الاعلام اللبناني في الاصلاح الانتخابي: واقع وتحديات تبقيه على الهامش
11-05-2016

نانسي صعب

("OTV")

 

من شبه المؤكد أن اي حل في لبنان لم يعد ممكناً عبر تسويات جزئية حول استحقاقات معينة. ومتابعة تدرّج المواقف السياسية منذ الفراغ الرئاسي قبل عامين تقريباً حتى اليوم، مؤشر واضح الى أن الكلام لن يكون إلا لتسوية شاملة يكون قانون انتخابات جديد في صلبها. كان يفترض ان يشهد العام 2015 ولادة قانون جديد بعد الوعود التي اطلقت عقب تمديدين متتالين لمجلس النواب في 20 حزيران 2013 و 5 تشرين الثاني 2014. لكن ما رشح في نهاية هذا العام لم يتخطَّ عودة اجتماعات لجنة قانون الانتخابات النيابية، عقب تسوية جلسة تشريع الضرورة. فهل كان الاعلام اللبناني على مستوى معركة الاصلاح الانتخابي ؟ الجواب بسيط: لا.

من الواضح ان الاعلام اللبناني يعيش حالة انفصام بين هويته أساساً كجزء من المجتمع، وبين انتماءاته السياسية. خريطته تشير الى توزّع وسائل الاعلام على اختلافها، على الأحزاب والقوى السياسية والمالية، ما يجعلها ناطقة باسم هذه الاحزاب ومعبرة عنها. وهو ما يفسّر الى حد كبير ان نسبة التقارير الرئيسية في الاعلام المرئي والمكتوب التي تناولت الاصلاح الانتخابي لم تتخطّ العشرة في المئة. وهي اساساً لم تطرح إلا عند تطرق الطرف السياسي الذي تمثله الوسيلة الاعلامية للموضوع، فيما لم تتعدَّ النسبة المتبقية إلا على تغطية اخبارية لمواقف السياسيين من الموضوع الانتخابي بشكل عام.

يذهب بعض الآراء، من الوسط الاعلامي، الى حد القول إن الجسم الاعلامي بذاته يحتاج الى الاصلاح، كونه ابن النظام اللبناني المبني على الزبائنية والاقطاع. اصحاب هذا الرأي يفصلون بين اعلاميين فاسدين وآخرين متعصبين سياسياً او طائفياً ومذهبياً، ما يجعلهم عاجزين في الحالتين عن اداء رسالتهم في الاصلاح الانتخابي لكونهم إما مأجورين من أصحاب رؤوس أموال يملكون أهدافاً انتخابية او سياسية، وإما ملتزمين تبعاً لانتمائهم السياسي او الطائفي بسياسة الوسيلة الاعلامية التي يعملون لصالحها.

في المقابل، يبرز رأي آخر، يفصل الاعلام عن الواقع الاجتماعي والسياسي ويصنفه في خانة المراقب، ينقل ما يراه فقط. وهو بالتالي لا يلمس جدية لدى القوى السياسية في مقاربتها للقانون الانتخابي كما انه غير قادر على تحديد القانون الانتخابي الأمثل.

بالاضافة الى ذلك، فإن المقاربة الاعلامية لمواضيع الاصلاح الانتخابي منصبّ بشكل اساسي، على فكرة الاصلاح السياسي في القانون الانتخابي بين التمثيل الاكثري او النسبي او المختلط من وجهة نظر القوى السياسية لا بل انطلاقاً من مواقفها. بمعنى ان اي تقرير لا يندرج في خانة رسالة التوجيه الايجابي التي يفترض ان يؤديها الاعلام.

وفي حمأة النقاش التمثيلي تغيب الاصلاحات الانتخابية الأخرى. آخر تقرير تناول مثلاً الهيئة المشرفة على الانتخابات يعود الى أكثر من عام عند تشكليها في 10 تشرين الأول 2014. في خطوة اتخذت يومها للتعمية على قرار التمديد الثاني الذي فرض بعد أقل من شهر. تجربة الهيئة الاصلاحية لم تكن مشجعة في استحقاق 2009، لا سيما انها موقتة، لا تملك صلاحيات ، كما ان تقاريرها غير ملزمة ولا تعتمد إلا في حال الطعن امام المجلس الدستوري. علماً ان عنوانين اساسيين لسلامة العملية الانتخابية يندرجان من ضمن صلاحياتها من تنظيم الإنفاق الانتخابي والإعلام والإعلان الانتخابيين.

اما الاصلاحات الأخرى فتبقى محكومة بالتوازنات الطائفية والعددية من خفض سن الاقتراع الى اقتراع اللبنانيين غير المقيمين على الاراضي اللبنانية او حتى اعطاء حق الاقتراع للعسكريين.

وفي زمن التكفير الارهابي الذي يجتاح دولاً كاملة، يقف الاعلام اللبناني امام هواجس مشروعة ومفهومة للطوائف، والمسيحيين بصورة خاصة. فانتهاء الحرب اللبنانية لم يعنِ خروج اللبنانيين من بقعهم الطائفية، خصوصاً ان القوانين الانتخابية منذ التسعين وحتى اليوم أبقت بنسب مختلفة، على الترجيح المسلم على التمثيل المسيحي. في النظام السياسي القائم، قد يصحّ الرأي القانوني القائل إن أي شكل من أشكال التمثيل النسبي او الاكثري سيعيد التركيبة السياسية عينها المنقسمة بصورة عمودية والتي تعبّر عن واقع المجتمع اللبناني، بمعنى ان اي خرق لقوى سياسية جديدة غير ممكن إلا في حالات استثنائية.

لا يتحمل الاعلام كل المسؤولية ولا يجوز تحميله كل المسؤولية عن غياب الاصلاح الانتخابي. خصوصاً ان أداء السلطة القضائية مثلاً التي يفترض ان تكون عنوان العدل، افقدها ثقة اللبنانيين بها، خصوصاً بعد انكفاء أعلى سلطة دستورية في البلاد عن اعطاء قرار فصل في طعني التمديد لمجلس النواب. لكن الاعلام بجزء كبير، بات فاقداً لاستقلالية مالية أولاً، بحكم الواقع المادي الصعب لكل وسائل الاعلام، تجعله فاقداً لموقع موضوعي يراقب وينتقد ويقدم الحلول من دون الاكتفاء بعرض المشكلة. وهو بجزء آخر ملتزم سياسياً بما يحوّله اساساً في الماكينات الانتخابية كوسيلة تعبئة سياسية وطائفية. والأخطر ان الاعلام بات فاقداً او بالحد الأدنى متغاضياً عن اخلاقيات تحكم عمله.

ربما لا يؤشر ذلك إلا الى تراجع سريع لاحتمالات الاصلاح الانتخابي إلا في حال تعديل جوهري في النظام السياسي، بل تغيير مبدئي في كامل النظام المجتمعي اولاً، وبالتالي في النظام السياسي. وفي الوقت المستقطع، على المؤسسات الاعلامية ان تخلق التوازن بين انتمائها السياسي ومتطلباتها المالية المفروضة من جهة، وبين حد أدنى ضروري من مهمتها التوعوية من جهة والتشاركية من جهة ثانية في صناعة القرار الوطني.