Loading...
على شفير قطرة... أزمة مياه لبنان تتفاقم!

أرخت سُبحة المصائب خيطها في بلدٍ منكوبٍ أساساً، فكرّت الأزمات على شعبه كرّةً واحدة. كلّ أزمة تعقبها أخرى، بينما يرزح اللبنانيون تحت وطأة أوضاعٍ معيشيةٍ صعبة بفعل تهاوي الاقتصاد اللبناني. وجديد مصائبنا، أزمة مياهٍ حادة تنبئ بعطشٍ قريب، إذ حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"  أواخر شهر تموز من خطر عدم تمكن اللبنانيين من الوصول الى خدمات المياه الأساسية خلال الأيام المقبلة. إذًا، طابعٌ جديدٌ من الشقاء المعيشي يعتلي صهو الأيام الراهنة، وكأنه لم يكن ينقص واقعنا المشرذم هذا إلّا بلّة!

أطفحت أزمة المياه هذه كيل مفقودات شعبٍ حُكم عليه باللاحيلة وقلّة التدبير تجاه ما يعتري وطنه من أهوالٍ ومآسٍ وانكسارات. ها هي مفاعيل الأزمة الجديدة ترهق جيوب اللبنانيين المثقوبة أساساً بفعل التدهور الاقتصادي الحاصل. ولسدّ النقص في مياه الدولة، يلجأ المواطنون إلى شراء المياه من صهاريج خاصة متنقلة. فاتورة جديدة فرضت نفسها اليوم على ميزان مدفوعاتهم لتثقله أكثر، فقد أصبحت هذه الصهاريج هي المنفذ الوحيد للحصول على المياه للاستعمال الشخصي. يتحدّث مصطفى عن اضطراره لشراء 2000 ليتر أسبوعياً، فيدفع شهرياً حوالى 800 الف ليرة لبنانية ثمناً للمياه فقط، شاكياً استغلال الأوضاع من قبل شركات المياه الخاصة. فقد ارتفع سعر المياه سعة خزان واحد (متر مربع) من 25 ألفاً إلى أكثر من 100 ألف ليرة. يعجز ثلّة من اللبنانيين عن دفع هكذا مبالغ ثمناً لمياه استعمالهم الشخصي، عدا مياه شربهم طبعاً. سناء غير القادرة مادياً على دفع ثمن "النقلة"، تروي لنا معاناتها وشح المياه قائلة: "عم نسايرها مسايرة لتضاين"، وما أكثر الشاكين! فضلاً عن ذلك، لم تعد الشركات الخاصة تلبي حاجات الناس كما كانت من قبل، فتتأخر عن موعدها بسبب نقص المحروقات.

المشهد واحد واليونيسف تحذّر

في أصقاع البلاد كافّة، يبقى مشهد انقطاع المياه واحد ما دمنا نتشارك جميعاً بلاء انقطاع الكهرباء. ضربٌ من الحماقة أن تكون الكهرباء عكّاز مختلف القطاعات في بلدٍ يغرق منذ عقود في عتمته الدامسة. يشير المدير العام لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان جان جبران الى أنّ أسباب الأزمة تتجلى بالانقطاع شبه التام للتيار الكهربائي والاتكال الكامل على مادة المازوت الشحيحة لتشغيل المولّدات الكهربائية. وبحسب جبران، يبرز نوعان من توزيع المياه ضمن نطاق عمل المؤسسة، أحدهما يعتمد على الجاذبية والآخر على الكهرباء. وعليه فإنّ 40% من المواطنين يحصلون على المياه من التوزيع الأوّل الذي لم يتأثّر كثيراً، كمناطق سد شبروح في كسروان وسد القيسماني وغيرها. بينما المشكلة الأكبر تبرز على السواحل، كساحل كسروان والمتن وفي بيروت أيضاً حيث يعاني أبناء المنطقة التداعيات الحادة للأزمة. وقد تفاقمت هذه الأخيرة منذ أربعة أسابيع تقريباً بسبب انقطاع خطوط الكهرباء لضبيه وجعيتا والأشرفية التي لم تشهد أي انقطاع على مدى عشرين عاماً.

