تقلّص الفضاء المدني... التضامن والتشبيك هو الحل
09-05-2019

يشهد المجتمع المدني اليوم اتجاهاً عالمياً نحو تراجع الفضاء المدني المتاح له، مما يحد من قدرة منظمات المجتمع المدني على ممارسة دورها بفعالية، خاصة في عملية التنمية. ويشمل هذا الإتجاه التعدي على حقوق المنظمات والأفراد في حرية التعبير والتجمع والتظاهر والتسجيل والوصول إلى الموارد المالية والمعلومات. وعملياً، قد يعني ذلك الإعتداء الجسدي على الناشطين أو اعتقالهم أو إختفاءهم قسرياً أو إغلاق الجمعيات ومنع التظاهر والتجمع. وفي الدول العربية خاصة، يواجه المجتمع المدني تراجع الفضاء المدني بشكل ملحوظ. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى الوضع السياسي الذي تعيشه المنطقة العربية وما تشهده من نزاعات وانعدام في الإستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو إلى عودة بعض الأنظمة إلى الإستبداد والديكتاتورية. 

منذ العام 2015 اعتمدت 20 دولة 64 قانونا ونظاما تقييدا للحيز المدني وفقا لإحصائية المركز الدولي لقوانين منظمات المجتمع المدني، ويشمل ذلك تبني سياسات تحد من المشاركة المدنية وتحرم منظمات المجتمع المدني من الوصول الى عمليات صنع السياسات، وبالتالي التقليل من المشاركة المدنية التي تعتبر عنصرا اساسيا في تطبيق اي نهج ديمقراطي قائم على حقوق الانسان.

يشير تقييم مرصد سيفيكاس (شبكة دولية لرصد الحريات) بتقدير انفتاح وقوة الفضاء المدني في البلدان المعنية. وفي هذا الصدد، تم تصنيف البحرين ومصر وإيران والمملكة العربية السعودية وسوريا واليمن والإمارات العربية المتحدة على أنها بلاد "مغلقة"، مما يشير إلى أن الفضاء المدني ليس مقبولاً قانونياً أو بالممارسة. تقابل محاولات تحدي هذا الإغلاق باتخاذ تدابير قمعية للغاية من جانب الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية. هناك ثلاثة دول أخرى، وهم العراق وقطر وعمان، يصنف فيهم الفضاء المدني بأنه "قمعي"، وهذا يعني أن هناك نافذة للنشاط الحقوقي، إلا أنها تخضع لنفس التدابير القمعية ذاتها في البلدان "المغلقة". ويصنف الفضاء المدني في كل من الكويت ولبنان والأردن على أنه "معرقل"، حيث يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تعمل، إلا أن المجتمع المدني يواجه مجموعة من القيود القانونية والعملية.

واقع الفضاء المدني

من المهم التأكيد على أن استخدام مصطلح "الفضاء المدني" ? يقصد به ممارسة الحقوق والحريات في العالم المادي فقط. بل يشمل الفضاء المدني ويتجاوز العالم المادي الى الفضاء الالكتروني. فهو الحيز الذي يُجرى فيه النشاط الحقوقي المتنوع متعدد الطبقات عبر الوسائل المختلفة. على هذا النحو، فإنه أصبح أكثر وضوحاً وتعزز بشكل خاص بسبب انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي، خاصة في المنطقة، مما ساعد على ظهور الفضاء المدني افتراضياً في الفضاء الإلكتروني.

من ثمَّ، ازداد التهديد في السنوات الاخيرة، حيث تظهر الجهود الحكومية بشكل كبير لتقييد الفضاء المدني على الإنترنت أو على أرض الواقع، عبر زيادة التدابير القمعية المتخذة لوضع المدافعين عن حقوق الإنسان تحت المراقبة بشكل مفرط، مما يؤدي إلى مقاضاتهم بسبب نشاطهم على الإنترنت أو في الواقع. فمنذ عدة سنوات يشهد الفضاء المدني في الدول العربية تقلصا سريعا مع تزايد انواع الانتهاكات المرتكبة بحق الناشطين الحقوقيين والصحافيين وتنوع اساليبها. مضايقات، إعتقالات، استخدام للعنف والتعذيب، محاكمات جائرة، وإلغاء الجنسية وحظر السفر وما إلى ذلك من ممارسات، تضاف اليها إرتفاع حالات الافلات من العقاب في الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين والناشطيين، فضلا عن الأزمات الاقتصادية التي انعكست على الصحافة وعلى ضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لموظفيها.

لفت مدير مركز الخليج لحقوق الانسان خالد ابراهيم الى ان الفضاء المدني بات مغلقا مقارنة بالسابق، فالعديد من الناشطين والناشطات يعانون انتهاكات مختلفة مثل الحبس وحظر السفر بسبب نشاطهم على الانترنت، اضافة الى اغلاق العديد من الصحف مثل صحيفة الزمن في عمان والوسط في البحرين. 

في المقابل أكد نائب مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان زياد عبد التواب ان المساحات العامة بدأت تضيق بشكل كبير بعد العام 2011، "وما نراه اليوم استكمال للمسار الاستبدادي الذي تمارسه السلطات في المنطقة العربية، والهدف من كل ذلك منع منظمات المجتمع المدني من التواصل مع الشعوب ورفع الوعي حول حقوقهم واي قضايا مرتبطة بالشأن العام" بحسب عبد التواب.

محاولات حماية الفضاء المدني

بالرغم من تقلص مساحة الفضاء المدني بشكل مستمر الا ان هناك محاولات مستمرة من منظمات المجتمع المدني، والشبكات الحقوقية للدفع بإتجاه المحافظة على ما تبقى من هذه المساحة عبر التضامن والتشبيك مع بعضها البعض وايجاد آليات ضغط على الحكومات لتغيير ممارساتها او تعديل القوانين التي تسّهل من تزايد هذه الانتهاكات. اضافة الى سرعة فهم الأحداث المستجدة المعرقلة او التي تزيد من تقليص الفضاء المدني.

اعتبرت المديرة التنفيذية في شبكة آيفكس آني غيم انه بات "من الواضح ان تقلص المساحة العامة مشكلة اساسية حول العالم، وكشبكة عالمية نرى انها مشكلة تحصل في كثير من البلدان التي نعمل فيها، فالكثير من اعضاء الشبكةيتعرضون للضغوطات كحظر السفر أو منع التمويل الأجنبي". واضافت غيم " قمنا بتطوير عمليات وممارسات حول كيفية التعامل مع هذا الموضوع. لانه من الملاحظ انه مع تقلص المساحات هناك العديد من اعضاء ايفيكس يتعرضون لمخاطر اكثر من قبل. لذا فنحن نتعلم من الذين يعانون من هذا الوضع للتأكد انهم بأمان قدر المستطاع، للتاكد انهم يحصلون على الدعم اللازم، وان يعلموا ان هناك شبكة عالمية تتناول قضاياهم بشكل مستمر".