Loading...

الذكاء الاصطناعي في الصحافة التونسية: غرف أخبار ذكية وحوكمة مؤجلة

 

قامت الصحافة، منذ نشأتها، على منظومة من القيم المهنية والأخلاقية التي ترسخت عبر عقود من الممارسة والتجربة. ومن أبرز هذه القيم مبدأ الشفافية، الذي يقتضي أن يكون الجمهور على بينة من كيفية إنتاج المادة الإعلامية، وأن تُنسب بوضوح إلى أصحابها، مع توضيح مصادر المعلومات والصور والفيديوهات والوثائق كلما أمكن ذلك وما لم توجد موانع مهنية أو قانونية تحول دون الإفصاح عنها

 

ولم يكن توقيع الصحفي مجرد اسم يوضع أسفل المقال أو التقرير، بل كان تعبيرًا عن المسؤولية المهنية، وأداة للمساءلة، وعلامة على الالتزام بمعايير الدقة والنزاهة. كما شكّل التوقيع، على امتداد تاريخ الصحافة، أحد عناصر الثقة بين وسائل الإعلام وجمهورها، إذ اعتاد القراء والمستمعون والمشاهدون متابعة أعمال صحفيين أو مصورين أو معلّقين بعينهم، لما يعرفونه عن أسلوبهم وخبرتهم ومنهجهم في تناول الأحداث. وأصبح اسم الصحفي جزءًا من القيمة الاعتبارية للمحتوى، تمامًا كما تعكس الصورة براعة مصورها، ويعكس التعليق شخصية صاحبه وبصمته الصوتية.

 

غير أن هذا التقليد المهني يواجه اليوم تحديًا غير مسبوق مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار وخارجها. فقد أصبحت هذه التقنيات تُستخدم في البحث عن المعلومات، وصياغة النصوص، وترجمة المحتوى، وتوليد الصور، وإنتاج الفيديوهات، بل وحتى في إعداد نشرات إخبارية كاملة بدرجات متفاوتة من التدخل البشري.

 

ونتيجة لذلك، باتت مواد إعلامية كثيرة تُنتج كليًا أو جزئيًا بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم تُنشر موقعة باسم الصحفي أو المؤسسة الإعلامية من دون أي إفصاح عن الدور الذي أدته هذه الأدوات في عملية الإنتاج. وفي حالات أخرى، قد لا يكون إسهام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الجوانب التقنية، بل يمتد إلى صياغة الأفكار، أو ترتيب المعلومات، أو اقتراح العناوين، أو حتى كتابة أجزاء كبيرة من النص

 

في تونس كغيرها من بلدان العالم شهدت المؤسسات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الإنتاج الصحفي، وهو ما فتح نقاشًا مهنيًا وأخلاقيًا حول ضرورة الإفصاح عن هذا الاستخدام، وحول تأثيره في مصداقية وسائل الإعلام وثقة الجمهور بها. ورغم المبادرات التي أطلقتها بعض المنظمات المهنية والهيئات المهتمة بأخلاقيات الإعلام كمجلس الصحافة والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ما تزال المؤسسات الإعلامية التونسية تفتقر، في معظمها، إلى سياسات تحريرية واضحة تحدد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، ومتى يجب الإفصاح عنه، ومن يتحمل المسؤولية النهائية عن المحتوى المنتج بمساعدته.

 

غرف الأخبار الذكية

أشارت دراسة نشرها برنامج دعم وسائل الإعلام 2  في تونس الذي تنفذه CFI بتمويل من الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2025 تحت عنوان الصحافة والذكاء الاصطناعي: تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي في تونس للمؤلفين: أيمن الزغدودي ومالك الخضراوي و جيرالد هولوبوفيتش الى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يجد طريقه الى المشهد الإعلامي التونسي و بدأت تطبيقاته تؤثر على الممارسات الصحفية و إنتاج المعلومات، وبحسب الدراسة التي التي شملت 16 مؤسسة فإن الذكاء الاصطناعي اقتحم غرف الأخبار اما بمبادرات فردية أو انطلاقا من سياسة أطلقتها المؤسسات الاعلامية كما يشير هذا الرسم البياني الوارد في هذه الدراسة.