وفي تقريرٍ أصدرته قبل أسابيع، أشارت منظمة اليونيسف إلى أن أكثر من أربعة ملايين شخص، من بينهم مليون لاجئ، معرّضون لخطر فوري بفقدان إمكانية الوصول إلى المياه الصالحة للشرب في لبنان. ووفقاً لتقديرات اليونيسف، ومع الأزمة الاقتصادية المتصاعدة بشكل متسارع ونقص التمويل والوقود والإمدادات مثل الكلور وقطع الغيار، فإن معظم عمليات ضخ المياه ستتوقف تدريجاً في عموم البلاد. تعتبر ممثلة اليونيسف في لبنان يوكي موكو أنّ فقدان امكانية  الوصول إلى إمدادات المياه العامة قد يجبر السكان على اتخاذ قرارات صعبة فيما يتعلق باحتياجاتهم الأساسية من المياه والصرف الصحي والنظافة. وحذرت من أنه إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، فلن تتمكن المستشفيات والمدارس والمرافق العامة الأساسية من القيام بوظائفها، وسيضطر أكثر من أربعة ملايين شخص للّجوء إلى مصادر المياه غير الآمنة والمكلفة، ما يعرض صحة الأطفال ونظافتهم للخطر. ستواجه النساء والفتيات اليافعات تحديات خاصة في ما يتعلق بنظافتهن الشخصية وحمايتهن وكرامتهن دون الوصول إلى الصرف الصحي الآمن.

استراتيجيات خاطئة

لبنان الغني بأمطاره وأنهاره، غضّ مسؤولوه طرفهم عن هكذا قطاعٍ حيوي. يثبت انقطاع المياه في أكثر المناطق السكنية اكتظاظاً، ضعف الإطار الاستراتيجي الذي استندت إليه سياسات الطاقة والمياه في لبنان. يشرح لنا الخبير المائي أحمد الحاج سوء التدبير الذي أوصل القطاع المائي الى ما هو عليه اليوم من تهلكة. وبحسب الحاج، كان من الأجدى اعتماد استراتيجية أوضح تتمثّل بتأمين مياه الشرب والاستهلاك الى منزل المواطن عبر امدادات الشبكات الصحية مقابل رفع التسعيرة. اذ ان المواطن يتكبّد عناء فاتورتين للمياه، إحداها لمياه استهلاكه وأخرى لمياه الشرب بينما من حقه القانوني أن يشرب مياهاً نقية من الصنبور. على أثر الغلاء الذي مُني بمياه الشرب حتى، قد يضطر المواطنون للجوء الى خيارات غير آمنة، ما قد يعرض صحتهم للخطر. كبديل غير آمن، تكشف لنا مريم فنيش استغنائها عن شراء عبوات المياه واستبدالها بجِرار كبيرة من مؤسسات خاصة. لا تنكر فنيش جهلها بمصدر مياه الجرار هذه، لكنها تعتبرها المفرّ الوحيد من سعر العبوات المتضخّم. وهكذا دواليك...

لا جدل في أنّ المشكلة الحالية تتمثل بعدم القدرة على توزيع المياه لا بفقدانها، بيد أنّنا لو استفدنا من مصادر المياه بمشاريع ضخمة منتجة ماديّاً لكنّا اليوم بمنأى عن المحروقات لتحل محلّها طاقة نظيفة مستدامة. على سبيل التوضيح، لا تستفيد الدولة اللبنانية إلا بما قيمته 8% أو أقل من حقها من مياه الأنهر المشتركة مع فلسطين المحتلة وسوريا. فوفقاً للحاج، يبلغ معدل تدفق المياه في نهري الحاصباني والوزاني 155 مليون متر مكعب بينما لا تستفيد الدولة اللبنانية بأكثر من5 مليون متر مكعب متغاضية عن حقها بالاستفادة من 65 مليون متر مكعب. حالياً لا يتم الاستفادة من الـ5 مليون متر مكعب حتى في غياب المازوت اللازم لتشغيل المضخات.

وعلى سبيل التراخي، يملك لبنان أكثر من 50 ألف بئر ارتوازية، غير مرخصة بأغلبها ولا تجبي الدولة اللبنانية من أصحاب الآبار أي ضريبة أو حتى تعتمد نظام العدادات للسحب من هذه الآبار. في ضوء ذلك، يعتبر الحاج أنّ تقصير الدولة على هذا الصعيد دفع بالمواطنين الى حفر الآبار لتأمين حاجتهم من المياه وهي مسألة مكلفة طبعاً. أما على سبيل الهدر، يستهلك لبنان 65% من مصادر مياهه للري فحسب، دون أن تؤمن الزراعة مردوداً مادياً يسيراً للدولة اللبنانية. فما الضير من تكرير مياه الصرف الصحي للاستعمال الزراعي والصناعي إسوةً ببلدانٍ عديدة متقدّمة؟ لم تتمكن وزارة الطاقة والمياه من انجاح استراتيجية السدود حتّى، إذ لم تكن نتائجها مؤاتيةً لتوقعات الوزارة ولمخططها، إنما كلّف المشروع مبالغ طائلة دون تخزين كمية المياه المتوقعة. كبديل عنها، يطرح الحاج فكرة انشاء البرك الجبلية أو بحيرات التجميع وهي غير مكلفة على اعتقاده، ويمكن الاعتماد عليها في الري والصناعة، ما يخفف أقلّه 65% من الاستهلاك للمياه وبالتالي ينخفض الطلب عليها. وبحسب الحاج، وضعت جامعة الدول العربية دراسة حول الأماكن الممكنة لإنشاء هذه البحيرات في لبنان ولكنها بقيت أسيرة الأدراج كغيرها من الدراسات.

