حوكمة الانترنت وثقافة اللامركزية
28-11-2016

في ليل 30 أيلول 2016، انتهى العقد الذي يربط هيئة الانترنت للأرقام والأسماء المخصصة(ICANN) بوكالة الاتصالات والمعلومات الوطنية (NTIA) التابعة لوزارة الاقتصاد الاميريكية.  وبذلك بدأ عهد جديد لحوكمة الانترنت يقتضي بأن تقوم كافة المنظمات المولجة بإدارة موارد الانترنت بعملها بدون رقابة أي جهة حكومية.

أما سبب العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة الأميريكية والانترنت فهو يعود إلى أن أصل الانترنت هو شبكة "ARPANET"  التي طورها الباحثون الجامعيون بتمويل من وكالة مشاريع البحوث المتقدمة الدفاعية "DARPA".  واستخدمت الشبكة لأغراض أكاديمية علمية وصولاً للاستعمالات التجارية في بداية التسعينيات.

ولم يكن انتهاء العقد بين ICANN و NTIA مفاجأة، بل قام مجتمع الانترنت بالتحضير لهذا الحدث على مدار سنين طويلة خاصة لجهة تحسين نظم الرقابة الذاتية والمحاسبة والشفافية التي تخضع لها المنظمات المعنية بإدارة موارد الانترنت[1].  أما الموارد التي يتم إدارتها من قبل هذه المنظمات فهي أسماء المواقع، وأرقام العناوين على الانترنت، والبروتوكولات، وونظام أسماء النطاقات (DNS).

وطبيعة حوكمة الانترنت هي الامركزية منذ البدء، ولم يخضع الانترنت يوماً لسلطة مركزية واحدة تتحكم بإدارته. فطبيعة الانترنت أصلاً لامركزية لأن الانترنت هو عبارة عن اجتماع شبكات اتصالات خاصة (network of networks) يكون العبور بينها خاضع لنفس القواعد (protocols)، ومبادئ الحوكمة هي اللامركزية والتعاون بين الجهات المعنية لضمان حل المشاكل التقنية بأسرع وقت ممكن.  وهناك العديد من الدراسات التي تنسب نجاح الانترنت وسرعة تطويره المذهلة إلى ثقافة اللامركزية والتعاون التي يخضع لها.

وسرعان ما أصبح الانترنت منذ أوائل التسعينات ضرورة اقتصادية واجتماعية عالمية مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى اتخاذ القرار 56/183 لجهة عقد قمة عالمية لمجتمع المعلومات (WSIS) على مرحلتين: في جنيف بين  10 -12 كانون الأول 2003 وفي تونس بين 16-18 تشرين الثاني 2005، وكُلّف الاتحاد الدولي للاتصالات بولاية أداء الدور الرائد في الأعمال التحضيرية بالتعاون مع الجهات المعنية الأخرى من منظمات المجتمع التقني، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص والحكومات.

لم تتضمن توصيات المرحلة الأولى من القمة اتفاق بين الأطراف على وضع نموذج جديد لحوكمة الانترنت موضع التنفيذ.  وأدت المفاوضات على مدى سنتين على إعلان بيان توافقي معروف بـ "أجندة تونس" الذي تضمن تعريف لحَوْكَمَة الإنترنت على أنها  "تطوير وتطبيق من جانب الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كل حسب دوره، للمبادئ والمعايير والقواعد المشتركة وآليات اتخاذ القرار والبرامج التي تبلور استخدام الإنترنت".  ويتضمن هذا التعريف اعتراف بدور كل مجموعة من أصحاب المصلحة ويؤكد على أهمية المسؤولية المشتركة والتعاون عند البحث عن حلول لصالح نمو الإنترنت والتنمية؛ ويسمى هذا النموذج بأصحاب المصلحة المتعددين (multi-stakeholder approach).

 

منتدى حوكمة الانترنت

وتطبيقاً لأجندة تونس، ينعقد المنتدى الدولي لحوكمة الانترنت (IGF) سنوياً بمشاركة جميع أصحاب المصلحة تحت رعاية الأمم المتحدة وهو مؤتمر ليس لديه صلاحية اتخاذ القرار، لكن يستعمل لسماع جميعالآراء، ومناقشة أفضل الممارسات لحل المشاكل المطروحة. ويهدف المنتدى الدولي لحوكمة الانترنت إلى التأثير على خلق سياسات مناسبة للإنترنت على المستوى الوطني والإقليمي والدولي. وانبثق من الـ IGF في السنوات القليلة الماضية منتديات على الصعيد الوطني والأقليمي أثبتت مفيدة في تبادل أفضل الممارسات حول قضايا محددة، بما في ذلك البريد المزعج (spam)، وحماية الإنترنت من الأطفال، ونقاط تبادل الإنترنت (IXP).

كما اعتمد نموذج أصحاب المصلحة لعقد اجتماع NETmundial في نيسان 2014 في ساو باولو البرازيل بمشاركة وحضور ملحوظ لجميع الدول، كما الآلاف من أصحاب المصلحة من جميع أنحاء العالم. وتضمن البيان الختامي المبادئ المتفق عليها لحوكمة الإنترنت وأهمها: حرية التعبير، وحرية التجمع الإلكتروني من خلال مواقع التواصل ومنصات أخرى، الحق في الخصوصية، حرية تدفق المعلومات وحق الوصول إليها، حق الجميع في الإنترنت، احترام التنوع الثقافي واللغوي، ضمان أمن واستقرار ومرونة الإنترنت.

 

التحديات

في ضوء استعمال شبكة الانترنت في معظم مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية حول العالم، اتضح أنه لا يوجد وجهة نظر واحدة لحل القضايا المتعلقة باستخدام الانترنت مثل الأمن والخصوصية، والتشبيك، وحقوق الإنسان.  فطبيعة الانترنت عالمية تتخطى الحدود الجغرافية والسياسية المعترف بها.  كما أن القضايا المنبثقة من استخدام الانترنت متعددة الأبعاد. فلا يمكن السيطرة عليها عبر اتفاقات دولية ولا بديل إلا استخدام نهج أصحاب المصلحة لخلق مساحة للتشاور والتفاوض والمناقشة وصولاً إلى تبني أفضل الممارسات القائمة على التعاون والإجماع. 

ورغم ذلك، لا زال النقاش دائراً والدول منقسمة بشأن إدارة أو حَوْكَمَة الإنترنت بين دول ترى أنها من صميم عمل الحكومات والأنظمة الرسمية وتخضع لسيادتها، ودول أخرى معها جهات مدنية وأكاديمية تؤمن بالإنترنت الحر المفتوح غير المؤمم وإدارته من خلال نموذج أصحاب المصلحة المتعددين.