 

                                          

في هذا السياق تقول الصحفية مبروكة خذير الرئيسة المديرة التنفيذية لمنصة كوسموس المختصة في البيئة في مقابلة معها تم إجراؤها عبر الواتساب في أوت 2026: « نحن نعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في ترتيب الأفكار وفي الترجمة وفي معالجة الفيديو والصورة وهذه التطبيقات تساعدنا على تجويد المواد الإعلامية وربح الوقت »  كما أضافت خذير أن المؤسسة تحتاج أيضا الى أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم منتوج إعلامي بكل اللغات حتى يفهم الجمهور الواسع ما يحصل في تونس و العالم العربي من إشكاليات في العلاقة بالبيئة .

 

في المقابل تؤكد خذير أن المنصة تحرص على أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات مساعدة فقط على تجويد المنتوج الإعلامي حيث لا يمكنها ان تعوض الصحفي الميداني الذي يلامس الحدث وينتج قصة قريبة من الجمهور. كما ترى أن الحرص على ترشيد الموارد الطبيعية يدفع المؤسسة بحكم اختصاصها الى ترشيد استخدام هذه الأدوات التي تستنزف موارد طبيعية هائلة.

 

مقابلة مع الصحفية مبروكة خذير المديرة التنفيذية لمنصة كوسموس

مثل منصة كوسموس تتجه منصات إعلامية أخرى إلى توسيع اعتمادها على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار والتقارير الصحفية، مستفيدة من قدرة هذه الأنظمة على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، وصياغة محتوى إخباري بسرعة وكفاءة، بما يواكب إيقاع الأخبار المتسارع.

 

حيث أشارت مقدمة الميثاق الوطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي الذي أصدره مجلس الصحافة في مارس 2026 إلى أن عدداً من المؤسسات الإعلامية التونسية شرع في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، سواء في البحث عن المعلومات، أو تحليل البيانات، أو تحرير المحتوى، أو إنتاج المواد متعددة الوسائط.

ومن الأمثلة البارزة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار مشروع « القاعة الذكية » لمنصة نفزاوة الإعلامية، الذي يهدف الى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتكوين كما أكد مدير المؤسسة فهمي البليداوي، شارحا أن المؤسسة تعمل على تطوير ثلاث وكلاء ذكاء اصطناعي يجمعون بين التقني و الصحفي و التجاري.

 

تصريح لفهمي البليداوي مدير  مؤسسة نفزاوة الإعلامية

يتضح من خلال هذه الشهادات أن غرف الأخبار في تونس تشهد تسارعاً في اعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي انتقلت من مجرد أدوات مساعدة في البحث والتدقيق والترجمة إلى مكوّن أساسي في إنتاج الأخبار والتقارير وحتى إعداد محتوى جاهز للنشر في بعض المؤسسات الإعلامية. وقد فرضت هذه التحولات إيقاعاً جديداً للعمل الصحفي يقوم على السرعة والكفاءة وتقليص الزمن الفاصل بين الإنتاج والنشر كما توضح الصحفية والمسؤولة عن موقع جفارا الإعلامي مروى الجويلي التي اضافت ان المؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحسين الصياغة واختيار الزوايا الصحفية لكنها أكدت في المقابل أن ادوات الذكاء الاصطناعي لا يمكنها إخلاء مسؤولية الصحفي من المنتوج الإعلامي الذي يقدمه للجمهور.

 

حوكمة مؤجلة

يثير تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار في تونس أسئلة أخلاقية ومهنية جديدة لم تكن مطروحة من قبل. فهل يملك الجمهور الحق في معرفة ما إذا كان المحتوى الذي يطالعه قد أُنتج أو صيغ بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ وهل يُعد عدم الإفصاح عن هذا الاستخدام إخلالًا بمبدأ الشفافية الذي تقوم عليه الممارسة الصحفية؟ وأين تبدأ مسؤولية الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، وأين تنتهي مسؤولية الأنظمة الذكية التي أصبحت شريكًا في إنتاج المحتوى؟

 

لم يواكب هذا التسارع التقني  تطور مماثل في الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار. فلا توجد إلى اليوم مدونات سلوك أو سياسات تحريرية واضحة تحدد حدود تدخل الأنظمة الذكية في صناعة المحتوى، أو تلزم المؤسسات بالإفصاح عن دورها في إنتاج المادة الصحفية. وقد أفرز هذا الفراغ جملة من الإشكاليات، من أبرزها تراجع الشفافية، واهتزاز العلاقة التقليدية القائمة على الثقة بين الصحفي والقارئ، وتآكل البصمة المهنية للصحفي لصالح محتوى يتسم بالتشابه والقولبة، بما يهدد أحد أهم مقومات العمل الصحفي: الأصالة، والمسؤولية التحريرية، وإمكانية مساءلة من يقف وراء المعلومة.

