تقرير عن وضع قطاع الاتصالات في لبنان والحلول المقترحة
28-11-2016

الوضع القائم

بينما يدور السجال حول ملف الانترنت الذي فاحت منه روائح العمل المخالف للقوانين والهدر للمال العاموفي ظل اعتراضات على أداء الانترنت وتسعيرها، يستمر لبنان باضاعة الفرص متقدما ببطئ في تطوير القطاع الى المستويات المطلوبة ليستعيد موقعه الريادي في العالم العربي في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات. كما يتم الحديث والعمل على أهداف يتوقع ان يصل اليها لبنان في 2020، كان يجب أن يحققها في عام 2013، وذلك التأخير سيكلف الاقتصاد اللبناني ما يناهز 5 الى 7 مليارات دولار من النمو بحلول العام 2020.

والجدير بالذكر ان نسبة عائدات قطاع الاتصالات تتقلص ومعها يتقلص مدخول الخزينة حيث باتت تشكل 3% من الدخل القومي بعدما كانت تشكل 3.7% في العام 2013 و14% من مداخيل الخزينة بعدما كانت تشكل 16% في العام عينه. ويتوقع أن تستمر هذه النسبة بالانخفاض تماشياً مع ما يحصل في كافة بلدان العالم لأن الاتصالات لا تستخدم كضريبة بل كمحفز للاقتصاد. أما في لبنان، فهي أصبحت عائقاً للاقتصاد بسبب عدم تطويرها كما يجب،و تستخدم كضريبة لتغذية الخزينة في الوقت عينه، وهي تنخفض تدريجيا.علما ان بامكان الدولة ان تحرر القطاع وتساهم في نمو الاقتصاد وخلق فرص العمل مع المحافظة على مداخيلها من خلال الضرائب المباشرة والغير مباشرة والرسوم بقيمة تعادل 1.7 مليار دولار سنويا مقارنة بعائدات الخزينة عام 2015 من قطاع الاتصالات والتي كانت 1.2 مليار دولار، من دون أخذ أسعار التراخيص بالاعتبار، والتي تقدر بنحو 4 مليارات دولار أو أكثر، تأتي دفعة واحدة عند تحرير القطاع.

واذا نظرنا في التفاصيل، فان كلفة الانترنت في لبنان مازالت من الأعلى في العالم بالنسبة الى معدل سرعتها والذي يبلغ 1.9 ميغابيت في الثانية تقريبا،واضعا لبنان في المرتبة 14 من 16 دولة عربية متقدما على سوريا واليمن فقط، والمرتبة 200 عالميا. وقد تصل هذه السرعة الى أقل من 1 ميغابيت في الثانية في الأماكن البعيدة عن مراكز الاتصالات أو في أوقات الذروة. وبالمقارنة مع بلدان مثل ماليزيا والتي تقع ضمن التصنيف الاقتصادي الذي يقع فيه لبنان، فان معدل سرعة الانترنت هواربعة أضعاف السرعة في لبنان أما في البلدان المتطورة تقنياً مثل استونيا وبريطانيا مثلا، فتصل فيها السرعة الى 18 و 15ضعفا السرعة في لبنان. وفي لبنان، سعر وحدة السرعة للمستهلك (أي معدل كلفة الوصول الى الانترنت مقسمة على معدل السرعة)يقدر بنحو 9 دولار شهرياً للميغابيت في الثانيةأما في ماليزيا فهي 3 واستونيا وبريطانيا 0.7 و 0.6 دولار. أما بالنسبة الى انتشار النطاق العريض (الانترنت العالية السرعة بمعدل 4 ميغابيت بالثانية وما فوق) فما زال دون4% في لبنان مقارنة ب 62% في الأردن و 90% في الامارات العربية المتحدة. ولا تتعدى نسبة الاخرتراق 0.3% لسرعة 10 ميغابيت في الثانية.

وبحسب دراسات لشركة اريكسون وآرثر دي ليتل، فان الاقتصاد ينمو ب 0.3% كلما ضوعفت سرعة الانترنت، وكلما زاد انتشار خدمات النطاق العريض ب 10% يزيد النمو الاقتصادي ب 1%. في معادلة كهذه، اذا طورنا الانترنت لنصبح مثل استونيا خلال السنوات الخمس القادمة مثلاً، يزيد ناتجنا المحلي بنحو 5 الى7 مليارات دولار تراكمية خلال هذه الفترة، أي أكثر من مليار دولار سنوياً. وبحلول عام 2032 تكون هذه النسبة 62 مليار دولار.

