الائتلاف المدني لإستقلال القضاء... دعم لقضاء مستقل يحمي الحريات
08-08-2017

منذ اكثر من عشرين يوما يعتكف القضاة في لبنان احتجاجاً على إلغاء صندوق التعاضد لتغذية سلسلة الرتب والرواتب، بدا ان القضية جاءت كتصحيح خطأ بخطأ اكبر منه، قرار اقل ما يقال عنه انه ينال مما تبقى من استقلالية القضاء، ليصبح القاضي مرتهن من الناحية المعيشية لأهواء السلطة السياسية بمختلف مكوناتها. لذلك، تشّكل الائتلاف المدني لإستقلال القضاء وشفافيته، الذي يهدف لتعزيز ثقافة استقلال القضاء، والتضامن مع اي حراك للقضاء بهدف تحصين الحريات والرأي العام.

"التعرض لضمانات القضاة تعرض لكل مواطن"، هذا العنوان الذي حمله المؤتمر الصحافي الاول للإئتلاف الذي يضم 26 منظمة وجهة فاعلة في المجتمع المدني، حضور صحافي كبير وغياب لأي ممثل عن القضاء، فسره المحامي نزار صاغية من المفكرة القانونية ان القضاة ملتزمين التحفظ بشأن هذه القضية لكن الكثير منهم مرحبين بالخطوات التي يقوم بها الائتلاف المدني. واشار صاغية الى ان "وجود الائتلاف لضمان قضاء مستقل بعيد عن التدخلات السياسية ليحمي حقوق المواطنين".

وألقت لينا العيّا من جمعية "عدل ورحمة" بيان الائتلاف على وسائل الاعلام، الذي تضمن:

  1. أن تكليف الحكومة بإعادة النظر بسياسات الدعم القطاعية بما فيها تقديمات صندوق تعاضد القضاة، يمس بمجموعة من الحقوق الأساسية المكفولة لهم، أهمها التغطية الصحية الكاملة والأقساط المدرسية وكفالات قروض السكن.وهو من هذه الزاوية، يشكل مخالفة لمعايير استقلال القضاء المالي وتاليا للدستور عملا بمبدأ عدم جواز تخفيض أي من الضمانات الدستورية من دون إيجاد بدائل موازية لها (القرار الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ ...).
  2. أن تحديد رواتب القضاة يقتضي أن يحصل بشكل يتناسب مع نبل وظيفتهم وانتظارات الناس منها، وبالمقارنة مع رواتب أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، ضمانا للتوازي والمساواة بين السلطات ومنعا لهيمنة سلطة على أخرى. كل ذلك وفق ما جاء في الأسباب الموجبة لقانون 284/1993 الذي فصل سلسلة رواتب القضاة عن سلسلة رواتب موظفي الدولة.
  3. مراجعة المناقشات النيابية والتصريحات الإعلامية لعدد من المسؤولين السياسيين، نلحظ أنهم برروا المس بحقوق القضاة المالية بعدم رضاهم عن انتاجية القضاة الذين لا يعملون. ومن دون التقليل من أهمية الخلل في العمل القضائي (ونحن حريصون جدا على وجوب فتح ورشة واسعة لإصلاح القضاء لمعالجة هذا الخلل)، فإننا نرفض التشخيص السياسي لعوامل هذا الخلل، كما نرفض الطريقة المعتمدة منهم لمعالجته، وذلك على أساس المعطيات الآتية:
  • أن الخلل الأكبر في الأداء القضائي يتصل بسوء تنظيم القضاء الذي تبقى السلطات السياسية هي المسؤولة الأولى عنه في ظل القوانين والممارسات الحالية. وخير دليل على ذلك هو تعطيل المناقلات القضائية منذ 2010، بفعل مساومات القوى السياسية لوضع يدها على المراكز الحساسة في القضاء.ومن المهم التذكير هنا أن السلطة التنفيذية هي التي تعيّن النائب العام التمييزي (أي رأس النيابات العامة كلها) و8/10 من أعضاء مجلس القضاء الأعلى وجميع أعضاء هيئة التفتيش القضائي؛ وأن القضاة يبقون مستفردين وعرضة للتدخلات في ظل تجريدهم من ضمانات أساسية كضمانة مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه وعزلهم واستفرادهم في ظل تجريدهم من حريتي التعبير وإنشاء روابط تضامن للدفاع عن استقلالهم. كما تجدر الإشارة إلى أنه حتى في الحالات التي ينتج فيها الخلل عن أخطاء فردية، فإن عددا هائلا من هذه الأخطاء يرتبطبضغوط أو تدخلات سياسية أو يبقى بمنأى عن المحاسبة بفعل غطاء سياسي لهذا القاضي أو ذاك.
  • أنه بمعزل عن الجهة المسؤولة عن الخلل، فإن معالجته بتخفيض ضمانات القضاء المالية هو أمر عبثي لسببين اثنين:
  1. أنه يشكل بطبيعته عقابا تطول مفاعيله جميع القضاة بما فيهم القضاة الذين يتفانون في أعمالهم. وهذا ما يتناقضمع أدنى مقومات العدالة والتي تفترض قيام محاسبة عادلة فيكافأ من يتفانى في عمله ويجازى من يسيئ التصرف، بعيدا عن التعميم وبالأخص عن إلقاء التهم جزافا.
  2.  وهو عبثي لأنه تدبير يخلو من أي نية أو مسعى لتحسين الأداء القضائي وتطويره، بل يؤدي إلى نتائج عكسية لذلك تماما أي إلى تعميق الخلل داخل القضاء. فمن شأن تراجع الضمانات المالية أن يهشّل أفضل القضاة وأن يحول في الآن نفسه دون استقطاب العناصر الجيدة في عالم القانون أو في الجامعات إلى القضاء، هذا فضلا عن أن من شأنه أن يجعل القضاة أكثر عرضة للتأثير والتدخل. فكأنما النواب قرروا هدم القضاء بحجة أنه لا يعمل، مع ما يستتبع ذلك من مساوئ على الدولة برمتها.

