Loading...

قطاع التأمين في لبنان: واقع صعب ورقابة غائبة

 

أثار الأستاذ الجامعي باسل صالح في منشور له عبر منصة X قضيته مع إحدى شركات التأمين، حيث أجرى تأمينًا صحيًا وإدّخر مبالغ مالية في الشركة كان يدفعها لهم نقدًا وبالدولار الأمريكي دون الحاجة الى مصرف، ورغم الأزمة الإقتصادية استمر صالح في دفع مستحقات التأمين، وبعدها بفترة طالب الشركة بالمبلغ المتراكم وأعلمهم بنيته إلغاء البوليصة، لتبدأ معها المماطلة في تحصيل مستحقاته. 

 

معاناة باسل تُجسّد حال الكثير من زبائن شركات التأمين في لبنان، حيث تعاني هذه الأخيرة من أزمة مالية بدأت مع التدهور الاقتصادي وانهيار القطاع البنكي أواخر العام 2019 وما رافقه من تراجع لقيمة العملة الوطنية، أزمة فاقمها إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وما نتج عنه من دمار لمنازل ومحال تجاريّة عديدة في العاصمة بيروت وضواحيها.

 

في السياق وكجزء من الاستجابة الشاملة للانفجار، وضعت مجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي بالتعاون مع المجتمع المدني والحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي عام 2020 إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار "3RF"، ودعا الإطار الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ الإجراءات العاجلة لتسهيل عملية التعافي التي تركّز على الإنسان بشكل أساسي.

 

ويشدد الإطار في إحدى ركائزه الأربع على ضرورة تفعيل الحماية الإجتماعية واتخاذ الإجراءات التي تمنع تدهور أوضاع المواطنين، ومنها:

- اعتماد استراتيجية تطوير وإعادة هيكلة قطاع التأمين.

- ضمان العمل على تسوية المطالبات التأمينية.

- المباشرة في تطوير برنامج حماية حاملي وثائق التأمين.

 

فتحت الأزمات المتعاقبة التي مرّ بها قطاع التأمين باب التساؤلات حول كيفية حوكمة القطاع وتطويره ومراقبة آليات العمل بشكل مهني وشفاف، ويُذكر هنا أن لقطاع التأمين هيئة مشرفة عليه وهي "لجنة مراقبة هيئات الضمان" وأُنشأت لحل النزاعات ولتشكّل صلة الوصل بين المؤمِّن وإدارة شركات التأمين، فما هي هذه اللجنة وما الأدوار التي تلعبها في ضبط قطاع التأمين؟؟.

 

لجنة مراقبة هيئات الضمان..حاضرة غائبة

يوجد في لبنان حوالي 50 شركة تأمين تُوظّف حوالي 4 آلاف عامل، وتعاني شركات التأمين في لبنان كسائر القطاعات من تداعيات الأزمة الإقتصادية، إنهيار العملة وتعددّ أسعار الصرف. يجهل العديد من المواطنين اللبنانيين حقهم في ملاحقة هذه الشركات حال تهرّبها من تأمين التغطية لهم خلال فترات المرض أو غيرها من الخدمات التي تقدمها مقابل أجر، بالشكوى أمام لجنة الرقابة على هيئات الضمان.

 

نشأت لجنة مراقبة هيئات الضمان، وفقًا لأحكام المادة 47 من المرسوم رقم 9812 الصادر في 4 أيار 1968، وتمّ تعديله في العامين 1999، و2008، وهي مؤسّسة مستقلة ترتبط مباشرة بوزير الإقتصاد والتجارة، وتتألف اللجنة من رئيس وأربعة أعضاء مراقبين يُعيّنون بالتعاقد لمدة ثلاث سنوات، وقد حصر الوزير سلام بنفسه الإشراف على أعمال اللجنة وعلى الحلول المقترحة للقضايا التأمينية والشكاوى التي تتلقاها كون وزارة الإقتصاد الوصية على قطاع التأمين.

