاكراً سياسة "إعادة هيكلة سندات الدين" و "الخصم القسري للدين" (Haircut) لا سيما لليوروبوند. الأمر الذي أثار بعض البلبلة في لبنان.

إلّا أنّ تصريح وزير المالية في حكومة تصريف الأموال علي حسن خليل حول نيّة "إعادة هيكلة سندات الدين" في لبنان، أثار الهلع في القطاع المصرفي اللبناني والمستثمرين الأجانب. وذُكرت من جديد عملية الخصم القسري للدين (Haircut) وإمكانية أن تطال حسابات المودعين الصغار في المصارف اللبنانية.

لكن، ما هي تحديداً عملية الخصم القسري للدين، متى تنفّذ؟ ومن هي البدان التي طبقت هذه السياسة في الأعوام الأخيرة؟

الخصم القسري للدين عملية مالية تم استعمالها بُعيد الأزمة المالية التي عصفت بدول الاتحاد الأوروبي لا سيما اليونان وقبرص. وبلغت نسبتها حوالي الـ50% في هذه الدول. لكن ماذا يعني "الخصم القسري للدين" ولماذا يقبل به المستثمرون والدائنون؟

تعريف

وفق تعريف البنك المركزي الأوروبي، فإنّ الخصم القسري للدين/"قص الشعر" (Haircut - Décote)هو عبارة عن حسم قيمة الأصول المالية مثل سندات الخزينة. ووحدة قياسها دائماً النسبة المئوية.

مثلاً: إذا افترضنا أنّ قيمة سند خزينة 1 مليون دولار، وتمّت عملية خصم قسري للدين بنسبة 20%، تصبح قيمة هذا السند 0.8 مليون دولار. أي أنّ صاحب هذا السند سيحصل على 0.8 مليون دولار بدل مليون دولار.

وفي بعض الأحيان، يمكن لصحاب هذا السند أن يحصل أولاً على 0.8 مليون دولار والباقي خلال عدد من السنوات.

لماذا يقبل المستثمر والمُدين بعملية الخصم القسري للدين؟

إنّ 0.8 مليون دولار من أصل 1 مليون أفضل من صفر في حال الإفلاس.وبذلك لا يخسر المستثمر و/أو المدين جميع أموالهما.  ويمكن أن يتمّ التفاوض لاسترجاع كامل المبلغ لاحقاً ولكن على فترة زمنية وبفائدة مئوية أخرى.

متى تنفّذ؟

تنفذ هذه العملية المالية عندما تعيد الدولة هيكلة دينها أو عند تغيير جدولة وعمليات التسديد.

الخصم القسري للدين في بعض الدول:

عقب الأزمة المالية التي عصفت بالاتحاد الأوروبي منذ العام 2009، تبنّت كل من اليونان وقبرص عملية الخصم القسري للدين:

اليونان

مرّت اليونان في العقد الأخير في أزمة مالية أدّت إلى زعزعة منطقة اليورو. ولتفادي آثار الأزمة، عُقدت دورات مفاوضات مع الترويكا (صندوق النقد الدولي/ البنك المركزي الأوروبي/ المفوضية الاوروبية) لوضع خطة إنقاذية للاقتصاد اليوناني.

نتج عن هذه المفاوضات اعتماد عملية الخصم القسري عام 2011 (بلغ حينها 50%). وخسر حينها المقرضون 50% من أموالهم في اليونان. وتبعت هذه العملية سياسة اقتصادية تقشفية.

أعيد الحديث عن الخصم القسري عامي 2012 و2015، لكن السلطات اليونانية فشلت في الوصول إلى اتفاق مع الترويكا والمقرضين.

قبرص

تأثّرت قبرص بالأزمة المالية التي عصفت باليونان لا سيما بعد عملية الخصم القسري للدين اليوناني عام 2011، وبالتالي ظهرت الأزمة الداخلية للقطاع المصرفي القبرصي خلال عامي 2012 و2013. تحدثت بعض التقارير حينها عن أنّ عملية الخصم القسري للدين ستطال خاصة المودعين الكبار، ولكنها طالت جميع المودعين. وبلغت حينها نسبة الخصم بين 12.5% و60%. وتجدر الإشارة إلى أنّ لكل بنك قبرصي نسبة مختلفة عن الاخر لأسباب مختلفة.

وتبع عملية الخصم القسري في قبرص قرارات مصرفية عديدة، أبرزها تحديد قيمة معينة للسحب يومياً من المصارف (300 يورو يومياً)، ومنع خروج رؤوس الأموال من البلاد.

لبنان: ما جدوى الخصم القسري؟

وبالعودة إلى لبنان، من المتعارف أنّ النسبة الأعلى للدين العام دين داخلي، أي أنّ المصرف المركزي والمصارف اللبنانية هي الجهات المُدينة للدولة اللبنانية. وفي حال تطبيق عملية الخصم القسري للدين، فإنّ القطاع المصرفي اللبناني سيكون جزءاً من ضحاياها، ولهذا الامر تداعيات وخيمة على جميع الطبقات اللبنانية لا سيما الطبقة الوسطى.

كما أنه في حال افترضنا أنّ عملية إعادة هيكلة الدين والخصم القسري للدين سيحصل، بموافقة جميع الأفرقاء من الداخل والخارج، ألن يفرض هؤلاء على الدولة اللبنانية شروطاً قاسية وسياسات مالية واقتصادية لكي لا يتراكم الدين من جديد؟ وفي ظل النظام السياسي والاقتصادي الحالي، هل ثمة جدوى من هذه العملية اذا لم يكن هنالك نيّة جدية بتطبيق الإصلاحات المذكورة على الأقل في مؤتمر "سيدر"وتقرير ماكنزي!