هل يبدأ الإصلاح الإنتخابي من الإعلام؟
11-05-2016

 زينب حاوي 

("الأخبار")

 

في الندوة النقاشية التي جرت أخيراً، من تنظيم مؤسسة "مهارات"، حول "موقع الإصلاح الانتخابي في الإعلام اللبناني: تجربة 2015"، والتي جمعت الأطراف المعنية من سياسيين وإعلاميين وجمعيات المجتمع المدني، تظّهرت بشكل جليّ المشهدية اللبنانية المتصارعة الأطراف، لا سيما مع الحديث عن الإصلاحات في القوانين الإنتخابية وإعادة تشكيل الطبقة السياسية. لمسنا ذلك عندما تحوّلت الندوة من نقاشية الى إتهامية، ثار بعض النواب المشاركين معترضين على الإعلام وتغطياته لأنه بالنسبة اليهم لم يتماشَ مع مصالحهم وإرادتهم. وهذا الأمر بالتأكيد ليس مستهجناً، في الصيغة اللبنانية التي رست بعد اتفاق الطائف وتوزيع المحاصصة طائفياً بين القنوات اللبنانية. فالإعلام اللبناني لطالما كان جزءاً أساسياً من النظام السياسي. حبل صرة واحد جمعهما، لم نستغرب هذا الأداء من السياسيين تجاه التصويب على الإعلام في حال وجده "ضالاً" عن كونه بوقاً لا أكثر ولا أقل له. في  السنوات القليلة الماضية، طرأت تغييرات عدة على هذا الجسم الإعلامي، بفعل عوامل عدة أبرزها الثورة الرقمية وتداعياتها وإنتشالها للمواطن من كبوته وعزلته ووضعها أمامه منصات للتعبير نافست التقليدية وجرّت الأخيرة الى عالمها. هكذا، بتنا أمام أولوية استجدّت على المشهد الإعلامي اللبناني اسمها المواطن أو الناشط، الذي أضحى له رأياً فرض نفسه على الشاشات اللبنانية، بعدما كان مبعداً عن المشاركة في الشأن العام. إذا تبدّلت هنا، صيغة "استقبل وودّع" لتتحول الى صحافة المواطن وما يدور في فلكه من إهتمامات ومصائب ناجمة عن الطبقة السياسية الحاكمة. هذه المرحلة لم تكن ثابتة، فقد تضاربتها الأمواج الزئبقية في وسائل الإعلام، فتارة تغزو هذه الموجة الشاشات، ومقدمات نشرات الأخبار والتقارير الإخبارية، وطوراً تعود السياسة الى الواجهة وتتصدر الدقة القديمة هذه المنابر.

يمكن الإستشهاد هنا، بأكثر الأمثلة وضوحاً وحيوية: "الحراك المدني"، هذه الحركة الشبابية العابرة للطوائف التي كبرت مع الوقت وتضخمت أعدادها محاولة الضغط الشعبي الميداني على الحكومة اللبنانية لحل أزمة النفايات المستفحلة. هنا، كنا على موعد مع عملية إعلامية معقدة، تخبطت الشاشات المسيّسة والمملوكة من ملوك الطوائف بالتعامل مع هذه الحركة، تبناها البعض بداية وذهب حتى أبعد من التغطية الإعلامية، الى تبني خطاب واضح ضد السلطة الحاكمة وأدواتها، لكن سرعان ما أنطفأ بعد أشهر قليلة، هذا الدفع وعادت القنوات أدراجها، لتكمل مسارها الأساسي. هكذا، عاد من كانوا يؤبلسون على هذه الشاشات، عادوا اليها كأن شيئاً لم يكن. وبموازاة التغير في الأداء والتقنيات الإعلامية، استفاد ما بات يسمى بـ"المجتمع المدني"، من هذا الصعود لوسائل الإعلام الإفتراضية كانت ساحته أيضاً لزرع وحصد وحشد مختلف الشرائح الشعبية بغية المزيد من التحشيد للقضايا الشائكة والتي تحتاج الى مساندة ومناصرة كقضايا المرأة وحقوقها والدفع قدماً لإنهاء العنف الذي تتعرض له، وكقضية الإنتخابات أيضاً التي تهم المواطنين وتشكل بداية الطريق نحو التغيير المنشود.