 

إذا كانت مهمة  لجنة الرقابة على هيئات الضمان هي حوكمة قطاع التأمين والإشراف على عمل الشركات، فإن اللجنة نفسها بحاجة لحوكمة، ومعالجة ملفاتها، فلقد توسّع  القضاء اللبناني مؤخرًا في تحقيقات استمرت لأكثر من شهرين في قضية الموقوف فادي تميم، المستشار السياسي لوزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام، بعد أن تبيّن بأن تميم يقوم بابتزاز إحدى شركات التأمين للحصول على رُشى بمئات آلاف الدولارات مقابل عدم سحب "رخصتها" من وزارة الاقتصاد، فأصدرت الهيئة الاتهامية مذكرة إلقاء قبض بحقه، كما أن التحقيق يطال أيضًا شقيق الوزير كريم سلام، الذي كان يطلب من شركات التأمين مبالغ طائلة لتجديد التراخيص. ويحلّ الشغور في رئاسة اللجنة منذ فترة، ففي عهد الوزير أمين سلام، عُيّن إيلي معلوف رئيسًا لها، لكنه استقال بعد أقل من ستة أشهر، ووفقًا للمعلومات جاءت إستقالته بعد رفضه التدخل في عمله من جانب المجموعة المحيطة بالوزير.   

 

وعن أدوار اللجنة يقول المتخصص في قوانين الشركات والتأمين ونزاعات الأموال المحامي رفيق هاشم، في حديثه لـ"مهارات نيوز"، "هناك دور كبير للّجنة يفترض أن تقوم به، فهي تتولّى مراقبة شركات التّأمين لجهة تقيّدها بالقوانين، وتقوم بمهمّة الرّصد والتحقّق من الإلتزامات الماليّة لهيئات الضمان تجاه المضمونين أو المؤمَّنين، كما يجوز للّجنة أن تُدقّق متى شاءت في مركز أيّ هيئة أو فروعها ووكالاتها وفي جميع العمليّات والوثائق الّتي ترى وجوب تدقيقها، ولا يحقّ لشركة التأمين ومسؤوليها ومستخدميها التذرّع بالسرّ المهنيّ لحجب أيٍّ من الوثائق أو المستندات ذات الصّلة بالتّحقيق عن اللّجنة".

 

يُذكرأن اللجنة تُمَوّل من القطاع الخاص إستنادًا إلى قانون تنظيم هيئات الضمان بقيمة 2 بالألف عن كل بوليصة من شركات التأمين، ضمن الهامش المتاح لها من موجب التغطية. 

 

 

أزمة شركات التأمين

في ظل الإنهيار المالي الذي طال مختلف الصناديق الضامنة في لبنان باتت شركات التأمين الخاصة في الأعوام الأخيرة تلعب دورًا محوريًا في تأمين مظلة صحيّة واجتماعية للمواطنين.

 

وكشف ملف إنفجار مرفأ بيروت واقع شركات التأمين المالي المتدهور، حيث شكى العديد من المواطنين المتضررين من الإنفجار تقاعس الشركات عن أداء دورها في التعويض الفعلي عن الأضرار، ذلك ورغم تأكيدات مستمرة من رئيس جمعية شركات التأمين في لبنان أسعد ميرزا أن الشركات تقوم بالتزاماتها.

 

ويؤكد ميرزا في حديث لـ"مهارات نيوز" أن شركات التأمين في لبنان غطت 95% من تعويضات الإنفجار وأن التعويضات دُفعت دون صدور التقرير الفني للتحقيق في إنفجار المرفأ، وكان يُمكن للشركات أن تتهرب من الدفع بذريعة عدم صدور قرار المحكمة لكن هذا لم يحصل.

 

كلام ميرزا، تنفيه الصحافية المتخصصة في الشأن الاقتصادي عزّة الحاج حسن في حديث لـ"مهارات نيوز" بالقول: "شركات التأمين تعاطت بطريقة غير أخلاقية، ونهبت حقوق  المتضررين، عبر الدفع بشيكات مصرفية، وبالطريقة التي حددت بها سعر صرف الدولار، وبالاكتفاء بتغطية نسبة معينة فقط من الأضرار، والتهرب  من باقي الالتزامات، وهذا كان بموافقة كل الهيئات الاقتصادية والقطاع المالي الذي اتّفق على نهب حقوق الناس".

