سير: البلدة السياحية بحاجة للانماء
25-07-2017

فلنتخيّل سوياً أن هناك شباناً يقودون سياراتهم من بلدة إلى أخرى، ولمسافة كيلومترات عدة، ليلعبوا مباراة في كرم القدم. من لا يُمارس هواية كرة القدم، لن يعرف مدى الانزعاج المترتب عن الانتظار لمدة قبل أن يستحم بعد ممارسة كرة القدم، أو رياضة. هناك مصطلح يُردده ممارسو هذه الهواية وهو "استحم قبل أن يبرد عرقك".

سير ليست مجرد بلدة. هي مركز قضاء الضنية. ويجب أن تكون بلدة سياحيّة بامتياز. لديها جميع المقومات لتكون كذلك. في زمن سابق للحرب الأهلية، كان رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي يعقد اجتماعاته صيفاً في أحد فنادقها. اليوم تلتصق أخبار المعارك العسكرية التي حصلت في بداية القرن الحالي بالبلدة. هذا الأمر ليس صائباً، لكنه الواقع. لا تترك هذه الصورة الرضى بين أبناء البلدة. يدركون مقومات بلدتهم. فعلى بعد دقائق من بلدة سير، توجد مغارة الزحلان في بلدة القطين، وتشكل "الشقيقة التوأم لمغارة جعيتا. تتمتع بالكثير من الردهات والتجاويف والشعاب والهياكل والقاعات التي نحتتها الطبيعة وتحولت الى سراديب افقية وعمودية. تتخللها المياه العذبة والمشبعة بالكلس التي تسربت إليها من مرتفعات بلدة سير وجبال الأربعين لتُشكل مع مرور الزمن عالماً من القباب والمنحوتات والأشكال والتكوينات العجيبة التي يقدر عمرها بملايين السنين"، كما يُعرف عنها موقع الضنية الالكتروني.

لكن البنى التحتية السياحية ليست الحاجة الوحيدة لأبناء البلدة. هناك حاجة ماسة لمساحات عامّة وترفيهية. من هنا تبلورت فكرة إنشاء ملعب لكرة القدم في البلدة ضمن مشروع "دعم وتمكين البلديات والمجتمع المحلي" الذي عملت في اطاره "مؤسسة مهارات" مع شركائها منظمة "مرسي كور" الدولية وجمعية "الفريق اللبناني لتحويل النزاعات، بيس لابس"، بدعم من الاتحاد الاوروبي وبالتعاون مع اتحاد بلديات الضنية. احتراماً للدقة، هو ملعب لكرة قدم الصالات، فمساحته مخصصة لفريقين مكونين من 5 أو 6 لاعبين كحدٍ أقصى. بالقرب من الملعب توجد حديقة عامّة صغيرة، يتم تجهيزها بألعاب للأطفال. قد لا يُلبي هذا المشروع كل الحاجات لشباب وصبايا البلدة، لكنه بالتأكيد خطوة أولى ضرورية.

 

سيُفتح هذا الملعب مجاناً لأبناء البلدة واللاجئين المقيمين فيها، كما يقول ضاحي هوشر، وهو أحد أعضاء اللجنة المجتمعية. يُضيف هوشر بأن دور الملعب لن يقتصر على ممارسة رياضة كرة القدم، بل سيكون مساحة للتلاقي وللقيام بالعديد من الأنشطة، وذلك بإدارة البلدية. ويذكر هوشر بأن اللجنة المجتمعية تُحضر لنحو 12 نشاطاً ليتم إحياءها بشكل سنوي في الملعب، مثل يوم المرأة العالمي، عيد الأم، عيد الاستقلال، عيد الجيش، افطارات رمضانية وغيرها. ويرى هوشر بأن هناك إمكانية لممارسة رياضات أخرى في الملعب، وأن هذا الأمر سيتبلور لاحقاً.

في مقابل حماسة هوشر العالية تجاه المشروع، تطرح ردينة ياسين أسئلة حوله. هي لا تُشكك بضرورته وأهميته، لكنها تسأل عن مدى استفادة الصبايا والفتيات من هذا المشروع. يتناقش هوشر وياسين في هذه النقطة. يقول إنه من الممكن للصبايا أن يمارسوا كرة السلة فيه. يختلفان حول نقاط ويتفقان حول أخرى. من الواضح أنهما قادران على إدارة هذا الاختلاف. والأهم أنهما يقومان بمقاربة الأمور من زاوية جندرية، يعتقد البعض أن الحساسية تجاه هكذا قضايا محصورة في المدن الرئيسيّة في البلاد.

