منظومة مكافحة الفساد في لبنان... نقص في التشريع والممارسة
09-05-2019

لا يمر يوم في لبنان من دون الحديث عن مكافحة الفساد وإيقاف الهدر. عجز كبير في موازنة العام 2019 وفساد متحكم بالوزارات والإدارات الرسمية، يتطلب ايقافا للهدر وتحركا سريعا لمكافحة الفساد لاسيما لجهة إقرار وتفعيل التشريعات المرتبطة بمكافحته.

بدأت هذه الخطوات بإقرار قانون حق الوصول الى المعلومات في شباط 2017، وقانون حماية كاشفي الفساد في ايلول من العام 2018. لكن بالرغم من اقرار هذين القانونين، لا يزال تطبيقهما مرتبطا ارتباطا وثيقا بإقرار قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الذي يخضع للنقاش حاليا في لجنة المال والموازنة النيابية.

وعلى الرغم من ان الاعتقاد السائد بارتباط تطبيق قانون حق الوصول الى المعلومات بانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الا ان صدور أكثر من رأي استشاري عن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل وعدة قرارت صادرة عن مجلس شورى الدولة اكدت عدم اشتراط وجود هذه الهيئة او اقرار المراسيم التطبيقية لتفعيل هذا القانون. فالقانون نافذ وواجب التطبيق بحسب النائب السابق غسان مخيبر، ومجلس شورى الدولة هو الجهة التي يمكن ان تفرض تطبيق القانون اذا ما تلكأت احدى الإدارات عن تطبيقه. كما اعتبر مخيبر ان التلكؤ في تنفيذ القانون سببه غياب الإرادة السياسية، فالوزارة المعنية بإقتراح اية مراسيم تطبيقية وهي وزارة العدل، لم تعيّن حتى اليوم موظفا مسؤولا عن إعطاء المعلومات.

ولفت مخيبر الى ان هناك العديد من الهيئات المستقلة والإدارات العامة التي يجب ان تطبق القانون مثل مؤسسة كهرباء لبنان، شركات الخليوي، البلديات، الهيئات الرقابية: هيئة ادارة قطاع البترول، والهيئة الناظمة للإتصالات، مجلس القضاء الأعلى، ومجلس شورى الدولة وغيرها.

ان قانون حق الوصول الى المعلومات لا يقتصر على الاستجابة لطلب المعلومات المقدم من المواطنين، بل هناك مجموعة واسعة من الواجبات التي تقع على عاتق الإدارات وهي مرتبطة بالنشر الحكمي للمعلومات من قبل الوزارات والمؤسسات العامة. منذ اقرار القانون عام 2017 لم تنشر اي من الإدارات ما يسمى بـ "تقرير نشاط سنوي"، يتضمن معلومات حول آلية عمل الإدارة والتكاليف والانجازات والصعوبات التي اعترضت سير العمل والحسابات المدققة، اضافة الى السياسة العامة المعتمدة والمشاريع الخاصة بالإدارة المعنية التي نفذت والتي لم تنفذ واسباب ذلك.

 الوضع مغاير بالنسبة الى قانون حماية كاشفي الفساد الذي يرتبط تفعيله بشكل اساسي بتشكيل هيئة مكافحة الفساد. اذ يعتبر هذا القانون أساسي في مكافحة الفساد، لتأمينه حماية قانونية للكاشفين عنه. عمل مخيبر الذي يعتبر عرّاب هذا القانون على إنجازه على مدى أكثر من 10 سنوات بالتعاون مع "الشبكة الوطنيّة للشفافيّة" و"برلمانيون ضد الفساد". و يتالف القانون من 3 محاور، الحماية الشخصيّة والقانونيّة لكاشفي حالات الفساد، تقديم الحوافز الماليّة والقانونيّة لهم والحد من اساءة استعمال الملاحقات المتعلّقة بالقدح والذم بحق كاشفي الفساد عند اشهار حالات فساد. هكذا، يشكّل القانون حماية وحافزاً في الوقت نفسه للأشخاص الذين يرغبون في اشهار حالات فساد معيّنة أمام الهيئات الرقابيّة، خصوصا الصحافيين.

سلة مكافحة الفساد لم تكتمل!

يحتل لبنان المرتبة 138 من أصل 180 دولة بحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2018، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. مقارنة بمرتبة 143 من أصل 180 لعام 2017، إلا أن هذا التقدم لا يعكس تحسّن نتيجة لبنان، لا بل ينتج عن تراجع لبعض البلدان في المؤشر العام. تدلل هذه الأرقام الى حاجة لبنان الملحة لمحاربة الفساد، وخصوصا عبر تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد واقرار قانون الاثراء غير المشروع. في هذا السياق قال مدير برامج مكافحة الفساد في البلدان العربية أركان السبلاني ان "مكافحة الفساد يتطلب منظومة وأدوات، معظمها غير متوفرة في لبنان. اهمها عدم وجود منظومة ضابطة لتعارض المصالح، عدم تفعيل قانون حماية كاشفي الفساد، عدم إقرار قانون الاثراء غير المشروع، صعوبات في تطبيق قانون الحق في الوصول الى المعلومات، اضافة الى نقص القدرات المرتبطة بالتحقيق المالي وتتبع الاموال".