 

وتقول الحاج حسن أن المشكلة الأولى التي يُعانى منها قطاع التأمين هي تداعيات الأزمة الإقتصادية حين انهارت العملة وتدنت القدرة الشرائية للمواطنين، ما أدى إلى تراجع لافت في عدد بوالص التأمين المُباعة، فأصبح المواطن يشتري البوليصة التي يُضطرّ عليها لتسيير أموره.

 

 أما المشكلة الثانية، هي مشكلة الأموال المُستثمرة والمودعة العالقة في المصارف التي تتذرع بها شركات التأمين، للتهرب من الزبائن، وتصنف الحاج حسن الشركات إلى  نوعين، شركات تأمين مملوكة من المصارف ووضعها أقل سوءًا  من الشركات غير المملوكة من المصارف.

 

بدوره المحامي رفيق هاشم فنّد الأزمات المالية التي تهدد قطاع التأمين في لبنان عبر ثلاث نقاط:

1- الأزمة المصرفيّة والتي أدت لصعوبة سحب أموال شركات التّأمين من المصارف وتضاؤل قدرة هذه الشركات على تلبية التزاماتها تجاه المُؤَمنين بشكلٍ فاعل.

 

2- أزمة العملة الواجب اعتمادها في تسديد منافع عقود الضّمان والتّعويضات الملازمة، والتّفاوت بين القيمة الرقمية للشيكات المعروضة من هيئات الضّمان للمضمونين، وبين القيمة الفعليّة لهذه الشيكات، أي أزمة التّفاوت بين الدّولار وما عُرِفَ بمصطلح "اللّولار".

 

3- أزمة التّباين والتّفاوت في قيمة سعر صرف اللّيرة اللّبنانيّة مقابل الدولار الأميركيّ، فبين سعر السّوق الحرّة أوّلاً، وسعر منصّة صيرفة ثانيًا، والأسعار الرّسميّة العديدة لصرف اللّيرة، حلّت الضّبابيّة حول مفهوم سعر الصّرف الواجب اعتماده وتجاذبت الآراء الفقهيّة حوله.

 

وفي هذا الإطار، أبدى المحامي هاشم خشيته من أن يُصار إلى استغلال البعض لهذه العقبات من أجل الإساءة والتعسّف، مثال أن تقوم هيئة أو شركة ما بتسديد منافع وتعويضات عقود الضّمان بموجب شيكات (لولار) في حين تقوم بمطالبة شركات إعادة التأمين الدّوليّة (Reinsurance Companies) بإستيفاء ما سدّدته بالدولار الأميركي "الفريش".

 

وهذا الإجراء إن حصل فمن شأنه أن يتيحَ لهيئات وشركات الضّمان بتحقيق أرباح طائلة غير مُبرَّرَة على حساب المضمونين، وهم عادةً الطّرف الأضعف في عقد الضّمان، الأمر الّذي يستدعي من "لجنة المراقبة على هيئات الضّمان" بما لها من صلاحيّات وسُلطات التنبّه له والعمل على ضبطه وإيجاد الحلول  بالوسائل القانونيّة المتاحة.

 

أما الحل الوحيد للنهوض بقطاع شركات التأمين بحسب الصحافية عزّة الحاج حسن هو إعادة هيكلتها من الصفر، فقطاع شركات التأمين لم يكن مبني على أُسس علمية، وهناك فائض كبير بعدد الشركات  يفوق حاجة البلد، ويجب معرفة طبيعة وحجم ودائع الشركات لتقييم التهويل الذي تعتمده الشركات تجاه زبائنها. ووفقاً للأرقام، تُشيرالحاج حسن، بأن رأسمال شركات التأمين يُقدّر بـ 10 مليار ليرة لبنانية لكل شركة، وهي أرقام هزيلة مقارنة مع حجم سوق شركات التأمين. وتعطي مثالًا، "إذ  حصلت  حوادث موت بين خمس وعشر حالات بظرف شهر واحد، سيصعب على شركات التأمين الإيفاء بالتزاماتها تجاه المؤَمِّنين، ما يجعلها عُرضة للإفلاس، فالشركات بأغلبها ضعيفة ولا يُمكنها تغطية قتيل واحد". وتتابع: "من المهم التأكّد من فعالية ما يُعرف بإعادة التأمين، الذي يجب أن يكون مُتبّعًا في الشركات ومرتبطًا بشركات في الخارج أو بشركات أخرى أكبر منها في البلد، لتغطية أي تعثر أو أزمة ممكنة تجاه الإيفاء بإلتزاماتها".

