نقابة لكل الصحافيين.. الطريق نحو الاصلاح
09-05-2019

منذ ولاية نقيب المحررين الأسبق ملحم كرم التي ابتدأها في عام 1960، وجدول الانتساب الى نقابة المحررين مغلق فعليًّا امام الصحافيين، ما عدا مرات قليلة آخرها في فترة ولاية النقيب السابق الياس عون، ولكنها اقتصرت على قبول انتساب حوالي مئتي صحافي فقط عام 2012.

وفي كل هذه المرات، كانت لنقابة الصحافة التي تمثل اصحاب الصحف، صلاحية وسلطة في اختيار المنتسبين الى نقابة المحررين، وذلك عبر ما تُعرف باللجنة المشتركة بين النقابتين المتمثلة بـ "اتحاد الصحافة" الذي يرأسه نقيب الصحافة، وهذا ما تطالب اليوم نقابة المحررين بإلغائه على مبدأ انه "لا يجوز لرب العمل ان يوافق على انتساب عامل". 

فعلى الرغم من الخطوات الملحوظة التي يقوم بها النقيب الجديد جوزيف القصيفي على مستوى مناصرة قضايا حقوق الصحافيين والحريات، كان آخرها الوقوف علنًا الى جانب المصروفين تعسّفيًّا من المؤسسات الاعلامية، بقي جدول الانتساب الى النقابة مغلقًا امام الصحافيين في كافة قطاعاتهم. 

وفي هذا الاطار، كان مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية قد عقد اجتماعًا استثنائيًّا يوم الجمعة في الخامس من نيسان، أعلن خلاله عن جملة من القررات التي ستتخذها النقابة أهمها الشروع في تلقي طلبات انتساب العاملين في قطاعات المرئي والمسموع والالكتروني وفق شروط الانتساب المنصوص عليها في قانون المطبوعات والنظام الداخلي للنقابة.

في ظل هذا الواقع، كان العديد من الصحافيين قد بادروا الى تشكيل هيئات وجمعيات تسعى الى تأمين حقوقهم، منها "نقابة العاملين في الاعلام المرئي والمسموع" عام 2012 التي نشأت بعلم وخبر من وزارة العمل، وفتحت جدول الانتساب امام جميع الصحافيين العاملين في المرئي والمسموع.

رغم كل هذه المحاولات، بقي العديد من الصحافيين خارج النقابات، منهم كتاب صحف ومراسلون ومقدمو برامج، ولم يُؤخذ بالحساب العاملين في الصحافة الالكترونية.

وفي ظل امتناع صحافيين عن الانتساب الى النقابات، تعالت أصوات تشكك بجدية العمل النقابي من جهة وأخرى تنتقد اقفال جدول الانتساب والهيكلية التنظيمية من جهة اخرى، حتى انه بادر عدد من الصحافيين ومعظمهم من المنتسبين النقابيين الى إطلاق حملة "اصلاح نقابة الصحافة والمحررين" في عام 2015، طالبت بفتح جدول الانتساب امام جميع الصحافيين من كافة القطاعات ورفع الانتقائية في اختيار المنتسبين الجدد، بالاضافة الى تنقية الجدول من غير الصحافيين وكذلك فصل عمل نقابة المحررين عن نقابة الصحافة. 

بعض من هذه المطالب كان قد اوردها مشروع القانون الذي كانت قد تقدمت به نقابة المحررين بالتعاون مع وزير الاعلام السابق ملحم الرياشي في 23 ايار 2017، وهو ينص على توسعة الانتساب الى النقابة وضمها للصحافيين من كافة القطاعات بما فيها المرئي والمسموع والالكتروني، بالاضافة الى فصل عمل نقابة المحررين عن نقابة الصحافة، خاصة وان الاخيرة لديها صلاحية في قبول المنتسبين مثلها مثل نقابة المحررين. 

ورغم ان مشروع القانون حمل لأول مرة رؤية اصلاحية متقدمة لعمل النقابة واستيعابها لكل الصحافيين، لكنه لم يصل بعد الى خواتيمه السعيدة، وقد عارضته نقابة الصحافة. ولاحقًا، تم سحب دراسة المشروع من مجلس الوزراء بطلب من نقابة المحررين بسبب تعديلات تم ادخالها على نص المشروع من خارج المتفق عليه.

في هذا الاطار، لا يخفي نقيب المحررين جوزيف القصيفي في حديث خاص لموقع "مهارات نيوز" وجود خلافات في وجهات النظر مع نقابة الصحافة حول مشروع القانون، ويقول ان الخلاف يرتكز على بند إلغاء الهيئات المشتركة بين النقابتين، وبالتالي إلغاء سلطة نقابة الصحافة في اختيار المنتسبين الى نقابة المحررين، ويعلق القصيفي قائلا: "موقفنا يأتي من مبدأ أنه لا يجوز ان يوافق رب العمل على انتساب عامل، ومع ذلك، الحوار قائم بجدية وهناك تعاون واضح".

وعن تعدد الجمعيات والنقابات، يرى القصيفي أن ذلك لا يخدم الصحافيين في مختلف القطاعات، وأن نقابة المحررين تبقى الاقوى باعتبار انها منشأة بقانون ولها تاريخ، ولكنه يضيف ان استيعاب النقابة للعاملين من المرئي والمسموع هو مكسب للطرفين ويعطي صفة مضافة وقوة. 