يعتبر انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد المظلة والإطار القانوني في سلة التشريعات لمكافحة الفساد، اذ يرتبط دورها بإستكمال تطبيق عدة قوانين مثل حق الوصول الى المعلومات وحماية كاشفي الفساد والاثراء غير المشروع.

ويأتي هذا اقتراح هذا القانون ليعتبر الفساد "كل استغلال للسلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، وكل فعل يؤدي الى التماس او عرض او قبول منفعة غير متوجبة، من شأنها التأثير في السير الطبيعي للوظيفة او للخدمة العامة، وكل فعل يفضي الى زعزعة الثقة بمسار القطاع العام وبشفافية القيمين عليه".

وتناط بالهيئة مهام العمل على تدارك الفساد وكشفه وعلى تعزيز النزاهة والشفافية في القطاع العام، والمساعدة في توطيد مبادئ سيادة القانون، والاسهام في تحضير مشاريع القوانين والأنظمة التي ترمي الى تدارك الفساد وكشفه ومكافحته. كما تشّكل هذه الهيئة مرجعية وطنية لتلقي التصاريح التي يقدّمها المسؤولون عن أموالهم، اضافة الى قدرتها على نشر التقارير عن حالات الفساد في لبنان، فضلا عن تمتعها بصلاحية الادعاء والملاحقة أمام القضاء المختص على المتورطين، ولها الحق بأن تطلب منع السفر ورفع السرية المصرفية عن المشتبه بهم في قضايا فساد.

وتتكون الهيئة وفق ما نصّ اقتراح قانون إنشائها من قاضيين متقاعدين بمرتبة الشرف، على قدر عال من الخبرة والكفاءة العلمية، ومن متخصصين في علم الإدارة والمال وشخصيات من المجتمع المدني، وقد يصل عدد أعضائها إلى عشرة، على ان يتم تعيينها من قبل مجلس الوزارء، وهو ما يفتح الباب امام عدة تساؤلات حول إمكانية تدخل المحاصصة الحزبية والطائفية في اختيار المرشحين ومدى تأثير ذلك على فعّالية الهيئة.

في السياق اعتبر مخيبر ان التأخر في اقرار قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "يعود للبطء التشريعي، اضافة الى السوء في الأداء التشريعي والتنفيذي المرتبط بالإدارة السيئة للدولة".

اما عن التحديات التي تواجه عمل الهيئة، فأستعرض السبلاني مجموعة من التحديات التي قد تشكل عائقا امام عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. أبرزها عدم إقرار ما تبقى من القوانين المرتبطة بمكافحة الفساد، إختيار الاشخاص المناسبين الذين يشكلون الهيئة، وإغراق الهيئة في ملفات الفساد وبالتالي عدم قدرتها على القيام بالدور الأهم لها وهو الدور الوقائي". 

الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد

لم يغفل البيان الوزاري للحكومة الحالية في مادته الرابعة عن ذكر "إقرار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ومشاريع القوانين المتعلقة بها وبرنامجها التنفيذي". ما يدلل على أهمية هذه الاستراتيجية على المستوى الوطني. الا ان هذه الأهمية لم تنعكس بشكل واضح على مدى الاهتمام العام بهذه الاستراتيجية، اذ لا يزال اللغط قائما حول ما تتضمنه هذه الاستراتيجية من خارطة طريق لمكافحة الفساد، خصوصا انه تم اطلاقها في عهد وزيرة التنمية الادارية السابقة عناية عز الدين في منتصف العام 2018، ثم قدمتها وزيرة التنمية الادارية الحالية مي شدياق الى مجلس الوزراء، حيث شهدت جلسة مجلس الوزراء نقاشًا مستفيضًا حول اقرارها، وقد جوبهت شدياق بمعارضة على اللغة التي صيغت بها الاستراتيجية، علمًا ان اعدادها بدأ منذ 2016 من خلال مسار رسمي شكلته وزارة التنمية الادارية في إطار توليها رئاسة اللجنة الوزارية لمكافحة الفساد ورئاسة اللجنة الفنية المعاونة لها. وقد شارك في هذا المسار ممثلون عن رئاسة مجلس الوزراء والوزارات والهيئات المعنية وعقدت مشاورات مع كافة الجهات المعنية منها المجتمع المدني.