 

 

الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي:هلّ يعمق الأزمة!؟

قبل سنوات، كان المواطنون يلجأون إلى بوليصات التأمين من أجل دفع المبلغ الفارق عن صندوق الضمان الإجتماعي أي ما نسبته 10 % من إجمالي الفاتورة الإستشفائية، لكن الأزمة الإقتصادية المستمرة منذ العام  2019 وانهيار قدرة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي على تغطية المضمونين، فضلا عن تعدد أسعار الصرف وتعرفات المستشفيات، كلها أمور وضعت المواطن في مأزق صحي واجتماعي حقيقي.

 

واصلت شركات التأمين طيلة الفترة الماضية الطلب من الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الإسراع في إنجاز معاملات المضمونين ليُصار إلى تسديد شركات التأمين الأموال للمستشفيات الخاصة، ولكن بسبب أزمة الضمان الإجتماعي والإضرابات التي طالت القطاع العام، تأخرت المعاملات المالية وبالتالي قامت شركات التأمين بالطلب من زبائنها تسديد الفروقات بأنفسهم، كما أن العديد من شركات التأمين، تلكأت عن دفع مستحقات الزبائن أو تأخرت بها، وهذا ما يتطلب متابعة وتدقيق من قبل لجنة الرقابة على شركات التأمين.

 

وقد أصدر مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الأول من شهر شباط 2024، مذكّرة تقضي باحتساب اشتراكات المضمونين الذين يتقاضون أجورهم بشكل كلي أو جزئي بعملة أجنبية حسب السعر الرسمي الأعلى المعتمد من قبل مصرف لبنان حاليًا وهو 89500 ليرة للدولار الواحد. 

 

وكان الرهان على إمكانية توحيد سعر الصرف مع إقرار موازنة 2024، علّه يعالج مشاكل عدة بين الضمان وشركات التأمين والمستشفيات الخاصة، ويؤدي إلى ضبط وتوحيد التعرفات والفروقات الصحية، الأمر الذي لم يحصل حيث لم يتطرق مجلس النواب في جلسات اقرار الموازنة إلى موضوع تعديل سعر صرف الدولار في المصارف معتبرًا هذا الأمر من صلاحية مصرف لبنان ووزارة المالية.

 

وتعليقاً على  رفع تسعيرة الضمان الإجتماعي، والحديث عن تعرض قطاع التأمين للإفلاس، تقول الحاج حسن: "لا أساس له من الصحة، وقد نصل إلى ذلك فقط في حال استطاع الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي تغطية المواطنين وجعلهم يستغنون عن شركات التأمين"، وتضيف، أن رفع تعرفة كلفة التغطيات تنعكس بشكل غير مباشر على الشركات، لكن لا يُمكن الحديث عن إفلاسها، كونها تتقاضى البوالص بالدولار الفريش، وتدفع ثمن التغطية المكملة بحسب تسعيرة الضمان، وفي حال التذرع بعدم قدرتها على تغطية الدرجة الثانية من التأمين الصحي للبوالص، فالأفضل أن تعلن إفلاسها.

 

يُذكر أن شركات التأمين تتمثل بعضو في مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الذي يضم  10 ممثلين عن العمال، و10 ممثلين عن أصحاب العمل، و6 ممثلين عن الدولة (إدارات عامة - مستشفيات حكومية)، ويحق لعضو شركات التأمين التصويت في القرارات التي تُتخذ. وبالرغم من معرفة إدارة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي بتجاوزات كثيرة تقوم بها شركات التأمين لا سيما في علاقاتها مع المستشفيات الخاصة، لكن لا سلطة أو صلاحية قانونية له للتدخل.