وعليه،

وإذ يؤكد الإئتلاف أن بناء الدولة لا يستقيم من دون تعزيز استقلال القضاء ومنعته، وأن أي تعرض لاستقلال القضاء هو تهديد لحق كلّ مواطن، وبخاصة المواطنين الذين لا نفوذ لهم، باللجوء إلى قاض مستقل وكفوء، وأن أي تدخل يشكل بالمقابل تغليبا لحكم القوة على حكم القانون، وأن المسألة المطروحة ليست مسألة فئوية تخص القضاة أو كرامتهم وحسب، بل هي مسألة وطنية ودستورية تتصل بجميع المواطنين وحقهم بالكرامة والعدالة والحرية. 

فإنه:

  • يؤكد دعمه لقضاة لبنان في اعتكافهم الأطول وحقهم وواجبهم في استخدام الوسائل الضرورية للدفاع عن استقلال القضاء، وفي مقدمتها حق إنشاء جمعيات، باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية وفق تجارب دول عدة لتعزيز جهوزية القضاة في مواجهة أي تدخل أو تعرض لاستقلال القضاء مستقبلا، 
  • يدعو النواب في حال إصدار مشروع القانون، إلى تقديم طعن أمام المجلس الدستوري ضد البند المتصل بصندوق تعاضد القضاة على أساس مبدأ عدم فصل السلطات والمادة 20 من الدستور، على أن يقدموا في حال ردّ طعنهم قانونا معجلا لصون الضمانات المالية للقضاة،
  • يدعو السلطات السياسية للاستجابة إلى مطلب القضاة بتحديد رواتب القضاة على نحو يتناسب مع نبل الوظيفة المنتظرة منهم، وبالمقارنة مع رواتب أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، منعا لهيمنة سلطة على أخرى،
  • يدعو رئيس الجمهورية ميشال عون إلى إطلاق ورشة حوار وطني واسع بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى وبمشاركة المحامين والجامعيين والنواب والمنظمات الحقوقية ممثلة بائتلافنا والهيئات القضائية لاستشراف الإصلاحات التشريعية والتنظيمية الضرورية لشؤون القضاء ولتعزيز استقلاليته وشفافيته. فقد آن الأوان للتعامل مع استقلال القضاء وإصلاحه على أنه أولوية اجتماعية،
  • يدعو نقابتي المحامين في بيروت والشمال ومجمل القوى الاجتماعية ووسائل الإعلام إلى دعم جهود مجلس القضاء الأعلى والقضاة في ضمان حقوقهم الماليةواستقلاليتهم لما يصب في مصلحة المواطنين كافة.