وبعد اصرار شدياق على أهمية السير بالاستراتيجية وعدم اضاعة الوقت والمضي بالإصلاحات ذات الصلة، تم تشكيل لجنة وزارية للبحث بملاحظات الوزراء والقيام بالتعديلات اللازمة قبل اقرارها.

لخصت الاستراتيجية التي حصل موقع "مهارت نيوز"على نسخة منها أسباب الفساد في لبنان على أنها أسباب "إدارية"، كرداءة الهيكل التنظيمي للإدارة العامة وضعف أجهزة الرقابة والتأديب على العاملين في القطاع العام وتدني قيمة رواتب الموظف العام وتعويضاته، وسوء نظام التعيين والترقية في الوظائف العامة، وأسباب "اجتماعية"، ناتجة عن انتشار البطالة وغلاء المعيشة وثقل الضرائب والرسوم دون الحصول على خدمات مقابلة من الدولة، ما يجعل المواطن يُسلّم بموضوع الفساد ويُصبح جزءاً منه في بعض الأحيان.

 أما أهم أسباب الفساد في لبنان وأخطرها، بحسب الاستراتيجية، فهي "سياسية" بالدرجة الأولى، إذ تحكم لبنان فئة صغيرة مهيمنة عبارة عن "طبقة سياسية" تتقاسم السُلطة في ما بينها وتعمل على تحقيق مصالحها الشخصية والطائفية خارج أي محاسبة سياسية أو مساءلة إدارية أو قضائية. وتخلص الاستراتيجية إلى أن هذا "الفساد السياسي" ليس له مثيل سوى في بعض البلدان النامية، وما يدعو إلى الاستغراب والدهشة أنه منذ تاريخ إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920 ولغاية يومنا هذا لم يعاقب أيٌّ من السياسيين على جرائم الفساد واستغلال السلطة لتحقيق غايات محض شخصية!

تهدف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الى إرساء الشفافية المتمثلة بحق الوصول الى المعلومات، وخاصة المتعلقة منها بالصفقات العامة والقرارات الإدارية والقضائية والتعاميم ونشر الأحكام والتقارير الدورية والسنوية الصادرة عن القضاء، أو تلك الصادرة عن أجهزة الرقابة، والإعلان عن نتائج التحقيقات النهائية المُحالة أمام المحاكم، وكذلك الإعلان عن الأحكام القانونية ذات الصلة. كما تهدف إلى تفعيل المُساءلة، وصولاً الى معاقبة مرتكبي الفساد وشركائهم دون أي عائق دستوري أو إداري أو قضائي أو أي حسابات سياسية.
أما أهم مقومات نجاح الاستراتيجية، فهو وجود قيادة سياسية حازمة وعالمة بمكامن الفساد وآثاره الخطيرة على الدولة والناس والمجتمع. وتكون هذه القيادة بمثابة المثل الصالح والقدوة لجميع المسؤولين والمواطنين على حد سواء، وتملك إرادة راسخة ومصممة وتتمتع بالصلاحيات الضرورية والكافية لاتخاذ القرارات الصائبة والجريئة، بغية التصدي للمفسدين والفاسدين ومحاكمتهم واسترداد الأموال التي حصلوا عليها جراء أعمالهم الفاسدة.
ولكي لا تبقى الاستراتيجية حبراً على ورق، تضمنت اقتراحات عملية وخططاً تطبيقية قصيرة الأجل، ومتوسطة وطويلة، قُدمت الى كل من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وإلى الهيئة العليا للتأديب وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، كما قدمت اقتراحات الى وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والهيئات الاقتصادية.

تقدم عربي على حساب لبنان في مكافحة الفساد

حافظ لبنان على مرتبته 13 من أصل 21 دولةً عربية في مؤشر مدركات الفساد في العام 2018، وهو ترتيب لم يتغيّر منذ عدة سنوات على الرغم من المحاولات الخجولة التي تقوم بها الدولة اللبنانية اليوم لمكافحة الفساد، مقارنة مع ما قامت به كل من تونس والاردن والكويت والمغرب من اقرار سلة من القوانين لمكافحة الفساد واقرار استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد.

على هذا الصعيد أكد السبلاني ان لبنان لا يزال متأخرا من حيث استكماله للأدوات القانونية لمكافحة الفساد بالمقارنة مع الدول المحيطة. وأضاف السبلاني: "معظم الدول العربية انشأت هيئات لمكافحة الفساد بل وقامت بتطوير عملها، اضافة الى ان معظم الدول في المنطقة تتقدم على مؤشر مدركات الفساد. كما ان التزام الدولة اللبنانية لمكافحة الفساد لا زال متأخرا خصوصا ان معظم الدول العربية اقرت استراتيجيات لمكافحة الفساد، وتم احالة ملفات فساد كبرى الى القضاء".