إيزال بعيون أبنائها
25-07-2017

"حضّر نفسك للمشهد الأروع الذي يُمكن أن تراه". يقول لي الزميل حسين الشريف، من مؤسسة مهارات، خلال توجهنا إلى بلدة إيزال في الضنية. سلك حسين طريقاً جبلياً صعباً، يسمح لنا بمشاهدة الساحلين اللبناني والسوري معاً من قمة الجبل قبل دخولنا إلى إيزال. في هذه البلدة يُصبح الزمن بطيئاً. لا مجال للمقارنة بين بيروت وإيزال. المقارنة ظالمة. لكن يُمكن المقارنة بين هذه البلدة، وأي بلدة لبنانيّة أخرى. إلا أن هذه المقارنة تبقى ظالمة. نحن نتحدث عن بلدة مترامية. مساحتها كبيرة. تمتد على نحو 1960 هكتاراً. هي عبارة عن عدّة بلدات، وهي بحسب موقع الضنية: بيت داود، بيت حسنة، بيت رضوان، بيت بكور، موليد وبعزقون.

لم يكن حسين مخطئاً. ما رأيته قد يكون من أروع ما يُمكن مشاهدته. وما يُمكن ان يسمعه المرء في إيزال أيضاً، قد يكون من أكثر الأمور إثارة للغضب. عند دخولنا إلى مبنى البلديّة، يُخبرنا الموجودون أن هناك شكوى من البلدات المحيطة من أن الجور الصحية في إيزال تُساهم بتلويث نهر رشعين، بسبب غياب شبكة صرف صحي. تقدمت البلدية من مجلس الوزراء بمشروع لتمويل إنشاء شبكة للصرف الصحي، تبلغ قيمته بين 3 و4 مليون دولار أميركي، بحسب نائب رئيس البلدية حسام يوسف. البلدية تنتظر قرار الحكومة، فهي غير قادرة على تمويل هكذا مشروع، خصوصاً ان الأوضاع الاقتصادية لأبناء البلدة صعبة.

تكثر المطالب في إيزال، التي يعيش أهلها من الزراعة عموماً والتبغ خاصةً، أو كمياومين في طرابلس، كما يقول يوسف، الذي يُضيف بأن هناك قلّة قليلة من أبناء البلدة استطاعت الدخول إلى ملاك الوظيفة العامّة. في إيزال مقومات كثيرة. يُمكن لأرضها أن تكون من أفضل الأراضي الزراعية، لكن لا مياه للري. أصلاً لا مياه للشرب. ويُمكن للبلدة أن تكون مقصداً سياحياً وللاصطياف. فيها كنيسة عمرها مئات السنوات في منطقة تدعى "دار ليلى"، حيث تُجاورها سنديانة معمّرة. وفيها مقابر لليهود. لكن الإهمال الرسمي طاغٍ على كلّ ما عداه.

إلى جانب المشاريع التنموية في البلدة، مثل إنارة بعض الشوارع من خلال الطاقة الشمسية، وإقامة بئر صغير يوفر جزءاً من حاجة اللاجئين السوريين للمياه، رغب الفتيان والفتيات في البلدة في خوض غمار التصوير. نظمت مؤسسة مهارات، دورة تدريبيّة لهذه الغاية في اطار مشروع "دعم وتمكين البلديات والمجتمع المحلي في الضنية" الذي عملت فيه مع شركائها منظمة "مرسي كور" الدولية وجمعية "الفريق اللبناني لتحويل النزاعات، بيس لابس"، بدعم من الاتحاد الاوروبي وبالتعاون مع اتحاد بلديات الضنية.

 في البداية حضر عشرات الأطفال للمشاركة في الدورة. للأطفال علاقة مميزة مع الكاميرا هنا. لكن لا يُمكن للدورة استيعاب عدد كبير منهم. التحدي الأصعب على المدربين كان إبلاغ من سيتم استثناؤهم من الدورة التدريبية.

أنجز هؤلاء الفتية والفتيات معرضاً للصور بعد انتهاء الدورة التدريبية. اختار كلّ مشارك، موضوعاً للتصوير. فاطمة المغشوش، قررت تصوير زراعة البصل في البلدة، حيث يتشارك المزارعون اللبنانيون العمل مع اللاجئين السوريين. يجري تصريف الانتاج في بلدات قضاء الضنية وسوق الحسبة في طرابلس. أما نور الموسى وأسامة الصالح، فقررا تصوير حياة اللاجئين السوريين الذي انتقلوا من السكن في مخيمات من التنك والشوادر التي لا تقي من البرد ولا تتوفر فيها الحاجيات الأساسيّة للعيش إلى مبنى "البرج".

