قانون مدني للأحوال الشخصية: ليس لماذا، بل متى؟
11-03-2019

في وطن النجوم، لا يكفي أن تعرّف عن نفسك بأنك لبناني. فلكل مواطن هوية ثانية مرتبطة بهويته الطائفية، هوية طائفية تقسم اللبنانيين إلى ثمانية عشر طائفة. طائفية دائماً ما يراها كثر، عند الحديث عن لبنان، بأنها علّة العلل التي تتسبب بتفاقم أزمات هذا البلد الصغير، ولو أنّ هناك رأياً آخر دائماً ما يتصدى للرأي الاول. رأي قائل إنّ التنوع الطائفي هو غنى للبنان.
لكنّ الواقع يقول عكس ذلك، فالانتماء الطائفي يغلب دائماً على الانتماء الوطني. وما يسهّل ذلك، احتكار الطوائف لقوانين الأحوال الشخصية: هنا ثمة 15 قانوناً منفصلاً للأحوال الشخصية، والتغييب مستمرّ لإقرار قانون مدني موحد ينظم مسائل الزواج والطلاق وحقوق الملكية ورعاية الأطفال وغيرها من المسائل. 

وبسبب تلك القوانين التي تديرها محاكم دينية مستقلة بعضها عن بعض، تغيب المساواة والحقوق الانسانية ويزداد التمييز بحق المرأة في لبنان. كما يساهم ذلك في ارتفاع نسبة الانتهاكات اتجاه حقوقها الانسانية، سيما وأنّ نظرة كل دين تختلف في موضوع الأحوال الشخصية عن المبدأ الذي انطلقت منه حقوق الانسان: الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، ليستكمل الإعلان العالمي لحقوق الانسان الموقّع عليه لبنان بالقول "دونما تمييز من أي نوع كان". أما المادة السابعة منه فتقول إنّ "الناس سواءٌ امام القانون".

مواد وفقرات تسقط كلها أمام قوانين الأحوال الشخصية في لبنان. قوانين تتّصف بالذكورية وتكريس التمييز ضد النساء، ليذهب البعض لوصف الأمر بـ"العنف القانوني ضد النساء".
عنف قانوني وثّقته منظمة "هيومن رايتس واتش"، قبل ثلاثة اعوام في دراسة وجدت آنذاك بعد الاطلاع على 243 قضية طلاق تمييزاً ممنهجاً ضد المرأة. ويكمن التمييز في مستويات عدة، أبرزها: عدم ضمان حقوق المرأة الأساسية، إضافةً إلى الأعباء المالية المترتّبة على إجراءات المحاكم -التي تقف أمام المرأة حاجزاً لإنهاء زواج فاشل، وصولاً إلى عدم اعتراف المحاكم الروحية بالحضانة المشتركة ومنحها للأم حتى سن معيّنة والتي تختلف من طائفة إلى أخرى. ولا تكتفي المحاكم بذلك، بل غالباً ما تدقق بسلوك المرأة بطريقة ترفع من احتمال إسقاط الحضانة عنها دون أن يتعرّض الرجل لمثل هذا التدقيق. 

الا أنّ هذا الواقع تغير أخيراً، وبانت نساء كثر تواجهه وترفض القوانين المجحفة بحقهنّ. الأمر الذي أدى إلى تعرّض بعضهنّ للملاحقة القانونية والسجن احياناً، وهو ما جرى مع نساء كفاطمة حمزة، وريتا شقير وفاطمة زعرور اللواتي واجهت كل منهنّ على طريقتها أحكاماً قضائية تقضي بحرمانهن من حضانة اطفالهن. لكن هذه الظاهرة لن تتوقف، بل ستكرّر كثيراً ولن تستطيع كل امرأة الفوز بحضانة أطفالها في ظل قوانين تقف دائماً إلى جانب الرجل. 

لا شك أن النساء في لبنان حقّقن انتصارات عدة في السنوات الماضية. ومن هذه الانتصارات إقرار قانون حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف، وإلغاء المادة 522 من قانون العقوبات التي كانت تجيز للمغتصب الزواج من ضحيته. الا أنّ هذه الانتصارات تبقى ناقصة أو منقوصة، في ظل وجود قوانين تُخضع المرأة لنظام ذكوري وتحرمها من امتلاك الحقوق نفسها كالرجل. والدولة اللبنانية رسّخت هذا الواقع من خلال تحفظها على المادة 16 من اتفاقية سيداو.

بعد عرض هذا الواقع وآثاره على النساء في لبنان، يمكن إسقاط السؤال القائل "لماذا نريد قانوناً مدنياً للأحوال الشخصية"؟ وبدل ذلك، يجب طرح السؤال الآتي: متى ستتكرّس مدنيّة الدولة في لبنان بإقرار قانون مدني، وكيف يمكن تحقيق ذلك؟ 

والبحث في إقرار قانون الأحوال الشخصية المدني يلبي حاجات اجتماعية وقانونية وسياسية. ولم يعد كافياً النقاش عن صيغة القانون وبنوده وشروطه وتطبيقاته، على اعتبار أنّ غياب القانون (أياً كان) يغيّب معه المساواة بين المواطنين، رجالاً كانوا أو نساء.

والقانون المدني للأحوال الشخصية ليس مجرد قانون يقضي على التمييز، بل يجسّد خطوةً أساسية لبلوغ دولة القانون والمؤسسات التي ينادي بها الجميع. هو تحرير المواطنين من مرجعيات دينية وطائفية تفرض عليهم إصطفافات مذهبية وتبعية سياسية وتجعل منهم مواطنين مقيّدين لا يمتلكون الحقوق. وباختصار أكثر، تجعلهم رعايا لدى طوائف، لا مدنيين في دولة.

القانون المدني للأحوال الشخصية، لا يجب أن يكون مجرد مطلب حقوقي، بل مشروع سياسي بامتياز لا يمكن التخلي عنه حتى تحقيقه. قانون مدني في إطار مشروع سياسي (بالمعنى العام)، يعيدان الأمل بإمكانية العيش في وطن يكون لكل أبنائه.