بانتظار الإنتخابات في الجنوب
11-05-2016

آمال خليل

("الأخبار")

 

خسر أنور ياسين معركته للفوز بأحد المقاعد النيابية الثلاثة عن دائرة بنت جبيل في الجنوب، في دورة انتخابات عام 2005. ترشح ضمن تحالف الحزب الشيوعي اللبناني ومستقلين بوجه تحالف "حزب الله" وحركة "أمل". صوّت له 18 ألف و450 ناخباً في مقابل أكثر من 149 ألفاً، صوتوا لمرشح حركة "أمل" أيوب حميد. صار ياسين مرشحاً مهزوماً برغم أنه كان قبل عام واحد بطلاً رفع على أكتاف الجنوبيين، عندما تحرر من سجون العدو الإسرائيلي التي قضى فيها 17 عاماً. في المقابل، شكا كثيرون في السنوات اللاحقة من أداء حميد تجاه ناخبيه من جهة وتجاه واجبه التشريعي من جهة أخرى. مع ذلك، لمّا يزل حميد نائباً عن المقعد ذاته منذ عام 1992. عن الدائرة ذاتها، ترشح مع ياسين، ناجي بيضون، ابن عائلة كبيرة من مدينة بنت جبيل. نال أقل من عشرة آلاف صوت. ضمن تحالف الشيوعي والمستقلين أيضاً، ترشح رياض الأسعد عن أحد المقاعد الثلاثة في دائرة الزهراني. نال أكثر من 19 ألف و600 صوت. فيما نال آخر الفائزين، علي عسيران، أكثر من 152 ألف و500 صوت. بالمقارنة مع دورة عام 2009، استطاع تحالف المعارضة في دورة 2005، ولو بشكل جزئي ومحدود، بث روح المنافسة بين المرشحين، برغم الترجيح المسبق لفوز مرشحي السلطة بفارق كبير. لكن ماذا لو كان القانون المعتمد حينها هو القانون النسبي والجنوب دائرة واحدة، ألم يكن لتحالف الشيوعي والمستقلين حظوظ أكبر بالفوز أو حصد أصوات أعلى؟ فيما لو اعتمد النسبي، يكرر الشيوعي تجربة 2005 بترشيح مرشحين في دوائر الجنوب والنبطية. علماً بأن المئات من مؤيديه أحجموا عن المشاركة بالتصويت لعلمهم بالنتيجة المحسومة سلفاً. اليأس من القدرة على اختراق تحالف "حزب الله" وحركة "أمل" بالإعتماد على القوانين المعتمدة (القانون الأكثري وقانون الستين)، قلص من حماسة الكثيرين للترشح لانتخابات 2013 (لم تحصل) في أقضية الجنوب. عن بنت جبيل، ترشح شخص واحد إضافة إلى النواب الحاليين، ما يعني أن مقعدين فازا بالتزكية. في صور عام 2005، ترشح سبعة لأربعة مقاعد. وفي 2013 ترشح ثمانية من بينهم النواب الأربعة الثابتين منذ 2005. وفي النبطية، ترشح في 2013، سبعة لثلاثة مقاعد، أحدها يشغله النائب عبد اللطيف الزين منذ 1960. لكن القانون المعتمد الذي لا يؤمن صحة التمثيل لقوى متجذرة جنوباً مثل الحزب الشيوعي، ليس السبب الوحيد. تغلغل الحزب وأمل، عبر المقاومة ومؤسسات الدولة جذب آلاف الناخبين. اللافت جنوباً، أن النسبي الذي يجمع عليه غير الممثلين وهيئات المجتمع المدني، لا تعارضه قوى السلطة أيضاً. تحالف الحزب والحركة لا يجد فيه تهديداً ضمن قاعدته الإنتخابية شبه المقفلة. في المحصلة، فإن النتائج المحسومة سلفاً والإحجام عن المنافسة واليأس من التغيير، جعل الإعلام لا يهتم كفاية بتفاصيل سير العملية الإنتخابية في محافظتي الجنوب والنبطية. خلال الحملات الإنتخابية، كان مراسلو صور والنبطية ومرجعيون - حاصبيا وبنت جبيل، يحظون بما يشبه العطلة بالمقارنة مع زملائهم في مناطق أخرى. فأين هم المرشحون المعارضون ليتعقب الصحافي نشاطهم ويوازن بينهم وبين مرشحي السلطة؟ قلة عدد المنافسين، فرض بطريقة غير مقصودة سيادة أخبار وجولات مرشحي السلطة. حتى إن هؤلاء لم يكونوا بحاجة لبذل جهد كبير والأهم طرح برنامج انتخابي خاص بهم، بل الإكتفاء بالبرنامج العام لأحزابهم. في المقابل، تعمدت وسائل إعلام قريبة من مرشحي السلطة إغفال جولات المرشحين المنافسين، بل التصويب عليهم مثل آل الأسعد (كامل ونجله أحمد ورياض الأسعد). هدد مناصروهم وضيّق على جولاتهم. بعض الإعلام أغفل نقل ما تعرضوا له. فيما بعض المرشحين المنافسين لم يسمع بهم أحد. غياب الإثارة في تلك الدوائر، حجب عن الاعلام تغطية مخالفات عدة حصلت من دون أن يعالج جدياً. عجائز وأميّون وعاجزون أحضروا إلى مركز الإنتخاب ولا يعرفون أياً من المرشحين. حمّلوا بأيديهم ورقة أسقطوها مباشرة في الصندوق كما هي من دون الدخول خلف الستار. ذوو الحاجات الخاصة إما لم يهتموا بالإنتخاب أو لم يستطيعوا بسبب عدم تجهيز كثير من المراكز المعتمدة هندسياً لاستقبالهم. إضافة إلى الأخطاء المتكررة في لوائح الشطب حيث يرد أسماء متوفين. عام 2009، احتدمت الإثارة والمعركة في معركتي صيدا وجزين، فجذبت المرشحين والناخبين والإعلام. في صيدا، سمح التنافس بكشف المخالفات لدى مرشحي تيار "المستقبل" (النائبة بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة) ولدى مرشح القوى الوطنية (أسامة سعد). كشفُ ظل إعلامياً ولم يعالج مثل الإنفاق وتأمين تذاكر سفر لموظفي شركات الحريري في الخليج ليحضروا بهدف التصويت. بشكل عام، بات المشهد جنوباً (ما عدا صيدا وجزين)، رتيباً على المستوى التمثيلي منذ دورة 1992. يوم الإنتخاب يصبح ثقيلاً للبعض وفولكلورياً لآخرين، إنما ليس مصيرياً. الأسماء تتكرر وأداء النواب لا ينفصل عن مرجعيتهم، الحزب والحركة، سياسياً وخدماتياً. علماً بأن الجنوب أو جبل عامل كما كان يعرف قبل الإحتلال، كان عامراً بالحراك السياسي والتنافس الزعاماتي، في وقت كانت الطرقات ترابية واختراع الكهرباء غير معروف. قلة قررت استعادة الزخم المتلاشي من باب الإنتخابات. ترشح المحامي والطبيب والمناضل والأكاديمي وأصحاب تواريخ ناصعة، لكنهم لم يفلحوا في كسر ثنائية الحزب والحركة التي ذابت فيما بينها زعامات العائلات والأحزاب لا سيما اليسارية. كل مطالب هيئات المجتمع المدني والناشطين جنوباً بالتغيير وتصحيح التمثيل، لا ترتبط سوى باعتماد القانون النسبي. بعد تأمين التمثيل الصحيح ولو جزئياً، يمكن حينها الإنتقال من مرحلة ألف باء الإنتخابات نحو مرتكزات إصلاحية أخرى، أبرزها الإصلاح الإنتخابي التقني والتعددية الحزبية والنساء وتمثيل الفئات المهمشة. باستثناء نائبة صيدا بهية الحريري، لم يعرف الجنوب نائبة، برغم ترشح عدد من الناشطات كمستقلات أو معارضات. برغم اندحار الإحتلال واستبدال الحرمان بثروات المغتربين والفيلات والطرقات والآبار، لا تزال أقضية الجنوب في حالة قصور سياسي. قصور يتبعه حكماً قصور في مواكبة الإعلام للحراك السياسي، أحادي الصورة.