"نكتة" الإصلاح الإنتخابي في بلاد التمديد والشلل
11-05-2016

سعدى علوه

("السفير")

 

لا يمكن تناول موقع الإصلاح الإنتخابي في الإعلام اللبناني بمعزل عن موقع الإعلام نفسه من القضايا الأساسية التي تهم المواطنين في لبنان، بمعنى مدى تشكيل الإعلام، مرئياً ومكتوباً ومسموعاً وإلكترونياً، مرآة حقيقية لهموم الناس وقضاياهم.

ومما يزيد “الطين بلة” أننا نتحدث عن الإصلاح الإنتخابي في وقت تشهد البلاد شللاً وفراغاً سياسياً غير مسبوق. فلبنان بلا انتخاب رئيس للجمهورية منذ أكثر من عام ونصف. مجلس النواب مدّد لنفسه مرتين في ولاية كاملة من دون أي أفق لإجراء إنتخابات مقبلة. أما الحكومة فمشلولة على وقع الخلافات المحتدمة بين القوى التي تتألف منها. وفي وسط هذه الصورة “الكاريكاتورية لـ"بلاد العجائب" يصبح طرح فكرة عن "الإصلاح الإنتخابي" لمعالجتها في وسيلة إعلامية بمثابة "النكتة" التي ستجد من يرد عليها "عن أي انتخابات تتحدثون". نزد على ذلك أن التوافقات السياسية والطائفية هي سيدة الموقف بغض النظر عن النقاشات التقنية حول أي قوانين أو نظم مطروحة على بساط البحث. كما أن الجهود المدنية، سواء على مستوى المجتمع المدني كرأي عام أو المنظمات المختصة بالعمل على الإصلاح الإنتخابي، وحتى الإعلام، تذهب أدارج الرياح لدى خروج الدخان الأبيض من غرف عقد الصفقات المعهودة.

هذا لا يعني أبداً تنصل الإعلام من أهم أسباب وجوده المتمثلة بالإضاءة على قضايا جوهرية، ومنها الإصلاح الإنتخابي، وما له من باع طويل في التأثير بهوية النظام السياسي الذي نريد، وما ينتجه من مؤسسات تشريعية في بلاد النظام السياسي الطائفي، لبنان. وقبل النقاش في مهنية الإعلاميين والصحافيين في لبنان المتمكنين من طرح مواضيع تلامس جوهر المسلمات الإصلاحية في البلاد، يمكن التوقف عند دور الإعلام في تحريك القضايا وليس في مواكبة ما يطرحه الافرقاء الأساسيون والسياسيون سواء كزعماء أحزاب أو كتل نيابية أو مشاريع تطرحها الحكومة وقوانين تتم مناقشتها في مجلس النواب.

بهذا المعنى نرى أن الإعلام اللبناني نادراً ما يتحدث عن إصلاح انتخابي أو خطوة إصلاحية هنا أو هناك في غير “موسمها”. والموسم هنا، بالنسبة للإصلاح الإنتخابي، على سبيل المثال لا الحصر، يرتبط إما بقرب استحاق الإنتخابات نيابية كانت أم بلدية وإختيارية، أو بخلاف يستعر بين الكتل السياسية او أي نظام انتخابي نعتمد، أو بطرح قانون انتخابي للنقاش على غرار ما حصل مع “الأرثوذكسي” مثلاً. ونجد الإعلام هنا متابعاً أكثر منه مؤثراً بالمعنى الجذري للتأثير. وقد يقتصر دوره أحياناً على نقل آراء الافرقاء السياسيين دونما أي اعتبار للمصلحة العليا للبلاد، أو حتى بذل جهد إضافي لتقديم خدمة للقراء أو المشاهدين تساعد في فهم مواطن الخلاف أو التوافق هنا أو هناك. وقد نرى هذه المؤسسة أو تلك، كما إعلامييها وصحافييها، تدور خلال متابعتها في فلك الجهة السياسية التي تؤيدها أو تنضوي معها في التوجه السياسي والعقائدي وأحياناً كثيرة، الطائفي والمذهبي. إذ ليس جديداً أن الإصطفاف السياسي، لا بل الإنقسام الحاد في البلاد، لا يقتصر على السياسيين والطوائف بل يطال الجسم الإعلامي كمؤسسات، وفي غالبية الأحيان كصحافيين، إعلاميين- أفراد. وما “الكانتونات” الخفية منها والعلنية بين الصحافيين و”وصمة” التصنيفات بين إعلاميي “الممانعة” أو “14 اذار” إلا وجهاً من وجوه هذا الإنقسام. هذا ولم نتحدث بعد عن المال السياسي ودوره في تحديد توجهات الإعلام.

يتم التوقف عند هذه النقطة للقول إن المواقف من الإصلاح الإنتخابي، سواء في المؤسسات الإعلامية أو عند الصحافيين، الإعلاميين، ليست على طول الخط مهنية بحتة تراعي المصلحة العليا للبلاد ومن ضمن رؤية ناضجة تصل إلى مستوى “أي نظام سياسي نريد وعبر أي نظام إنتخابي يمكن الوصول إليه”. وعليه، نرى وجهات النظر التي يتم التعبير عنها في الإعلام، وإن بتواقيع مختلفة، تصب في إطار نقاش عام على هامش مواقف أطراف “النزاع” السياسي الذي يزداد حدة يوماً بعد يوم.

ونعود إلى النقطة الأساس حول مدى تنطح الإعلام للتصدي لقضايا أساسية بعيداً عن تفاهة السياسة والسياسيين الذين يملأون الشاشات وصفحات الصحف. فالإعلام وإن كان قد شهد بعض التغيُر في السنوات الأخيرة على جبهة انخراطه في القضايا المدنية والحقوقية بعدما تغيرت أدوات النضال وتنوعت وفرضت نفسها ومتابعتها، إلا أننا نجد معظم وسائل الإعلام ما زالت غارقة في قشور السياسة المتعلقة بالشخصيات والزعماء والمسؤولين وتصريحاتهم، وليس بالسياسة الحقيقية المرتبطة بقضايا الناس والقوانين والمراسيم التي تحكم وتنظم حيواتهم وعلاقتهم بدولتهم، ووجهها السياسي التقدمي والمدني.

يبقى أن نجري إختباراً صغيراً على عينة قليلة من الإعلاميين والصحافيين يقوم على سؤال يتمحور حول مدى معرفتهم بالإصلاح الإنتخابي والنظم السياسية المطروحة للنقاش. كم إعلامي أو صحافي يعمل على تطوير معرفته في هذا الموضوع ليكون متملكاً من المادة التي يعمل عليها؟ كم مقال أو تحقيق يقدم خدمة للقارئ تتيح له فهم ما يحصل مع وضع شفاف للنقاط على الحروف بعيداً عن المواقف المسبقة؟ سنجد أن قلة من بين الإعلاميين تدرك فعلياً كنه الإصلاحات والمادة المطروحة. ربما تساهم في الإصلاح الإنتخابي أيضاً المنظمات المدنية المختصة عبر نشر المعرفة بين الإعلاميين والصحافيين وتطوير مهاراتهم في قضية اساسية وجوهرية مشابهة، فالأساس هو “أكل العنب” وليس “قتل الناطور”. ومن المهم الوصول إلى تكوين خامة من الإعلاميين المطلعين والمتابعين مزودين بأدوات المعرفة المطلوبة لطرح القضية.