بدورهن، قررت ميساء الهادي وريان وسراء المغشوش تصوير البيوت القديمة في البلدة، إذ يوجد فيها العديد من المنازل القديمة التي يصل عمر بعضها إلى مئتي عامٍ. لكنها تحتاج إلى لترميم حالياً، وقد حافظ بعضها على أبوابه وشبابيكه القديمة. وقرر علي سميحة تصوير صناعة حجر الخفان، الذي يُعد مورد رزق أساسي في البلدة. من جهتها، اختارت نانسي عبد الرحمن صناعة الصابون البلدي، موضوعاً لها. وصورت مراحل تصنيع الصابون التي تبدأ بجمع المكونات في براميل كبيرة توقد تحتها نار قوية ثم تنقل إلى قوالب خشبية تمهيداً لتقطيعها.

واعتمدت دانيا أمون، صناعة الخبز في التنور كموضوع لمشاركتها في المعرض. إذ ما زال التنور منتشراً في البلدة، وتقوم النساء بتقطيع الأشجار وجمع الأغصان وتحضير العجين تمهيداً لعملية الخبز. أما فاطمة كمال الدين وخالد عبد الواحد فقررا أن تكون الأشجار المعمّرة ولا سيما الصنوبر والثروة الحيوانية كموضوع للتصوير. مع الإشارة، إلى أنه يتم تقطيع الأشجار بطريقة عشوائية لتلبية الحاجة للتدفئة والطهو ما يُهدد الثروة الحرجية. واختار عامر الصالح، تعبئة اللاجئين السوريين المياه بالعبوات البلاستيكية تمهيداً لنقلها لـ"البرج" كموضوع مشاركته في المعرض، إذ تتم تعبئة المياه من العين ونقلها للاستخدام المنزل أو للشرب.

تقول فاطمة كمال الدين إن التصوير يُساعد على نقل الصورة الجميلة عن البلدة، وعرض مشاكلها على أمل إيجاد حلول لها. وتُشير إلى أنها تحب التصوير من قبل، لكن التدريب ساعدها في عملية تحديد الإطار والتعامل مع الضوء، والانتباه إلى لتفاصيل. تتمنى فاطمة، أن تستمر في مجال التصوير، لكنها تعتقد أن الأمر صعب عليها بسبب الابتعاد عن المدينة، وعدم وجود وظائف في البلدة.

من جهتهاـ تشير دانيا أمون، إلى أنها تُحب تصوير كل ما هو قديم، من مبانٍ أو أشجار معمّرة أو مهن متوارثة. ترغب دانيا بتوثيق حياة الناس والطبيعة، وهي تأمل أن تستمر في دراسة التصوير وامتهانه كعملٍ لاحقاً.

عبد الرحمن ندى (اللجنة المجتمعية ــ عضو في البلدية)

قدم هذا المشروع خليطاً بين المهارات التي اكتسبناها، كلبنانيين وسوريين شاركوا في سلسلة من التدريبات، والمشروع التنموي للبلدة. وقد وفر المشروع مساحة للتلاقي بين اللبنانيين والسوريين وبين اللبنانيين أنفسهم. أنا واثق من قدرتنا على الاستمرار بالعمل بالتنسيق مع البلدية، وعلى نقل هذه المهارات إلى أفراد آخرين.

حمد الحمد (اللجنة المجتمعية ــ لاجئ سوري)

سلطت النشاطات الضوء على بلدة إيزال، وهي بلدة تحتاج لكثير من الدعم والعمل التنموي. وقد استفاد المجتمع السوري، إن كأفراد أو بشكل جماعي، من هذا المشروع وأنشطته. ومن أبرز الإيجابيات، أنه تم خلق هم لبناني ــ سوري مشترك، نعمل على حله سوياً. كما أن التدريبات التي حصلنا عليها في مجال حلّ النزاعات، ساعدتنا في حل عدد من الإشكالات، وبالتالي بات المتخاصمون يلجؤون إلينا لحل مشاكلهم.