Loading...

غلاء البنزين يدفع اللبنانيون نحو الحلول البديلة

 

مل إلياس الخال من وعود الدولة اللبنانية بمعالجة أزمة ارتفاع أسعار الوقود في لبنان. وجد الحل في شراء "توك توك" الذي يعتبر وسيلة نقل ممتازة وبمعنى اخر "وفيرة". يستخدم الخال "التوك توك" للذهاب الى عمله الذي يُعَد قريباَ من منزله والى سوق الخضروات فقط، لان إمكانات التنقل به لأماكن بعيدة المسافات ليست ممكنة. 

يقول الخال انه اشترى "التوك توك" بمبلغ لا بأس به، واليوم هو يعتمد سياسة توفير المال من ناحية البنزين، لان هذه الآلة تشحن كهربائياً. حيث أصبحت المصاريف أقل تلقائيا.

قبل عام 2019، كان الحد الأدنى للأجور يكفي لإعالة العائلة مع تكاليف المحروقات، واولها مادة البنزين. اما اليوم، أسعار المحروقات باتت تحرق جيوب اللبنانيين بسبب ارتفاعها غير المسبوق نتيجة رفع الدعم عنها.  جاء قرار رفع الدعم، دون أي خطة اقتصادية تساعد اللبنانيين على تحمل الأعباء، مما دفعهم للجوء نحو الحلول البديلة للتنقل.

بات الذهاب الى العمل او الجامعة حلما مكلفا للكثيرين. لذلك، تنوعت أفكار اللبنانيين للتأقلم مع هذا الواقع الصعب. بعد الانهيار في سعر صرف الليرة ورفع مصرف لبنان الدعم عن المحروقات، أصبحت صفيحة البنزين ترتفع تدريجياً، وصولا الى 308 الآف ليرة، وهو ما يعادل نصف الحد الأدنى للأجور تقريبا، مقارنة مع 24 ألف ليرة سعر صفيحة البنزين في 2019 و2020.

حلول بديلة

حل اخر بات مقصدا للبنانيين وهي السيارات الكهربائية، حيث انتعش سوقها وازداد الطلب عليها، بحسب سيمون ابي راشد مندوب مبيعات في إحدى الشركات التي تبيع هذا النموذج من المركبات. حالياً يتوفر في لبنان ٣ أصناف: الأولى وهي رباعية الدفاع تسير لحد ٨٥ كم، والثانية هي ميني فان تسير لحد ٢٠٠ كم والثالثة على شكل الهاتشباك تصل لحد ال ٣٠٠ كم. ولفت ابي راشد الى انه ورغم كلفتها العالية مقارنة مع السيارات التي تعمل على مادة البنزين، لكن ثمن الكيلو وات بات اوفر اليوم. اذ المراكز التجارية التي تقدم خدمة شحن السيارات هي تسعر الكيلو واط بين الثماني الى عشرة الاف ليرة. هذا السعر يعتمد حسب نوع السيارة، مثلا إحدى النماذج تصل الى 52 كيلوواط في الساعة وتتمتع باستقلالية تبلغ حوالي 400 كيلومتر.

وأوضح ابي راشد انه "يمكن للشخص الذي يشتري هذا النموذج من السيارات، ان يشحن السيارة اما في محطات الوقود التي يتوفر لديها محطة شحن كهربائي، او المراكز التجارية، كما يتوفر للزبون خيار تركيب شاحن خاص به في منزل، وييلغ ثمن هذا الشاحن 1200 دولار أمريكي مع ضريبة القيمة المضافة".

تجربة السيارات الكهربائية في لبنان كحل أشار اليه نديم زيدان، الذي يمتلك سيارة تعمل على الكهرباء، لكن سيارته هجينة (تعمل عبر الكهرباء والبنزين). حيث، قرر زيدان "الاستثمار" كما يحب ان يصفه بهذه السيارة، بعدما باتت واضحة علامات الارتفاع الجنوني في أسعار البنزين. وقال زيدان " اشحن السيارة من منزلي، لا حاجة للذهاب الى مراكز تجارية. ويمكنني وبكل راحة ضمير ان أقول، ان هذا الاستثمار هو الاصح خلال هذه الأيام".