أورد هذه التوطئة، لتبيان المشهدية اللبنانية المعقدّة، فعندما نتحدث عن قانون إنتخابي في لبنان، وعن طبقة سياسية تعيد إنتاج نفسها بنفسها في السنوات الأخيرة، وعن إعلام زئبقي يتغير تبعاً لمصالحه الخاصة ومصالح أربابه، وعندما نتحدث عن مجتمع مدني البعض منه يحاول جاهداً مناصرة هذه القضايا ووضعها في سلّم الأولويات. نرى بوضوح تشابك العلاقات هنا، وقد لا تصل الى نتائج مرجوة. لذا، كان من الصعب الإتكاء على وسائل الإعلام لتشكل خطّ المناصرة لقضايا الإصلاح الإنتخابي في لبنان، فتبعاً لمؤشرات دراسة "مهارات" عن هذا الموضوع - والأمر لا يبدو مفاجئاً- تولي الشاشات اللبنانية شأناً في الدرجة الأولى لنقل تصريحات الساسة ومختلف مواقفهم، دون أن تعنى بموازاة ذلك، بفتح نقاش عن القانون الأمثل الذي يعطي التمثيل الصحيح لمختلف الفئات، أو وضعه على طاولة البحث أو وضعه على طاولة البحث، تمهيداً للخروج من دولة الطوائف والمزارع الى دولة المواطن والمواطنة.

هذا الوضع القائم اليوم، وبعد أكثر من 3 سنوات على محاولة الخروج بقانون انتخابي حديث يأخذ الإصلاحات الضرورية في الإعتبار، مع تمسك كل طرف سياسي بـ"امتيازاته" ومصالحه الضيقة، يبدو أن الأفق مسدود هنا، بالضرب بعرض الحائط بكل ما من شأنه إعادة تأسيس السلطة في لبنان، الذي يبدأ بالقانون الإنتخابي كمدخل للإصلاح السياسي والإجتماعي. فما يحصل اليوم، حتى مع الأطراف السياسية التي تدّعي الحرص على التمثيل الأمثل والعادل للشعب اللبناني، ليس سوى التفكير بكيفية الإستحصال على قسم من كعكة السلطة. وبالعودة الى الوراء، وتحديداً الى العام 2009 الذي شهد ولأول مرة، نشوء "هيئة الإشراف على الإنتخابات النيابية"، في عهد وزير الداخلية زياد بارود، لعلّها نقطة مضيئة على الرغم من تحول قراراتها وتوصياتها  فيما خص المخالفات الإعلامية والإعلانية وللأطراف السياسية الى ما يشبه دور"المجلس الوطني للإعلام" كهيئة إستشارية وليس تنفيذية، لكن مع ذلك حرّكت ركوداً في الوضع اللبناني، لا سيما في الفترة الإنتخابية المحتدمة التي شهدنا وقتها بروز أعلى نسب في خطابات الكراهية والتحريض وتوزيع للمال السياسي. استطاعت هذه الهيئة التي استقطبت شباباً من كل الفئات والأطياف (وأنا كنت من ضمنهم)، لمراقبة وسائل الإعلام المتعددة، أن تبني الحجر الأساس نحو الإصلاح، وتحتاج بالطبع الى استكمال ونضال جديّين. ومع انتظار بزوغ هذا الأمل، يبقى التعويل على نفضة داخلية تقيمها وسائل الإعلام لتحويل منابرها الى فرصة للتغيير ومعبراً لتشكيل رأي عام واعٍ، يدرك كيفية سير العملية الإنتخابية ودوره فيها،على أن يقوم هذا الإعلام بدوره التثقيفي في تعريف الناس على القوانين الإنتخابية المطروحة وثغراتها  وعلى القانون الأمثل. وبذلك، يكون الإعلام قد ساند بشكل أساسي قضايا الإصلاحات الإنتخابية، الى جانب المجتمع المدني الذي له دور أساسي أيضاً، كرديف عن هذه السلطة بوضعه لسلّم أولويات يأخذ في الإعتبار المواطن ومصالحه وصحة التمثيل.