 

 

الأسباب:

 شبكة وطنية ومحلية غير كافية لتقديم السعات العالية للانترنت وهي عنق الزجاجة الأساسي، علما أن لبنان استثمر أكثر من 93 مليون دولار في شبكات دولية للحصول على سعات تعادل170 الف ميغابيت عاملة (أي موصولة بالمعدات الالكترونية)ولا يستخدم منهاسوى حوالي 75 الف. أما البنى التحتية الجاهزة للتشغيل على الخط الدولي فتوازي 3 مليون ميغابيت (3 تيرابيت)، موزعة على خطين الى اوروبا وهي لا تستخدم.

  بعد ان تم الاستثمار بشبكة ألياف بصرية وطنية تربط مراكز الاتصال ببعضها لزيادة سرعة التواصل من قبل وزارة الاتصالا وباشراف المديرية العامة للانشاء والتجهيز، لم يتم استلام وتشغيل هذه الشبكة من قبل المديرية العامة للاستثمار وصيانة المواصلات السلكية واللاسلكية وهيئة أوجيرو، لأسباب فنية غير واضحة، وبالتالي لم يتم تشغيلها أو اصلاحها واصبحت جزءا من عنق الزجاجة.

بطء كبير في بناء الشبكات يتأثر بقدرة أوجيرو على ادارة المشاريع وقدرة الدولة على الاستثمار ووضع الاطار التنظيمي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتم العمل على وضع شبكة الياف بصرية عالية السرعة الى الأحياء بحسب خطة غير واضحت المعالم وهي اتت متأخرة وستستغرق حتى 2020 لاستكمال تنفيذها، وهذه مدة طويلة ستكلف لبنان الكثير من الفرص الضائعة (5-7 مليار على النمو الاقتصادي).

  يتم تقنين سعات ربط الانترنت الدولية على مقدمي الخدمة من خلال اسعار جملة عالية جدا توازي 120 دولار شهريا للميغابيت في الثانية و تساوي أسعار التجزئة، علما ان الكلفة الحقيقية للدولة تقدر بنحو 11 دولار شهريا. وهذا حفاظاً على حصرية أوجيرو، المجيّرة سهواً او قسراًمن الدولة اللبنانية، ووجود منافسة غير منظمة بين أوجيرو ومقدمي الخدمة. ذلك الفارق في الأسعار ساهم في جعل الربط الدولي الغير شرعي أمرا مجديا اقتصاديا.

 وجود خلل في الهيكل التنظيمي للوزارة والعلاقة مع هيئة أوجيرو. فمدير عام الاستثمار والصيانة هو نفسه رئيس هيئة أوجيرو التي تخضع للرقابة اللاحقة لديوان المحاسبة، مما يضع سلطة عالية في يد شخص واحد، يقرر بشكل منفرد، لمن يعطي سعات الانترنت والتراخيص في القطاعين الثابت والمتنقل (موبايل) وفق معادلات احتكارية، يقررها مع فريق عمله مع توقيع من وزير الوصاية من دون الخضوع لرقابة هيئة ناظمة مستقلة كما يحصل في سائر البلدان او لتدقيق من المدير العام الذي يفترض الا يكون الشخص عينه في الموقعين. ففي هذه الحال، تختصر العلاقة بين شخصين، الوزير ورئيس هيئة أوجيرو.

 تخط لحدود أوجيرو، الكيان الهجين (لا هي مؤسسة عامة ولا شركة خاصة) المولجة بصيانة وتشغيل الشبكة التي أصبحت بديلا عن وزارة الاتصالات الى حد كبير، تقدم خدمات تحت سمة تجارية باسمها وكأنها مشغل رسمي وتتخذ قرارات وتضع خطط توسعة وتقوم بأعمال عديدة خارج الصلاحيات والمسؤوليات التي حددها لها القانون.

عدم وجود معايير واضحة وحديثة لمراقبة الأداء بين الوزارة وأوجيرو وبين الوزارة وشركات الانترنت التي تحصل على التراخيص منها والتي فاق عددها 200 شركة مما يجعل ادارتها صعبة جدا اذ عليها جميعا ان تتعامل مباشرة مع أوجيرو.