ويؤكد القصيفي، النقيب الجديد الفائز بولايته في نهاية عام 2018، أن أولويته تقوم على متابعة مشروع القانون الذي تقدمت به نقابة المحررين، بما فيه تعديل احكام في قانون المطبوعات لكي يصبح قانونًا نافذًا يوفّر فرصة الانتساب لآلاف الصحافيين، وبحسب القصيفي، فإن الامر سيجدد شباب النقابة ويعيد الحياة الى خلاياها المترهلة بفعل الأزمة التي تعصف بالصحافة الورقية. 

لا يوجد جدول زمني لكل هذه الإصلاحات، ويقول القصيفي: "لا احب ان اطلق وعودًا كي لا تحصل الخيبة"، لكنه يلحظ وجود مجموعة من الخطوات التي يتم العمل عليها، تتلخص بتحصيل خدمات ومزايا وإعفاءات لمصلحة المحررين، مثل تسجيل المنتسبين غير المضمونين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من خلال صندوق تعاضد.

ويدعو نقيب المحررين الدولة الى تحمل مسؤولياتها، ويعترف بأن "النقابة لا يمكنها ان تحقق كل شيء اذا لم تقم الدولة بمساعدة القطاع وتعويمه وتقديم أسباب استمراره"، خاصة وان هناك ازمة وصلت الى درجة يستحيل معها القيام بشيء، وفق القصيفي.

ويلفت القصيفي الى ان النقابة تقوم بمسؤولياتها، وترفع الصوت مع الزملاء الذين يتم طردهم تعسّفًا، وتقف بوجه استدعاء الصحافيين الى غير محاكم المطبوعات. 

من جهتها، تقول الاعلامية والعضوة السابقة في مجلس نقابة المحررين مي ابي عقل ان الإصلاح ممكن مع النقابة الحالية اذا ما اظهرت الرغبة بملاحقة مشروع القانون، ولكن ذلك يحتاج أيضًا الى إرادة سياسية وخطوات في مجلس النواب.

وتطالب ابي عقل الصحافيين المبادرة بالانخراط في العمل النقابي الصحافي، وتقول: "يجب ان نكون الى جانب بعضنا البعض من اجل اعادة النقابة الى مركزها. يجب ان تكون هناك إرادة لدى الصحافيين للانتساب والعمل في النقابة". وتسأل قائلة: "نحن من سيحمينا؟ النقابة فعليًّا لم تفعل شيئًا عند قيام جريدتي النهار والمستقبل بالطرد التعسفي، لو كانت كلمتها موجودة لما حصل ما حصل، النقابة لا تؤخذ على محمل الجد من قبل اصحاب الصحف".

الباب الى الإصلاح بحسب ابي عقل يكون بفتح جدول الانتساب امام الصحافيين وإنشاء صندوقي التعاضد والتعاقد بالاضافة الى اظهار إرادة من قبل الصحافيين للنهضة بالنقابة. 

وهذه المطالب لا تختلف عما تطالب به حملة "اصلاح نقابتي المحررين والصحافة"، ويضيف عليها مهند حاج علي، وهو صحافي منتسب الى النقابة واحد مطلقي الحملة، انه لا يجب ان يكون هناك نقابتين في المبدأ وهذه "مشكلة"، ويطالب بإلغاء الهيئات المشتركة بين النقابتين، ويأسف لما آلت اليه الامور قائلًا: "نحن ليس لدينا نقابة، اذ لا يمكننا الانتساب اليها حتى ولو استوفينا الشروط".

ويقول حاج علي ان المطلب الاول هو فتح جدول الانتساب امام كل الصحافيين وفق آلية شفافة وواضحة، على غرار ما حصل في عام 2012 خلال ولاية النقيب الياس عون عندما فتح الباب امام انتساب نحو مئتين من الصحافيين، ويتابع انه يجب توسعة ذلك وان لا يكون اختيار المنتسبين انتقائيًّا لاهداف انتخابية وشخصية". 

ويكشف حاج علي عن ان هناك تواصل مع النقيبين الحالي والسابق، ويقول: "نحن نرحب بخطوات الإصلاح التي أعلن عنها النقيب الحالي ونرغب في ان نرى خطوات عملية كي لا تبقى مجرد إعلانات". 

ويدعو حاج علي الى حوار فعلي وجدي بين الصحافيين لإثبات وجودهم، ويعتبر ان الإصلاح الحقيقي يكون بوضع خطة يكون لها جدول زمني لتنفيذها، ويشير الى ان الوضع تقدم عما كان عليه قبل عام 2010 لكنه بطيء ولا يرتقي للطموحات ولحجم الأزمة التي تعاني منها الصحافة. 

بالمحصلة، فإن الإصلاح قد طال تنفيذه على مستوى العمل النقابي الصحافي، ولكن الاكيد ان الاصلاح بات ضرورة وحاجة ملحة في ظل التطور والتنوع في القطاعات الاعلامية، وايضًا في ظل تراجع مكانة الصحافة والازمة المالية التي أدت بالعديد من الصحف والمؤسسات التلفزيونية الى الاقفال او التقشف او التخلي عن عدد من موظفيها، ومواكبة التطور المتلاحق للعالم الرقمي وإنتاج صحافة ذات جودة عالية، و ممّا لا شك فيه، الوقوف الى جانب الصحافيين ضد اي ملاحقات او استدعاء من المحاكم العسكرية واخضاعهم والضغط عليهم، ومن هنا، يكون السبيل الى ذلك بنقابة مفتوحة امام جميع الصحافيين ترعى حقوقهم وتوفر لهم الحماية والضمانات اللازمة وحسن ممارستهم المهنة.