تعاونٌ دولي وجهد محلي

تخفيفاً من هول الأزمة، تستحصل مؤسسات مياه لبنان على كميات ضئيلة لمادة المازوت من المنشآت النفطية، وهي لا تغطي أكثر من 40% من حاجتها اليومية الفعلية لهذه المادة. ينوّه جان جبران الى أنّ الحاجة اليومية للمؤسسة تصل الى50 ألف ليتر، غير أنها تحصل على 20 الى 39 ألف ليتر فحسب منها نظراً الى تعاظم الطلب على المازوت لتشغيل قطاعات أخرى. في السياق عينه، يصرّح جبران عن استحصال المؤسسة في بعض المرّات على كميات معيّنة من هذه المادة من شركات نفطية خاصة، لكن غالباً ما تتعثّر العملية بشح الاعتمادات للبواخر النفطية أو نقص الكمية. تتشارك مؤسسات المياه الأربعة الخيارات والاجراءات نفسها لتدارك الأمر أملًا بعبور الأزمة.

كحل آني، تتعاون مؤسسات المياه الأربعة مع اليونيسيف والجهات الدولية المانحة عند وجود أي من التصليحات. تتكفّل الأخيرة بدفع تكلفة قطع الغيار بالدولار، فهي تفوق القدرة المالية للمؤسسات المتعثرة أساساً. في هذا الإطار، يؤكّد جبران أنّ "المساعدات حالياً باتت دقيقة نوعاً ما، لأنّنا في صدد تأمين قرض مالي من هذه الجهات، ما قد ينجم عنه بعض التأخير". ويشيد جبران  بالتعاون الفعّال مع المجتمع المحلي أيضاً، من بلديات ومواطنين، وبالمبادرات الفردية الساعية لعبور كنف الأزمة. من جهة ثانية، يؤكد رئيس بلدية العباسية الجنوبية علي عزالدين على اعتماد البلدية الطاقة الشمسية كبديل عن المولدات الكهربائية لتوفير المياه للمواطن، مشدداً على أهمية المشروع محلياً، ذاكراً أنّ البلدية أنجزت محطتي ضخ تؤمّن حوالى 70% من حاجة السكان للمياه، وقد كلّف المشروع حوالى 200 ألف دولار على نفقة متبرعٍ من أبناء البلدة. ويعود سبب ارتفاع التكلفة الى ضخامة هذه المحطات وتأمينها المياه لأكثر 800 ألف مواطن. ويضيف ان البلدية على شفير انجاز المحطة الثالثة بتمويلٍ مشترك من المجلس النروجي والبلدية. وعلى الأثر، أثارت هذه المبادرة شهية بلديات أخرى التي اختارت أن تحذو حذو بلدية العباسية، كبلدية اركي التي افتتحت المشروع منذ أيّام. يعتبر جبران أنّ الطاقة الشمسية هي الحل المستدام لمشكلة المياه في العموم وكانت هي خيار المؤسسة التي عمدت الى البدء بدراسة شاملة حولها لكن الأوضاع المتردية فرملت المخطط.

ما جنيناه اليوم ما كان إلا ثمرة سياساتٍ مائية خاطئة. وأمام التغيّر المناخي العنيف الذي تشهده المنطقة، سيواجه لبنان، في السنوات المقبلة، أزمة كبيرة للمياه تطال مصادرها إن بقي الاهمال والتقاعس يسطوان على هذا القطاع. ومع بزوغ فجر الحكومة الجديدة، خيط أملٍ رفيع يتراءى للبنانيين الحالمين باصلاحاتٍ واسعة، قادرة على انتشال لبنان من مستنقعه بعد أن أمست أقصى أحلام شعبه تأشيرة!

TAG : ,أزمة مياه ,لبنان ,فساد