Loading...

التحول الرقمي في لبنان: مبادرات متفرقة وتحدّيات بنيوية تؤخر الانتقال إلى الدولة الرقمية

 

لم يعد التحول الرقمي ترفًا تكنولوجيًا أو خيارًا يمكن للدول تأجيله، بل أصبح مسارًا أساسيًا لتطوير الاقتصاد، وتحديث الإدارة العامة، وتسهيل المعاملات، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الخدمات. وفي لبنان، حيث تتزايد المبادرات والحديث عن الذكاء الاصطناعي والرقمنة، لا يزال الانتقال إلى الدولة الرقمية يصطدم بتحديات بنيوية تتجاوز الجانب التقني، لتشمل البنية التحتية، والتشريعات، والتنسيق بين المؤسسات، وحماية البيانات الشخصية.

 

ورغم إقرار الحكومة اللبنانية الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي للفترة 2020-2030، لا يزال تحويل أهدافها وتوجهاتها إلى خدمات رقمية مترابطة وفعّالة يواجه تحدّيات عدة. ففي تقرير صادر عام 2024، يعزو البنك الدولي محدودية التقدم المحرز في رقمنة الخدمات العامة إلى وجود ثغرات مؤسسية وضعف القدرات التنفيذية، ما يعرقل تحقيق تحوّل رقمي أوسع نطاقًا في القطاع الحكومي.

 

وتتجاوز أهمية هذا الملف نقل المعاملات الورقية إلى منصات إلكترونية؛ فالتحول الرقمي الفعلي يقتضي إعادة تنظيم آليات العمل، وربط الإدارات، وتطوير التشريعات، وبناء بيئة آمنة للبيانات، بما ينعكس على حياة المواطنين وعلى قدرة الاقتصاد اللبناني على جذب الاستثمارات وتطوير قطاعات جديدة.

 

وفي مقابلات أُجريت مع شخصيات إعلامية وخبراء في المجال الرقمي، على هامش منتدى «Bread and Net» الذي عُقد في بيروت في تشرين الأول 2026، وناقش قضايا مرتبطة بحوكمة قطاع الاتصالات والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، برز توافق على أن تحقيق تحول رقمي مستدام في لبنان يتطلب تجاوز المبادرات المتفرقة ومعالجة الثغرات البنيوية التي تحول دون بناء منظومة رقمية وطنية متكاملة. 

 

بنية تحتية ضعيفة وتشريعات متأخرة وبيانات مهددة

يصف الأستاذ الجامعي والباحث في المنصات الرقمية ربيع الجميل لـ"مهارات نيوز" التحول الرقمي بأنه حاجة لا خيار، معتبرًا أن لبنان يحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة تحدد متطلبات الانتقال الرقمي، بدءًا من البنية التحتية القانونية والتشريعية والحقوقية، وصولًا إلى البنية التكنولوجية. ويحذر من حصر النقاش في توفير المعدات والمنصات التقنية، بمعزل عن القواعد القانونية والضمانات الحقوقية التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

 

وتظهر هذه الإشكالية أيضًا في غياب التنسيق بين المؤسسات العامة. فالخبير في السلامة الرقمية ومدير البرنامج الإعلامي في منظمة SMEX، عبد قطايا، يشير إلى أن الوزارات قد تعمل على إنشاء مواقع إلكترونية ومنصات خاصة بها من دون تنسيق كافٍ، ما يؤدي إلى مشاريع منفصلة بدل بناء نظام مترابط يتيح تبادل البيانات وتقديم الخدمات بصورة متكاملة.

 

ولا تقتصر المشكلة على التنظيم الإداري، إذ ترتبط أيضًا بواقع البنية التحتية. فضعف استقرار الكهرباء والإنترنت، إلى جانب الحاجة إلى مراكز بيانات آمنة وموثوقة، يطرح أسئلة حول قدرة المؤسسات على تشغيل الخدمات الرقمية واستدامتها. ويؤكد قطايا لـ"مهارات نيوز"  أن البنية التحتية الرقمية لا يمكن أن تقوم بمعزل عن البنية التحتية الخدمية والطاقوية التي تحتاج إليها.

 

أما على المستوى التشريعي، فتبرز الحاجة إلى تحديث القوانين وتوضيح آليات تطبيقها. ويشير قطايا إلى أن عددًا من القوانين المعمول بها لا يزال قديمًا، وأن الرقمنة تتطلب سياسات واضحة تنظم عمل الموظفين والمؤسسات وعلاقتهم بالمنصات الرقمية، فضلًا عن حقوق المستخدمين ومسؤوليات الجهات التي تجمع بياناتهم وتعالجها.

