"الحضانة" الضائعة في قوانين الأحوال الشخصية
11-03-2019



منال بزي، شابة تزوجت في عمر العشرين، وانتقلت إلى بيروت باعتبارها "فرصة لشابة لم تخرج من حدود محيطها الضيق" بحسب ما تقول. زواج منال لم يكن كما تمنت، فبعد أشهر من ليلة الزفاف وجدت في زوجها رجلاً عصبياً، سريع الانفعال يقدم على العنف، وقليل الاهتمام. لجأت إلى والدتها للشكوى، لكنّ الشتائم انهالت عليها، ورفضت فكرة الانفصال أو الطلاق، بحجة "ما صرلك كم شهر مزوجة شو بدك تفضحينا"! وخوفاً من الفضيحة بحسب ما قالت الوالدة، استمرت منال في زواجها "ولكن المشكلة كبرت بعد انجابي لطفلي علي". وصل علي و"كنت أظن أنّ أول طفل سيفتح صفحة جديدة مع زوجي، إلا أنّ المسألة كانت عكس ذلك. ارتفعت وتيرة العنف الذي كان يمارسه عليها، من ضرب وإهمال، "حتى أنني لجأت لبعض الجمعيات النسائية لاستشارتها، فكان جواب واضح بالقدرة على تأمين الحماية لي وطلب الطلاق". لكن هذه الحماية اصطدمت بواقع أخر: الحضانة. اضطرت منال للسكوت، "فأنا أم، ولا أريد أن يتكرّر معي ما حصل مع نساء كثيرات، حاولت كثيراً إقناع زوجي بالطلاق والتنازل عن المنزل والنفقة والمؤخر، حتى انني عرضت عليه مجوهراتي للحصول على ابني ولكن دق المي مي". بحسرة شديدة تصف منال واقعها: أهلي ضدي والمجتمع ضدي والمحاكم الشرعية ضدي، حتى اصدقائي ضدي، فكرت كثيرا ًبالهرب، ولكن نصحتني احدى السيدات بالعدول عن الفكرة، إذ يمكن أن يرفع زوجي قضية ضدي، ويتهمني بالجنون وبخطف طفلي. هل يعقل أن أخطف طفلي!؟ وعن الحل برأيها، ببساطة سأفعل المستحيل للبقاء بجانب علي، فهو طفل بحاجة لي، وانا بحاجته سأنتظر حتى يكبر، ليختار مع من سيبقى رغم إدراكي لبقائه معي.

في الوقت الذي تتولى سيدات مهام وزارية ومراكز حساسة في الدولة، وتعقد مؤتمرات لتناول أهمية دور النساء في الحياة الاجتماعية والسياسية، لا تزال المئات من النساء يقبعن في منازلهن قسراً، للحفاظ على أبسط حقوق الأم: البقاء بجانب الأطفال. قد تكون بعض القضايا قد نالت تغطيات إعلامية مناسبة إلا أنّ سيدات كثيرات ما زلن يصبرن على الوجع والحرمان، للاستمرار في حضانة أطفالهنّ.

صرخات أمهات

صرخات كثيرة رفعت في السنوات الأخيرة طالبت برفع سن الحضانة لدى الطوائف اللبنانية، وإقرار قانون جامع في المحاكم اللبنانية يعطي للمرأة والأطفال حقوقهم. قصص كثيرة وقضايا عالقة في المحاكم، تنتظر "عطف" القاضي. أمهات فقدن أجمل لحظات حياتهن ينتظرن الأسبوع بأكمله حتى يسمح لهن بمشاهدة أطفالهن لمدة 24 ساعة فقط. في هذا السياق، تتحدث مهى حطيط (25 عاماً) عن طلاقها من زوجها وحكم القاضي بالسماح لها بمشاهدة ابنتها ليوم واحد فقط! "أي عدالة وأي ضمير لقاضٍ يسمح لأم بالنظر إلى ابنها ليوم واحد! وتسأل: هل حرم القاضي من أمه في صغره ليعامل الناس بمنطق الانتقام! كيف يمكن أن أهتم بابني وهو على فراش المرض خلال 24 ساعة فقط! أسئلة كثيرة مشروعة طرحتها مهى وغيرها الكثيرات عن حضانة أم تُظلم باتجاه اطفالها، وتظلم جيلاً جديداً بأكمله فقط لأن تلك المحاكم ترفض رفضاً قاطعاً تعديل بعض الأحكام أو حتى رفع سن الحضانة.