اللافت في هذا النقاش، أن ياسين تطرح بقوة ضرورة وجود مساحات عامّة آمنة للنساء والفتيات في البلدة. وعندما تُثير هذا الموضوع فإنها لا تقبل باعتبار المقاهي والمطاعم كمساحات عامّة، "بل هي مساحات تتطلب دفع الأموال مقابل الدخول إليها وهو أمر قد لا يكون في متناول الجميع". إلى جانب هذا النقاش، يرى هوشر أن هناك حاجة ماسّة لعودة المسيحيين الذين نزحوا من البلدة في زمن الحرب إلى بلدات أخرى.

يُكثر هوشر وياسين من الحديث حول أهميّة التدريبات التي حصلت خلال هذا المشروع وكيف اكتسب المشاركون فيها مهارات حياتيّة أساسيّة، مثل حلّ النزاعات والتواصل وغيرها. قد لا يكون هذا النقاش الذي حصل ناتج عن هذه التدريبات حصراً، إذ من الواضح أن هذين الناشطين يملكان حساسيّة عالية تجاه قضايا الشأن العام؛ لكن هذا لا يلغي واقع أن هذا المشروع فتح المجال لبلورة هذه الحساسيّة ورفدها بمهارات مهمّة.

عودةً إلى الملعب. لا تزال أعمال البناء جارية. يترك ضياء هوشر وردينة ياسين مبنى المكتبة العامّة ويتجهان إلى حيث يتم تجهيز الملعب. المشهد جميل. يطل الملعب على أجزاء من البلدة. وبجانبه الحديقة العامة الصغيرة. يتابعان الأعمال. يتساءلان عن ملكية الأرض المجاورة للمعلب، وعما إذا كانت البلديّة قادرة على استئجارها أو استملاكها لتوسعة الحديقة العامّة، أو بهدف إنشاء موقف للسيارات. تختلف زيارتهما عن زيارات السياسيين إلى هكذا مرافق. تهدف زيارتهما إلى الاطمئنان على المشروع الوليد الذي ساهما ببلورته. يرغبان في الاستفادة منه للحدّ الأقصى. في السيارة يدور الحديث حول المشاريع الأخرى التي يُمكن تنفيذها في البلدة.

خلال النشاط المجتمعي الذي نُفذ في البلدة، كان ضياء وردينة من أكثر المتحمسين. يتحدثون عن النشاط بفائض من الحب. هما فخوران بعمل اللجنة المجتمعية التي استطاعت جمع عدد كبير من أبناء البلدة حول فطور تقليدي. وكيف تعاونت النساء اللبنانيات والسوريات في إقامة معرض للأشغال اليدوية. وفي سير، كان للأطفال حصتهم في النشاط أيضاً.

تبدو البلدة هادئة. وهي كذلك. مقوماتها تسمح لها بأن تكون مقصداً سياحياً وللاصطياف. تحتاج لمزيد من العمل على البنى التحتية، لكن من الأمور المهمّة أيضاً إنجاز الطريق الذي يربط قضاء الضنية بمدينة طرابلس. إذ يُشكّل هذا الطريق التحدي الأبرز في عمليّة تنمية المنطقة. سير، مثل معظم بلدات القضاء، نموذج عمّا يُمكن أن يحدثه وجود قرار بالعمل التنموي والاجتماعي مترافقاً مع تمويل ولو لم تكن بالضرورة مبالغ ضخمة. والأهم، تُعدّ هذه البلدات نموذج عن التعايش بين المجتمعات المضيفة واللاجئين السوريين.

ردينة ياسين (اللجنة المجتمعية)

تستمر قدرتنا على التأثير في مجتمعنا المحلي، إذا ما استمر التواصل فيما بيننا. اكتسبنا العديد من المهارات، مثل حل النزاعات والتواصل. حالياً، أطبقها من خلال عملي وفي محيطي الاجتماعي، وبت قادرةً على تفكيك أي نزاع. ومن إيجابيات المشروع أنه سمح لي بالتعرف على أشخاص آخرين، مهتمين بالشأن العام، وتبادلنا الخبرات.

 ضاحي هوشر (اللجنة المجتمعية)

لا تزال المجموعة المجتمعية على تواصل دائم، ونعمل بشكل مشترك من أجل حلّ أي مشكلة في البلدة يمكننا التأثير فيها، وقد ساهمنا بحلّ العديد من المشاكل بعضها ذات طابع عائلي، وأخرى بين مواطنين لبنانيين ولاجئين سوريين. وقد تغير أسلوبنا في مقاربة المشاكل وتفكيكها ثم حلها، بسبب اكتسابنا مهارات لم نكن نعرف فيها مسبقاً.