الإعلام اللبناني...دور غائب او مغيّب في مواكبة الاصلاح الانتخابي
11-05-2016

منار صباغ

("المنار")

 

 

لطالما تفاخرت كصحافية عربية انني انتمي الى بلد الحريات لبنان، ثمة مساحة مقبولة من الحرية تحظى بها السلطة الرابعة في بلدي، تجعل من الصحف ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة، ادوات حكم اضافية بل اساسية في تركيبة جمهورية ما بعد الطائف.

الامثلة والشواهد على هذا الحضور كثيرة وقد لا تكفي مقالات عدة لتعدادها، لكن ومنذ العام الفين وخمسة على الاقل، برز دور الاعلام كمحرك فاعل في مواكبة قضايا اساسية، كقضية اغتيال الرئيس الحريري وكل ما حصل بعدها من خطوات، وصولاً الى الانسحاب السوري والمحكمة الدولية.

كلها قضايا برز فيها الدور المؤثر والفعال لوسائل الاعلام تأييداً او معارضة، وهذا ان دل على شيىء فإنما يدل على قدرة الاعلام على التأثير بالرأي العام اللبناني، وصولاً الى تحريكه للضغط دعما او معارضة لهذا الطرح او ذاك بكل القضايا السالفة الذكر، وهي بمعظمها كانت من القضايا الساخنة التي اثرت على مسار لبنان ومصيره خلال السنوات العشر الماضية.

المراقب عن بعد قد يجد ان لهذا الاعلام دوراً مؤثراً يرقى الى الدور لذي يلعبه الاعلام في الولايات المتحدة او اوروبا، لكن ثمة معضلة هامة تدحض هذه الايجابية، وتتمثل بفهم العلاقة العضوية التي تربط وسائل الاعلام اللبنانية بالنظام السياسي او طبقة الحكم في البلاد.. فوسائل الاعلام جميعها مملوكة من سياسيين او جهات حزبية، او رجال اعمال تتقاطع علاقاتهم مع اكثر من طرف سياسي داخلي او خارجي او الاثنين معاً، طبعا هذه ليست اتهامات او مجرد كلام، فالقاصي والداني في لبنان يعلم هذه الحقيقة، بل ان اصحاب الملكية لهذه المؤسسات المرئية او المسموعة او المكتوبة لم يكتموا هذا السر، وهنا تكمن الاشكالية الحقيقة في توصيف حدود وفعالية من تحمل لقب السلطة الرابعة في لبنان.

وعليه، لقضية اساسية وجوهرية مثل قانون الانتخاب بل الاصلاح الانتخابي بكل عناوينه المتعددة، حضور في هذا الاعلام، ولكن كيف هو هذا الحضور او الغياب او التغييب؟ فتش ايها السائل عن الولاء السياسي للقناة التلفزيونية او الصحيفة وفي ضوء تعاطي هذا الحزب او الجهة الممولة مع قضية الاصلاحات الانتخابية، سيكون الانعكاس على الشاشة او على صفحات الجريدة، هذه هي الاشكالية الحقيقة التي تواجه قضية الاعلام اللبناني والاصلاح الانتخابي. فلا احد يمكنه ان يشكك بفاعلية الاعلام اللبناني، مثل اخر وليس بالبعيد، اي قضية الحراك المدني الذي بدأ احتجاجاً على قضية النفايات، القضية التي تهم كل اللبنانيين دون استثناء، وعندما قررت قناتان تلفزيونيتان لبنانيتان افراد مساحة لهذه القضية ولتحركات المجتمع المدني، كان التأثير هائلا بالجمهور، الذي فهم ابعاد هذه القضية بكل زواياها وقام بالنزول الى الشارع.

ما يعني ان باستطاعة الاعلام اذا اراد التركيز على قضية معينة ان يحقق العجائب في لبنان، ولكن ايضاً مع هذه القضية، برز المكون السري الذي يجمع الطبقة السياسية بالوسائل الاعلامية، فسرعان ما انحرفت التغطية عن مسارها الاول، فكان انقسام سريع بالشارع اللبناني، الامر الذي انتهى بسقوط هذه القضية وتقزم الحراك وصولاً الى غيابه عن الخارطة الاعلامية.

من يتحمل المسؤولية الاعلام ام اهل السياسية؟ الاجابة جدلية، فأهل السياسة يمسكون بالقرار الاعلامي عملياً، وهنا السؤال عن موقفهم من الاصلاحات الانتخابية تصبح اجابته اكثر من سهلة، في ضوء رصد تغطية القنوات التي يملكها هذا الحزب او ذاك السياسي او رجل الاعمال.

ولأن اياً من هذه القوى السياسية لم يتنكر علناً للاصلاحات الانتخابية، فإن التعاطي الاعلامي كان مشابها لهذه المواقف المواربة، فلو اراد الاعلام ان يؤدي واجب الحق بقضية الاصلاحات، لكان سهلاً ايصال المعلومة للجمهور عبر التقارير الخاصة او الحلقات المفتوحة بل حتى البرامج المتخصصة لقضية اساسية مثل قضية الانتخابات.

حتى فعل التمديد الاول والثاني مر بدون اي تصد اعلامي حقيقي، واقتصر الفعل الصحافي احياناً على بعض الفلكلور، الذي لا يغير من الواقع المأساوي بشيء، فهل يفهم المواطن اللبناني بالمشاريع الكثيرة المطروحة لتعديل او اقرار قانون انتخابي جديد؟ وهل يفهم ما هو دور هيئة الاشراف على الانتخابات؟ لا اعتقد ان الغالبية القصوى تفعل..

لقد تسنى لي مواكبة العملية الانتخابية في لبنان في العامين 2005 و 2009، وما رصدته انذاك هو ان الفعل الانتخابي في بلادنا لا يرقى الى بديهيات ما هو قائم في الديموقراطيات الناشئة، لان الجهل مسيطر حتى على الجامعيين والمثقفين، والمقصود بالجهل هنا هو الجهل بالقوانين والضوابط التي ترعى العملية الانتخابية والحملات الدعائية للمرشحين ومندوبيهم في مراكز الاقتراع.

في الخلاصة، لم ارد ان اقدم نظرة سوداوية للعلاقة بين الاعلام اللبناني والاصلاح الانتخابي، لكن جردة 2015 والتي قدمتها "مهارات" في لقائنا في فندق فينيسيا اخيراً، تبرر الواقعية التي على اساسها كتبت، وبالتالي حتى يتغير قانون الاعلام في لبنان وحتى يتم تنظيم هذا القطاع، لا يمكن ان نرى دوراً طليعياً له بقضية الاصلاحات الانتخابية، الا بالمقدار الذي تعكسه الجهة السياسية التي تملك وسائل الاعلام... فهل من امل يا ترى؟ اقول لا ضير في ان تمتلك الجهات السياسية قنوات تلفزيونية او صحف، لكن حتى تستقيم العلاقة بين السلطات الاولى والثانية والثالثة مع السلطة الرابعة، نحتاج فعلا الى قانون جديد وعصري ينظم هذا القطاع الفوضوي الى حد الخطر في بلدي لبنان.