الأم اللبنانية تحت رحمة المصارف
12-07-2018


لم تثمر مناقشات اللجنة النيابية السابقة للمرأة والطفل عام 2017 في تكريس حق الأمهات بفتح حسابات مصرفية لأولادهن القاصرين، ففي لبنان، ممنوع على الأمهات فتح حساب مصرفي لأطفالهن، والغريب، أنه بدلا من أن تحتكم المصارف إلى قوانين اختصاصها، تستند في قرار الحظر إلى قوانين الأحوال الشخصية التي تقول إن الولاية الجبرية على الأولاد هي للأب.

ولما ظلت الأم ممنوعة من فتح حساب مصرفي لأولادها، اندفعت جمعيات مدنية تطالب بحل هذه القضية الجائرة بحق المرأة، ويُسجّل الاندفاع الأكبر إلى الناشطة في حقوق الانسان ومديرة التدقيق في بنك بيروت والبلاد العربية  "BBAC" وفاء عابد، التي أخذت المبادرة على عاتقها بقيادة دراسة بحثية قانونية واقتصادية، تمّ التوصل من خلالها إلى أنه لا مبرر ديني أو أي عائق قانوني، يمنع الأم من فتح حساب مصرفي لأطفالها.

تقول عابد في حديث لـ "مهارات نيوز" إن المبادرة انطلقت بعد تلقيها شكاوى عديدة من أمهات غير قادرات على فتح حسابات مصرفية لأطفالهن، وإنه بحكم عملها في المصرف وجدت أنه كان من واجبها التحرك في هذه القضية.

كان المخرج الأول في 8 كانون الأول 2009، بتعميم صدر عن جمعية المصارف يتيح للأم فتح حساب مصرفي لأولادها القاصرين، وهو ما يشير إليه مدير الاعلام في جمعية المصارف جورج أبي صالح في حديث لـ "مهارات نيوز" بالقول إن جمعية المصارف رفعت هذا التعميم بناء على طلب من بعض هيئات المجتمع المدني المهتمة بحقوق المرأة والطفل، بعد أن وجدت مخرجا قانونيا له متمثلا بالحساب الائتماني.

جاء في تعميم جمعية المصارف: "لا مانع للوالدة أن تنشئ ذمة ائتمانية لدى مصرف ما وأن تعين فيه ولدها القاصر كمستفيد من هذه الذمة، مع امكانية اعطاء البنك المؤتمن تعليمات بارجاء اعلام المستفيد حتى يبلغ سن الرشد"، غير أن هذا التعميم لا يشمل الحساب المصرفي العادي بل ولم تأخذ فيه غالبية المصارف التي ظلت ترفض استقبال طلبات أمهات راغبين بفتح حسابات مصرفية ولو ائتمانية لأطفالهن.

وفيما تتمنى عابد على كل المصارف أن تأخذ بتعميم الجمعية وأن لا تميّز بين الرجل والمرأة، ينفي أبي صالح علمه بوجود مصارف تتمنّع عن استقبال أمهات راغبات بفتح حسابات لأطفالهن، ويقول: "ليس لدي علم بحالات كهذه ولكن ان وجدت، فربما يعود السبب إلى تعرض بعض المصارف لملاحقات قانونية من قبل آباء معارضين استنادا إلى الولاية الجبرية في قوانين الأحوال الشخصية".

رغم ذلك، فتحت مديرة "اميديست" في لبنان باربرا بتلوني، كأول أم لبنانية، الحساب الائتماني الأول لأولادها في بنك بيروت والبلاد العربية "BBAC"  يوم السابع عشر من كانون الاول 2009، وحظي الحدث في حينها باهتمام من الاعلام المحلي والعالمي.

وظلّ هذا الحق منقوصا للأم حتى اليوم، مع إصرار غالبية المصارف على عدم الأخذ بتعميم الجمعية، ومنع الأمهات من فتح حسابات لأطفالهن. وإذا ما كانت الحجة بقوانين الأحوال الشخصية، كان لا بد من تحرك على المستوى التشريعي يكفل بصراحة حق الأم في فتح حسابات لأولادهن، كحق أساسي من حقوق المرأة.

وبالعودة إلى الموقع الرسمي لمجلس النواب على الانترنت، كانت لجنة المرأة والطفل النيابية قد ناقشت "حق الأمهات بفتح حساب في المصارف لأولادهن القاصرين" في 26 تشرين الأول 2017، بحضور رئيسة اللجنة النائبة جيلبرت زوين والنواب نبيل نقولا، بلال فرحات، علي عسيران، شانت جنجنيان ومروان فارس، بالاضافة إلى ممثل وزارة العدل القاضي جان قزي.

وبعد محاولات عديدة لاجراء مقابلات مصوّرة مع النواب الذين ناقشوا الموضوع، وتمنع النائبة السابقة جيلبرت زوين عن الحديث، بالاضافة لم نتمكن من تحديد موعد مع النائب السابق نبيل نقولا بسبب تأجيله لأكثر من مرة، جاء الجواب أخيرا من النائب السابق شانت جنجنيان، عبر مقابلة هاتفية.

إذ يكشف جنجنيان في اتصال مع "مهارات نيوز" عن أن مناقشات لجنة المرأة والطفل توصلت في النهاية إلى ترك الأمور على ما هي عليه، باعتبار ان هناك مصارف تسمح للأم بفتح حساب لأطفالها، ويوضح أنه لم تكن هناك وجهة نظر موحدة بين المجتمعين، ويشير إلى أنه كانت هناك معارضة من قبل عدد من النواب على الاشارة بنص قانوني صريح إلى حق الامهات بفتح حسابات لأطفالهن.

ويُرجع جنجنيان سبب المعارضة هذه إلى "تديّن" بعض النواب وارتباط أفكارهم بالدين، ويشير في الوقت ذاته إلى أنه لا نصا قانونيا يمنع أو يدعم هذا الحق للأم، وبالتالي، لا شيء يمنع المصارف من السماح للأم بممارسة حقها في فتح حساب مصرفي لأودلاها القاصرين.

ويدعو جنجنيان اللبنانيين إلى مقاطعة المصارف التي تمنع الأم من ممارسة حقها، ويأسف لما تقوم به المصارف في هذا الاطار والذي لا يستند إلى أي مبرّر قانوني.

والمفارقة الكبرى أن المديرية العامة للأمن العام كانت قد غيّرت لوائحها بقرار إداري، وبدأت منذ عام 2013 بأخذ موافقة الزامية من الأم على اجراء جواز سفر لأطفالها، بعدما كانت المعاملة محصورة بموافقة الرجل فقط استنادا الى قوانين الاحوال الشخصية التي تحصر الولاية الجبرية بالاب، فما الذي يمنع المصارف من تكريس حق الأم في فتح حساب لأولادها القاصرين؟ وفقا لعابد.