مشاركة النساء في الحياة السياسيّة في لبنان: درب المساواة طويل!
11-03-2019

سجّلت الجمهورية اللبنانية إلى اليوم وصول 13 نائبة إلى سدّة البرلمان، بينهنّ من فاز في أكثر من دورة نيابيّة. على مرّ تاريخ البرلمان اللبناني، 13 نائبة فقط! في بلد التعدّد والحريّات، يستحق هذا الرقم التوقّف عنده إذا أردنا مقارنته بعدد النواب الـ128 لدورة نيابيّة واحدة. فكيف الحال إذا كان العدد 13 هو نتيجة تراكميّة لعشرات الدورات الانتخابيّة التي تلت إقرار حقّ المرأة اللبنانية في الانتخاب والترشّح منذ منتصف القرن الماضي؟ أما في الحكومات الـ76 المتشكلة منذ عام 1942، فإن 11 إمرأة تسلّمن حقائب وزارية لمرة أو أكثر.

على الرغم من الرقم غير المسبوق في عدد المرشحات إلى الانتخابات النيابيّة لعام 2018، والتهليل الذي رافقه، إلاّ أن نسبة فوز المرشحات لم تكن على قدر التوقّعات. من أصل 86 مرشّحة وصلت إلى اللوائح الانتخابية (14 بالمئة من العدد الإجمالي للمرشّحين) فازت ستّ مرشّحات لتبلغ نسبة فوز النساء 7 بالمئة. في انخفاض عن النسبة نفسها في انتخابات عام 2009 إذ بلغت حينها نسبة الفوز 33 بالمئة أي أربع نساء من أصل 13 مرشّحة.

في المحصّلة، لم تنجح الانتخابات النيابيّة في كسر هيمنة الذكور على المجلس النيابي والوصول إلى مشاركة متكافئة تحكمها المساواة بين الجنسين. لكنّها أدخلت إلى الندوة البرلمانية أربعة وجوه نيابيّة جديدة هنّ النائبات رولا الطبش وبولا يعقوبيان وديما جمالي والوزيرة عناية عزّ الدين. أربعة فائزات غير وريثات سواء كنّ مستقلات أو حزبيّات، بعكس العرف السائد في وصول النساء بحكم التوريث السياسي إلى البرلمان. هكذا، وصل عدد النساء اللواتي دخلن البرلمان إلى 13 امرأة منذ عام 1963 تاريخ دخول أول امرأة إلى البرلمان.

الإعلام: تهميش مطلق

في البحث عن أسباب تغييب المرأة أو انكفائها بإرادتها عن المشاركة في السياسة والقيادة والعمل الحزبي، تأتي التشريعات القانونيّة غير المساندة في صلب المعوقات، إضافة إلى الموروثات الاجتماعية والتنميط الاجتماعي والأدوار الجندرية المحدّدة سلفاً لكلا الجنسين.
معوّقات قانونية واجتماعية وإعلامية ومهنية.  فتوضح الأرقام، أنّ النساء حظين بنسب حضور إعلامي «تتراوح بين 5 و7 بالمئة لدى 6 صحف لبنانية و8 قنوات تلفزيونية محليّة بين 6 آذار 2018 و6 أيار يوم بدء الانتخابات»، وفق دراسة رصد أعدتها مؤسسة «مهارات» بعنوان «المرأة في الانتخابات التشريعية في لبنان عام 2018: رصد الإعلام في فترة الحملة الانتخابية من منظور جندري».

لا يقتصر التعاطي الإعلامي «المهمِّش» للمرأة على نسب حضورها في التغطيات، بل يتعدّاه إلى نوعية الأسئلة التي طُرحت على المرشحات. «صرّحت المرشحات أن الأسئلة التي وجهها الإعلام إليهنّ خلال الانتخابات دارت حول موازنة المسؤوليات الأسريّة مع الانتخابات وحول آراء أزواجهنّ عن ترشحهنّ» بحسب الدراسة نفسها، بدلاً من سؤالهنّ عن توجّهاتهن السياسيّة أو برامجهنّ. تصريح المرشّحات يحيل إلى خلاصة مفادها أن «الإعلام لم يعرض النساء كمرشحات قويّات بديلات عن الرجال». 

أرقام صادمة

لا يمكن تحميل الإعلام وحده مسؤولية إبراز المرأة كشريكة أساسية في العمل السياسي، خصوصاً في الفترات الانتخابيّة وظروف التغطيات المرافقة لها. فماذا عن التغطيات «خارج الزمن الانتخابي»؟ لا يختلف الوضع كثيراً. بالنظر إلى مساهمة الإعلام في صناعة «نجومه»، بمفهوم إدغار موران للكلمة، وتأثيره في إبراز الشخصيات القابلة لتسلّم مراكز قياديّة لاحقة، فإن الإعلام لم يبيّن حتى في الفترات غير الانتخابيّة نهجاً مغايراً للتأثير في الرأي العام. فبلغت مشاركة المرأة الخبيرة وظهورها في البرامج الحوارية السياسية الأبرز (في 7 محطات تلفزيونية) «نسبة 2 بالمئة» فقط، في دراسة لـ«مهارات» عام 2015 بعنوان «رصد البرامج الحواريّة للمحطات التلفزيونية». في دراسة أخرى في العام نفسه أكثر تفصيلية تناولت «المرأة في برامج الأخبار والحوارات السياسيّة»، شكّلت نسبة النساء 9 بالمئة من مجموع الضيوف، كان بينهنّ متحدثات عن تجارب شخصية. فتشير هذه الأرقام بشكل واضح إلى غياب المساواة بين الجنسين في توزيع الضيوف، وتغييب النساء الخبيرات في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما في التقارير الإخبارية فمن أصل «مئة تقرير إخباري في العينة المرصودة تبيّن أن 7 تقارير فقط كان موضوعها المرأة، لكنها تناولت مواضيع عن استغلال العاملات الأجنبيات والعنصرية تجاههن والعنف ضد المرأة...». الأمر الذي يرسّخ الصورة النمطية حيال المرأة ودورها مقابل صورة الرجل الخبير في السياسة والقيادة والتأثير. ناهيك عن التنمّر الذي تتعرّض له الضيفات – والإعلاميّات والسياسيّات - خلال ظهورهنّ أو على مواقع التواصل في كثير من الأحيان.

لا يقتصر ضعف تمثيل النساء في وسائل الإعلام على لبنان وحده، حيث أن «تمثيل النساء يقتصر على خمس الخبراء الذين تجرى معهم مقابلات صحافية» بحسب تقرير اليونيسكو عن الاتجاهات العالميّة لحرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام لعام 2017-2018.

في تغطية الانتخابات البلدية خلال أيار 2016، «تراوحت نسبة حضور المرأة في الإعلام بين 10 و11 بالمئة» بحسب دراسة أعدّتها «مهارات» عن «حضور المرأة في الإعلام الانتخابي- بلديات 2016». عدد المرشّحات بلغ نحو 7 بالمئة من إجمالي عدد المرشحين، وفازت النساء بـ5.4 بالمئة من المقاعد البلدية.