غياب الدولة

غالبا ما تكون السياسات الضريبية في اي بلد مرآة لسياسات اقتصادية، اجتماعية، صحية وحتى بيئية. هذه حال معظم الدول التي اعتمدت رسوم جمركية مخفضة على السيارات الكهربائية وذلك لتخفيف الضرر البيئي وتشجيع الناس على اقتنائها. ولبنان اعتمد هذه السياسة ايضاً، اذ اتم تمرير تشريع اعفاء جميع السيارات الكهربائية من الجمارك وساعد ذلك في تقليل تكلفة السيارات الكهربائية، حيث أوضحت المادة 55 من قانون موازنة 2018 ان تم تخفيض الرسوم الجمركية ورسم الاستهلاك الداخلي المتوجب للخزينة على السيارات الهجينة الخصوصية لتصبح 20% فقط.، وتخفيض الرسوم الجمركية ورسم الاستهلاك الداخلي المتوجب للخزينة على السيارات الهجينة العمومية لتصبح 10% فقط، وإعفائها من رسم التسجيل ورسم الميكانيك عند تسجيلها للمرة الأولى. وإعفاء السيارات الكهربائية الخصوصية كلياً من الرسوم الجمركية ومن رسم الاستهلاك الداخلي. إضافة الى إعفاء السيارات الكهربائية العمومية كلياً من الرسوم الجمركية ومن رسم الاستهلاك الداخلي ومن رسم التسجيل ورسوم الميكانيك عند تسجيلها للمرة الأولى.

 وبالرغم من ذلك، لا يزال ثمن هذه السيارات أغلى من السيارات العادية التي تعمل بالبنزين. ومن المتوقع أنه بحلول عام 2026 ستصبح السيارات الكهربائية بسعر السيارات التي تعمل بالبنزين، بحسب ابي راشد.

قبل الازمة النقدية، خصص البنك الدولي ٢٩٥ مليون دولار قرضاً لأحياء النقل المشترك في بيروت الكبرى الذي يعرف بال BRT  او خطة الباص السريع من طبرجا الى بيروت. الا ان البنك الدولي أوقف هذا المشروع بعد الانهيار النقدي وعدم قدرة أي قطاع للاستثمار فيه، ومن هنا قررت الدولة اللبنانية ان جزءاً من هذه الأموال ستمول البطاقة التمويلية.

هذه الأموال، كان يمكن للدولة اللبنانية ان تستثمر بها عبر شراء ٢٥٠ باص ضمن مشروع "الباص السريع" الممول من البنك الدولي، وشراء مازوت وتشغيل الإدارات التي كانت ستبنى لتأمين عمل هذا المشروع. بهذه الطريقة كانت الدولة حلّت ازمة السير وغلاء الوقود معاً.

 هكذا تكون الدولة، التي عجزت مرراً وتكرراً عن تأمين النقل مشترك للمواطن او حل أي ازمة تصطدم بها، عاجزة مرة أخرى عن ايجاد حل مستدام لمسألة النقل العام في لبنان، خصوصاً بوجه الغلاء غير المسبوق للبنزين.

حلول في النقل العام

من لم يملك المال لاعتماد الحلول البديلة المذكورة، استخدم النقل العام بطريقة تشاركية لتقليل كلفة التنقل، لا سيما طلاب الجامعات. فبعض هؤلاء قرروا الذهاب الى الجامعة بسيارة أجرة واحدة وتقاسم التكاليف بين بعضهم. وهذا الحل ينطبق على الموظفين أيضا. قالت إحدى الموظفات في شركة تجارية باميلا عيد "كنت أذهب الى العمل بسيارتي الخاصة، واليوم أصبحت أذهب برفقة زوجي وأعود معه بغية تخفيف تكاليف البنزين".

لكن رغم كل المصاعب، هناك بعض المبادرات الإيجابية التي يمكن الاضاءة عليها مهما كان حجمها. فقد تم مؤخرا إطلاق مشروع للنقل المشترك في لبنان كمبادرة خاصة لمساعدة الناس، وهو مشروع باصات تعمل على الخط البحري بين بيروت والبترون. تتوفر في هذه الباصات خدمة الانترنت وهي مجهزة بكاميرات مراقبة لتأمين حماية للراكبين، كما يمكن للناس ان تتعقبها للاطلاع على أوقات عمل هذه الباصات. ولمن يرغب باستعمال هذه الباصات، عليه تعبئة استمارة عبر منصة الكترونية معنية بهذه المبادرة، وبهذه الطريقة يتم حجز المقعد.

رفع الدعم عن المحروقات دفع الناس الى إيجاد حلول أخرى، حلول لم يشر اليها وزير الطاقة السابق ريمون غجر سوى بعبارة "إذا ما عندو حق تنكة البنزين، يركب شي تاني"، الشيء الاخر اليوم يحاول المواطن اللبناني اكتشافه، في ظل غياب استراتيجيات وخطط لتطوير النقل العام، الذي يعتبر الحل الأمثل للتنقل في جميع البلدان المتطورة وغير المتطورة.

TAG : ,غلاء البنزين ,الحلول البديلة ,لبنان