 

حيث أشارت الدراسة التي نُشرت في إطار برنامج دعم وسائل الإعلام 2 حول التحديات والفرص التي تمثلها الذكاء الاصطناعي لقطاع الإعلام التونسي في الصفحة 12 ان نصف وسائل الإعلام من جملة 17 مؤسسة شملها الاستبيان لم تضع مواثيق تحريرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار وأصدر توصية  تدعو المنظمات المهنية إلى لعب دور الموجه لصياغة ميثاقا أخلاقيا تعتمده وسائل الاعلام التونسية.

 

غياب المواثيق التحريرية الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية التونسية تؤكده الصحفية ياسمين بوذينة  من اذاعة بوقرنين التونسية في مقابلة معها في اوت 2026  حيث قالت انها تواكب التطورات التقنية في هذا المجال  و تعتمد خاصة على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي  رغم غياب  ميثاق تحريري  وأخلاقي يؤطر هذا الاستخدام . لكن في المقابل قالت انها تعمل بصفة فردية على إبلاغ الجمهور باستخدامها لأدوات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الصحفي .

 

مبادرات أولى للحوكمة

في ظل هذا الفراغ على مستوى الحوكمة، بادر مجلس الصحافة إلى إعداد ميثاق وطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية التونسية نشر في مارس 2026، ويسعى هذا الميثاق الذي شارك في اعداده و مناقشته عدد من الفاعلين في قطاع الإعلام الى تأطير الاستخدام المتزايد لهذه التقنيات ووضع ضوابط مهنية تحافظ على مبادئ العمل الصحفي. ويتضمن الميثاق جملة من المبادئ، أبرزها احترام الشفافية، والإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عند إنتاج المحتوى متى كان لذلك أثر جوهري، وضمان بقاء المسؤولية التحريرية بيد الصحفي والمؤسسة الإعلامية، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والحد من مخاطر التضليل والتحيز التي قد تفرزها الأنظمة الذكية

 

وبخصوص هذا الميثاق أكد  الصحفي وعضو مجلس الصحافة فطين حفصية أنه  وثيقة مرجعية للمؤسسات الإعلامية التونسية، تساعدها على الاستفادة من الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي دون الإخلال بقواعد المهنة وأخلاقياتها. ويضيف أن الهدف ليس تقييد استخدام التكنولوجيا، بل تنظيمها بما يعزز ثقة الجمهور، ويكرس مبادئ الشفافية والمساءلة، ويحافظ على الدور المحوري للصحفي باعتباره المسؤول الأول عن دقة المحتوى وسلامته.

 

في المقابل يضيف أن اعتماد هذا الميثاق في صياغة مواثيق داخلية في المؤسسات الإعلامية مازال محدودا و هو التحدي الأكبر الآن في المشهد الإعلامي التونسي حيث يجب السعي إلى غرس ثقافة أخلاقية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدى كل الصحفيين .

 

رغم صدور الميثاق الأخلاقي، فإن تأثيره ظل محدودًا على مستوى الممارسة. فإلى اليوم، لم تعتمد أغلب المؤسسات الإعلامية التونسية هذا المرجع رسميًا ضمن سياساتها التحريرية، كما لم تبادر إلى إعداد مواثيق داخلية أو تنظيم ورشات لتأطير استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار كما اكد ذلك اغلب الصحفيين الذين اجرينا معهم مقابلات في هذا التقرير وكما يؤكد ذلك أيضا الصحفي والخبير في  الإعلام  معز الباي الذي قال ان استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة التونسية  ينطوي على عديد المطبات التقنية والأخلاقية.

 

بذلك، ظل الانتقال إلى الصحافة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسرع من قدرة المؤسسات على بناء قواعد واضحة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات. وفي الوقت الذي تتسابق فيه غرف الأخبار إلى توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج وتسريع النشر، تبقى الحوكمة الأخلاقية الحلقة الأضعف في هذا التحول. فالتحدي لم يعد يقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل أصبح رهانًا على كيفية استخدامها بما يحافظ على استقلالية القرار التحريري، ويصون ثقة الجمهور، ويضمن مساءلة واضحة عن المحتوى المنشور توافقا مع المبادئ الأساسية التي قامت عليها الصحافة منذ عقود .

 

تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. واستُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه. ويُنشر بالتزامن مع مرصد الصحافة والحق في الاعلام.

 

TAG : ,الذكاء الاصطناعي ,الصحافة التونسية ,غرف أخبار ذكية ,حوكمة