 وجود شركات غير شرعية تقدم خدمة الانترنت مع التلفزيون عبر كابلات محلية تنتشر في مناطق عديدة مستعملة أعمدة الكهرباء ولا توجد ضوابط رسمية حولها من قبل الوزارات المختصة.

 عدم تطبيق القانون 431 وبالتالي عدم وجود هيئة ناظمة تفرض منافسة عادلة وتمنع القيام بأعمال غير قانونية، وعدم استقطاب استثمارات القطاع الخاص لتحسين مستوى الخدمة وتخفيف العبئ الاستثماري على الدولة.

الحلول:

ان الاحتكار القائم حاليا، والاتكال الكبير على عائدات القطاع لدعم خزينة الدولة يصعّب عملية الاستثمار الكبير وتخفيض الأسعار خوفا من تقليص عائدات الخزينة، فأصبح القطاع بمثابة مصدر ضريبي على المواطن من دون التطوير الملائم والسريع. اضافة الى طبيعةاتباع الاجراءات في القطاع العام والتي تخفف من قدرة الوزارة وهيئة أوجيرو على تنفيذ المشاريع بالسرعة الملائمة. اضافة الى احتمال حصول الهدر والفساد من جراء عدم وجود الرقابة المالية الكافية، وهذا ما يحصل اليوم عبرالتحقيقات والملاحقات لكبار الموظفين.

ويمكن للحل أن يتجزأ على مراحل لمراعاة الظروف الراهنة للبنان عامة والحكومة اللبنانية خاصة.

المرحلة الأولى:

اتخاذ خطوات لتصحيح بعض نقاط الخلل القائم بتطبيق الهيكل التنظيمي الصحيح لوزارة الاتصالات، وضبط العلاقة مع هيئة أوجيرو لتفادي تجاوزات لدورها الأساسي، وذلك بتعيين رئيس للهيئة ومدير عام للاستثمار وصيانة المواصلات السلكية واللاسلكية في وزارة الاتصالات منفصلين، واستعادة الدور الفاعل للمدير العام في الوزارة لادارة الاستثمار والصيانة ووضع الخطط المناسبة وطرحها على وزير الاتصالات وادارة العلاقة بين الوزارة وأوجيرو بشكل منتظم الى حين اجراء اصلالحات شاملة للقطاع فب الوقت الماسب وتطبيق القانون 431.

المرحلة الثانية:

البدء بتطبيق القانون 431 المقر في عام 2002 والذي ينظم قطاع الاتصالات على أساس تشركة الخدمات الثابتة وتخصيص الخدمات المتنقلة واقامة هيئة ناظمة تحافظ على المنافسة.

وتكون الخطوة الأولى هي اعادة احياء الهيئة المنظمة المستقلة لقطاع الاتصالات، حيث تراقب أداء القطاع وتلزم الشركة بما يسمح بالتنافس العادل بين مقدمي خدمات الانترنت في السوق، المرخصين اصولاً من قبل الهيئة المنظمة. ويكون للهيئة المنظمة دوراً أساسياً في التأكد من عدم وجود خدمات غير شرعية وعدم وجود احتكارات من قبل أحد.

وتتمثل الخطوة الثانية بتشركة العمليات التنفيذية بين الوزارة وأوجيرو، أي وضعها ضمن شركة قد يطرح جزء منهافي بورصة بيروت ويمكن للمواطن اللبناني الاكتتاب فيها مباشرة، وتكون الحكومة اللبنانية أحد المالكين الكبار ممثلة بوزارة الاتصالات، شرط وبذلك، تعزز المحاسبة والشفافية، وتدار المشاريع بشكل اقتصادي ويوظف أصحاب الكفاءة على غرار ما يحدث في القطاع الخاص.

المرحلة الثالثة:

عندما تكون الظروف مؤاتية، تخصيص القطاع الخليوي وتحرير السوق ضمن الأطر والضوابط التنظيمية المعتمدة من قبل مجلس الوزراء في حينه.

(تم اعداد هذا التقرير من قبل تجمع خبراء قطاع الانترنت والاتصالات في لبنان والمهجر في تموز 2016-  
الانترنت في لبنان)  
وينشر بواسطة مجتمع