 

ويحتل ملف الخصوصية وأمن المعلومات موقعًا أساسيًا ضمن هذه التحديات. فالجميل يعتبر أن الرقمنة، رغم ما توفره من شفافية، تحوّل الأنشطة اليومية إلى بيانات قابلة للحفظ والمعالجة والتحليل، وقد تُستخدم هذه البيانات لاستخلاص أنماط سلوكية عن الأفراد. ومن هنا، فإن تعزيز الشفافية يجب ألا يأتي على حساب الخصوصية.

 

 

ويحذر الجميّل من أن أمن المعلومات ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية الأمن الوطني الشامل، لا ملفًا ثانويًا أو منفصلًا عنها، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من التطبيقات يجمع بيانات اللبنانيين على مدار الساعة، فيما لا تتضح دائمًا الجهات التي تدير بعضها أو أطر الحوكمة التي تعمل وفقها.

 

من جهته، يلفت قطايا إلى ما يصفه بالانكشاف الرقمي، مشيرًا إلى تعرض بيانات في عدد من الإدارات للاختراق، ومطالبًا بتعزيز حماية الخوادم ووضع آليات واضحة للاستجابة للحوادث والحد من أضرارها.

 

وبحسب تقرير نشره مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية "سكايز" عام 2024 بعنوان "نحو قانون حديث لحماية البيانات الشخصية في لبنان". فلبنان، لا يزال لبنان يفتقر إلى قانون مستقل وشامل لحماية البيانات الشخصية، إذ ينظّم القانون رقم 81 الصادر عام 2018 هذا الملف ضمن إطار المعاملات الإلكترونية. وتبرز الحاجة إلى تحديث التشريعات الحالية، التي يعتبر التقرير أنها لا توفر حماية فعّالة وكافية للبيانات الشخصية، بما يضمن صون الخصوصية والحقوق الفردية والتوافق مع المعايير الدولية، ولا سيما اللائحة الأوروبية لحماية البيانات (GDPR). 

 

من الخطط المتفرقة إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ

بحسب المُستَطلعين في التقرير تبدأ المعالجة من الاعتراف بأن لبنان لا يحتاج إلى إعلان استراتيجيته الرقمية من جديد بقدر ما يحتاج إلى تنفيذها بصورة متكاملة، مع تحديد الأولويات والمسؤوليات والجداول الزمنية وآليات قياس النتائج. فوجود استراتيجية وطنية يشكل أساسًا يمكن البناء عليه، شرط تحويل أهدافها إلى التزامات عملية تشمل مختلف الإدارات.

 

ومن الحلول المقترحة تفعيل آلية تنسيق واضحة بين الوزارات والمؤسسات المعنية، تضمن اعتماد معايير مشتركة للمنصات والخدمات وتبادل البيانات، وتحد من تكرار المشاريع وتضارب الصلاحيات. كما ينبغي أن تكون هناك جهة واضحة تتولى متابعة التنفيذ وتقييم التقدم، بالتعاون مع الإدارات العامة والقطاع الخاص والخبراء والمجتمع المدني.

 

كما لا بد من الاستثمار في البنية التحتية الأساسية، من استقرار الكهرباء والاتصالات إلى تأمين مراكز بيانات وخوادم قادرة على استضافة المعلومات الحكومية وحمايتها. ولا يمكن بناء خدمات رقمية يعتمد عليها المواطنون إذا كانت غير مستقرة أو يصعب الوصول إليها، أو إذا لم تتوافر الموارد اللازمة لصيانتها وتحديثها.

 

اضافة لما سبق، ينبغي تحديث الإطار القانوني بما يضمن حماية البيانات والخصوصية، ويوضح مسؤوليات الجهات التي تجمع المعلومات وتعالجها، ويمنح المستخدمين حقوقًا واضحة، مع توفير آليات رقابية فعالة وعقوبات مناسبة للمخالفات. ولا بد من وضع بروتوكولات للاستجابة للاختراقات، تحدد كيفية اكتشافها والإبلاغ عنها واحتواء الأضرار الناجمة منها.

 

وهنا يُشدد الجميّل على ضرورة ربط أمن البيانات بالسيادة الوطنية، فيما يدعو قطايا إلى الجمع بين التشريعات الفاعلة والخوادم المحمية والآليات العملية للتعامل مع الاختراقات. وهذا يتطلب أيضًا تدريب الموظفين على ممارسات الأمن الرقمي، ورفع قدرة المؤسسات على إدارة المخاطر بدل الاكتفاء بإطلاق المنصات.