قصة مهى، ترويها بغصة، "أصبحت مثل المجنونة، أريد طفلي، في حال تجاوزت مدة ال 24 ساعة معه يبدأ عمّ الطفل بالاتصال بي، فزوجي السابق يرفض مكالمتي. أصبح ابني بعيداً عني، فأنا لا أراه سوى 24 ساعة في الأسبوع، بالطبع سيتأثر بعائلة والده... أصبح يتحدث مثلهم لم يعد يناديني ماما، يسألني اسئلة لا يمكن تحملها مثل انتِ عنجد بتكرهيني؟ انتِ ليه برات البيت؟ وغيرها من الأسئلة التي لا يمكن لأي أم تحملها، حتى وصلت لمرحلة أصبحت أتمنى أن أعود للمنزل وأتحمل كي أبقى بجانب طفلي"!

في القانون

في لبنان 15 محكمة دينية تتحكم بقضايا الأحوال الشخصية. على عكس دول العالم، فإن لبنان يتميّز بقوانين تحكم على المواطنين بحسب انتماءاتهم الطائفية.

15 جسماً قضائياً تحكم بين اللبنانيين. فقضية حضانة لزوجين مطلقّين، إذا عرضت في محاكم مسيحية على سبيل المثال قد تحكم بالحضانة للأم، بينما القضية نفسها إن عرضت في محاكم إسلامية ستحكم للأب. قوانين لم تحدّث منذ عقود طويلة، وقضايا إنسانية تقبع في أدراج النسيان والمماطلة فقط لأن قوانين المحاكم الشرعية تحكم للأب بالحضانة وتحرم أماً من طفلها حتى وإن كان لم يتجاوز عمره السنتين وهو ما يحصل مثلاً في المحاكم الجعفرية.

من القضايا العالقة في الأذهان قضية الشابة سحر بلوط، المتزوجة من ديانة أخرى، وعند وفاة زوجها حكمت المحكمة على الأطفال بالعيش مع أهل الزوج المتوفى. ومن القضايا البارزة أيضاً، حرمان إحدى السيدات المتزوجة من رجل أعمال كويتي من أطفالها بعدما حكم القاضي بالحضانة للأب، فسافر الأب إلى بلده ومنذ 6 سنوات لم تلتقي الأم أطفالها فقط لأنّ القاضي قرر تطبيق "القوانين"... أي قوانين المحاكم الروحية.

وتعتبر الناشطة في حملة رفع سن الحضانة عند الطائفة الشيعية، زينة ابراهيم، أن الطائفة الشيعية هي الطائفة الوحيدة التي تحرم الطفل من والدته في سنّ السنتين. وتشير إبراهيم إلى أنه "جرت تحركات وزيارات عدة للمراجع الدينية إلا أنه لم يحصل أي تغيير بعد، فالمشكلة الأكبر ليست فقط حرمان الأم بل طريقة أخذ الأولاد عبر القوى الأمنية وقد شاهدنا العديد من المقاطع المصورة لحالات مشابهة لعناصر من القوى الأمنية تأخذ الأطفال عنوة من امهاتهم، بطريقة غير حضارية بتاتاً".

الحملة التي بدأت قبل نحو 6 سنوات، لم تغيّر في القانون، ولكن الأهم أنها خلّفت في أذهان الأمهات جواً بأن هناك من يطالب بحقهن بالحضانة. ففي تحرك قبل نحو 6 سنوات، 8 نساء فقط طالبن برفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية، وقبل نحو سنة انضمّ إلى هذا التحرّك مئات الناشطين والناشطات والامهات اللواتي رفعن الصوت عالياً "حقي بأبني"، "أنا أم وبدي ولادي".

العقلية الذكورية

ترى رئيسة المجلس النسائي اللبناني المحامية والناشطة، إقبال دوغان، أنّ تعديل القوانين ممكن في لبنان، ومن غير المنطقي أن تبقى حجة المحاكم الشرعية تظلم الأسر. تعتبر أنّ الدولة اللبنانية هي المشرعة للقوانين وبإمكانها أن تفرض القوانين وتعدل المواد، وفق الزمن الذي نعيش فيه والتطوّر الذي نشهده "فبعض تلك المواد يعود لعقود كانت حال المرأة وحالات الطلاق والزواج مختلفة عن أيامنا هذه". وتضيف دوغان أن "لسنوات طويلة ناضلنا كنساء لتعديل تلك القوانين، نُعتنا بأبشع النعوت، وتم تهديدنا ورفض مطالبنا نواب ونساء يفترض أننا ندافع عن أولادهن. ولكن العقلية الذكورية تتحكم بالمجتمع اللبناني رغم التقدم الحاصل في كثير من القضايا، غير أن الطريق ما زال في بدايته".

وحتى تغير العقلية في المجتمع اللبناني، واقرار قانون موحد للأحوال الشخصية، ستبقى تلك القصص خلف الجدران، وفي حالة خرجت الى العلن فالخوف يبقى مسيطراً على الامهات.