مشاريع القوانين المدنية: اختلافات وصيغ
11-03-2019

طُرحت العديد من مشاريع قوانين للأحوال الشخصية في لبنان منذ سبعين عاما وحتى اليوم. منها ما وصل إلى مجلس الوزراء والنواب ونوقش لكن لم يُقَر، ومنها من لم يتقدم لأيٍّ من المجلسين. تختلف هذه المشاريع انطلاقاً من الجهات التي طرحتها والنصوص التي استوحت منها موادها والخلفيات التي ارتكزت عليها.

صيغ مختلفة

من هذه المشاريع ما هو متشابه في الأسباب والمضمون، ومنها ما هو مختلف تحديداً لجهة الإلزام أو الاختيار. فلا تزال النقطة الأخيرة عالقة، حتى بين مختلف الجهات والجمعيات والشخصيات، التي تنشط في المطالبة بإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية. حتى أنّ عبارة "اختياري" التي رافقت مشاريع القوانين المقدّمة، بدأت بالظهور في أوائل الثمانينات. أي بعد ثلاثة عقود على انطلاق موجة العمل التشريعي لإقرار قانون مدني. كما أنّ من نقاط الاختلاف الأساسية بين هذه المشاريع، تحديد صلاحيات المحاكم الروحية للطوائف المختلفة. مثل حصر صلاحياتها "في بالنظر بعقد الخطبة وفسخها وفي عقد الزواج وبطلانه والطلاق والهجر" (مشروع نقابة المحامين الموحّد للأحوال الشخصيّة، 1951-1952)، أو "اختصاص المحاكم الشرعية والمذهبية في الدعاوى المتعلّقة بالزواج والخطبة وهديتها والمهر أو البائنة والخوّة الشرعيّة والحضانة وفرض النفقة" (اقتراح الجبهة الاشتراكية النيابية،1951)، أو أن "تحكم المحاكم المذهبية بالرسوم والمصاريف المبيّنة في قانون الطائفة الداخلي" (اقتراح الحكومة، 1952).

يونان موثّقة القوانين المدنية

بلغ عدد المشاريع والاقتراحات الموضوعة في هذا الإطار، 12 مشروعاً أو اقتراحاً، بحسب إحصاء ودراسة أعدتّها الدكتورة اوغاريت يونان. الأخيرة تعدّ من عرّابي وعرّابات الطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية. حتى أنّ عملها في هذا الإطار شمل جمع وصياغة وإعادة تركيب  مشاريع مقدمّة منذ الخمسينات. حتى أنها نجحت خلال مناسبات عدة في جمع مئات الهيئات والجمعيات والأحزاب والشخصيات، وساهمت في حشد الآلاف من أجل هذه القضية.

وعلى الرغم من كون معظم «مؤسّسات الطوائف»، كما تسميهم يونان، لم تغيز مواقفها الرافضة للقانون، ظهر أفراد داخل تلك المؤسّسات تؤيّده، بعضهم من رجال الدين. تغيرت -والتغيير هو الثابت الوحيد كما يُقال- وجهة نظرهم بعدما صار لديهم حكمة وإقرار واعتراف بالواقع حيث لمسوا توجه اللبنانيين بشكل كثيف للخارج للزواج المدني. كما أنّ خروج حالات معارضة داخل كل طائفة أشعرت "مؤسسات الطوائف" كما لو أنّ الأمور بدأت تخرج عن سيطرتها. فبدأت الطوائف مهمة تعديل قوانينها التي كانت «لا تُمَس» كتغيير سنّ الحضانة. وبالتالي يمكن تحريك مياه المحاكم الروحية الراكدة، فـ"النضال يحتاج لمثابرة ونفس طويل وقوة مباشرة والتزام واستمرارية"، بحسب ما تعبّر يونان. وتشير إلى وحوب "دراسة الواقع اليوم بوقته الآني لمعرفته أكثر وإدراك المتغيّرات فيه وبعناصره.

يونان لا تريد الضغط على أحد ولا على «المؤسّسات الطائفية» التي ستكون بالمواجهة، طبعاً. تركز على طرحها الذي تؤمن أنه حق للبنانيين وترى أنه يحقق العدالة لهم، فتاريخ لبنان النضالي منذ 82 عاماً يشهد على ذلك في التقرير البحثي الذي أعدته.

ويونان لا يبدو أنها ترى فيهم خصوماً، بل تسعى إلى مقاربة المطالب للوصول إلى حلّ مشترك. فـ«رجل الدين هو مواطن لبناني قبل أن يكون أي شيء آخر» بحسب ما تقول، مضيفةً أن «من واجبه، ليكون مواطناً صالحاً، ألا يقف كمعرقل أمام تطوّر الدولة وحقها (وواجبها) في التشريع. إذْ من واجب الدولة تنظيم حقوق مواطنيها وتشريع القوانين، والدولة اللبنانية متلكئة عن دورها منذ أكثر من ثمانين عاماِ».

تشعر الدكتورة أوغاريت بإحباط المواطنين والمجتمع من التحركات التي لا تحقق مطالبها، لذا لا تعتمد سوى استراتيجية علمية ومدروسة بدقة للانطلاق بها للمطالبة بالقانون.

مبادرة إجرائية

مبادرة السيد طلال الحسيني لعقد زواج مدني في لبنان بشطب الإشارة إلى القيد الطائفي، مبادرة فريدة "هزّت البلد"، وأضافت اختباراً قانونياً أقر أول زواج مدني من نوعه في لبنان. لم تحظ مبادرة بمثل ما حظيت به هذه المبادرة لزواج "نضال وخلود" (2013)، من ترحيب عارم وضجة، إلى درجة اعتقد معها الناس أن الزواج المدني انتهت قصته وبات قائماً داخل لبنان ومن دون حاجة للسفر إلى الخارج. وقد أعطى الإعلام بتعاطفه الكثيف زخماً استثنائياً للمبادرة.

طرحت المبادرة آلية قانونية وتنفيذية لعقد زواج مدني في لبنان، لدى الكاتب بالعدل، لمن شطب الإشارة عن القيد الطائفي في سجل نفوسه وبات ضمن فئة من لا ينتمي إدارياً إلى طائفة بموجب القرار 10 ل. ر. ويخضع بالتالي إلى القانون المدني. والآلية هذه، مهَّدت لها مبادرة سابقة لآلية شطب الإشارة (الحسيني، مع تعميم وزير الداخلية زياد بارود ورأي الهيئة العليا للاستشارات عام 2009).

ولا تندرج المبادرة في تقديم مشروع قانون أو في دعم إقرار مشروع القانون المدني في المجلس النيابي، بل أتت فكرتها وهدفيتها من منظور آخر: إنها مبادرة زواج مدني لفئة اختارت أن لا تكون مسجلة في قيد أي طائفة. وباتت بالتالي في عِداد الفئة الثانية التي حددها القرار 10 ل. ر. ومنحها قانونية زواجها المدني، ما دامت لم تعد منتمية إلى الفئة الأولى المنتمية إلى الطوائف التاريخية المعترف بها رسمياً. إلا أنّ هذه المبادرة عاد وعطلها وزير الداخلية السابق، نهاد المشنوق، الذي تسلّح بغياب النص القانوني، فعرقل الزواج المدني في لبنان مجدداً.