 

أما اقتصاديًا، فتحتاج الرقمنة إلى بيئة تشجع الاستثمار والابتكار، وتدعم قطاع الاتصالات والشركات الناشئة، وتتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من الخدمات الرقمية. كما ينبغي أن تُصمم الخدمات الحكومية على أساس حاجات المستخدمين، مع مراعاة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى الإنترنت أو استخدام الأدوات الرقمية، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مصدر جديد للإقصاء.

 

دور الصحافيين.. المساءلة وكشف الثغرات

في مسار التحول الرقمي، لا يقتصر دور الصحافة على نقل أخبار إطلاق المنصات أو الإعلان عن خطط جديدة، بل يشمل مساءلة الجهات المسؤولة عن التنفيذ، والتحقق من النتائج، وتسليط الضوء على الفجوة بين الوعود والواقع.

 

يعتبر المراسل التلفزيوني جاد جابر أن الدولة اللبنانية لا تزال تتعامل مع ملفات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بطريقة تفتقر إلى التنسيق، محذرًا من أن يتحول الاهتمام بهما إلى مجرد «ترند» إعلامي لا تواكبه خطوات فعلية. ويرى أن على الصحافيين متابعة السياسات الحكومية وآليات تنفيذها، والمساهمة في الدفع نحو رؤية موحدة تجمع الجهات المعنية.

 

 

بدورها ترى الصحافية المتابعة لقضايا التحول الرقمي صفاء عيّاد أن عدد الصحافيين المتخصصين في قضايا الاتصالات والتحول الرقمي محدود، في حين أن هذه الملفات تحتاج إلى تغطية قادرة على شرح آثارها الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، خصوصًا في ظل نقص الوعي العام بأهمية الرقمنة وبالمخاطر المرتبطة بجمع البيانات واستخدامها.

 

 

لكن الصحافيين يواجهون بدورهم عقبات، أبرزها صعوبة الحصول على المعلومات من بعض الإدارات. وهنا تؤكد عيّاد أن تجاوب المؤسسات مع طلبات الصحافيين ضروري لإعداد تقارير دقيقة، وفهم كيفية عمل المنصات، وتحديد الجهات المسؤولة عن إدارتها، ومساءلتها عند وجود خلل أو تقصير.

 

وعليه، تبرز أهمية الصحافة المتخصصة التي لا تكتفي بالمصطلحات التقنية، بل تشرح للمواطن كيف تؤثر الرقمنة في معاملاته وحقوقه وخصوصيته، وتطرح أسئلة واضحة حول كلفة المشاريع، والجهات المنفذة، والجدول الزمني، ومستوى حماية البيانات، والنتائج التي تحققت بالفعل.

 

كما يمكن للتحقيقات الصحافية أن تسهم في كشف الثغرات المتعلقة بالتطبيقات التي تجمع البيانات، أو الخدمات الحكومية التي لا تعمل بصورة متكاملة، أو التشريعات التي لا تواكب التطور التكنولوجي. ويحتاج ذلك إلى تدريب الصحافيين على فهم القضايا الرقمية، وإتاحة المعلومات العامة، وتعزيز التعاون بين الإعلام والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني.

 

في المحصلة، يقف لبنان أمام فرصة لتطوير إدارته واقتصاده وخدماته عبر التحول الرقمي، لكنه لن يحقق ذلك بمجرد إنشاء مواقع إلكترونية أو الإعلان عن مبادرات جديدة. فالانتقال إلى دولة رقمية يتطلب استراتيجية تُنفذ بجدية، وبنية تحتية موثوقة، وتشريعات حديثة، وحماية فعالة للبيانات، وتنسيقًا بين المؤسسات، إلى جانب إعلام قادر على مراقبة التنفيذ وكشف الثغرات. فالاختبار الحقيقي ليس عدد المنصات التي تُطلق، بل قدرة المواطن على إنجاز معاملته بسهولة وأمان، وقدرة المؤسسات على العمل ضمن منظومة واحدة، ومدى انعكاس الرقمنة على الاقتصاد والشفافية والثقة العامة. عندها فقط يصبح التحول الرقمي مسارًا إصلاحيًا ملموسًا، لا مجرد عنوان يتكرر في الخطط والتصريحات.

TAG : ,لبنان ,التحول الرقمي ,مبادرات ,تحديات ,الدولة الرقمية