Loading...
لجنة الرقابة على المصارف: إسم على (غير) مسمّى؟

 

وفق قانون النقد والتسليف، تُعدّ لجنة الرقابة على المصارف هيئة مستقلّة على رأس مهامها ممارسة الرقابة على أداء المصارف الخاصّة ورفع توصيات بمحاسبتها. لكن على أرض الواقع، وفي خضمّ انهيار اقتصادي غير مسبوق يشهده لبنان، تبدو وكأنها غير موجودة، أو مستقيلة من مهماتها، فلا من حسيب أو رقيب على القطاع المصرفي الذي يحتجز أموال المودعين ويفرض سقوفاً على سحوباتهم.

من الخطأ اعتبار ما يشهده لبنان اليوم من أزمة اقتصادية وانهيار مالي وليد أسباب آنية أو مرحلية، إذ يرتبط بأسباب بنيوية تتعلّق بطبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد اتفاق الطائف على قاعدة الزبائنيّة والمحاصصة الطائفيّة واعتماد الاقتصاد الريعي، ما كرّس نهجاً اقتصادياً غير منتج وأتاح للدولة الاقتراض من المصارف دون ضوابط، مع تراكم تدريجي للدين على مدى ثلاثة عقود.

وإذا كانت آليات مراقبة حسن أداء القطاع المالي في صلب مفهوم الحوكمة الرشيدة، فإن تساؤلات عدة تُثار اليوم عن الدور الغائب للجنة الرقابة على المصارف، المنشأة بموجب قانون النقد والتسليف، وهو القانون الذي يحرص حاكم المصرف المركزي رياض سلامة في كل مناسبة على تأكيد التزامه بكافة بنوده.

على وقع الأزمة الاقتصادية والمالية التي تفاقمت تدريجياً منذ خريف العام 2019، تخلّف لبنان العام الماضي وللمرة الأولى في تاريخه عن سداد سندات يوروبوندز، فنظريا يتوجب على الدولة اللبنانية تسديد 1.2 مليار دولار من سندات يوروبوند، وهي عبارة عن سندات خزينة صادرة بالدولار، وتحوز المصارف الخاصة والمصرف المركزي جزءا منها.

ويرزح لبنان تحت ديون تصل قيمتها إلى 92 مليار دولار؛ مما يشكل نحو 170% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب وكالة التصنيف الائتماني "ستاندر أند بورز". وتعد هذه النسبة من بين الأعلى في العالم. كذلك تعثرت كذلك شركات خاصة عن تسديد قروض تقدر بتسعة مليارات دولار، وفقد عشرات الآلاف من اللبنانيين مصادر دخلهم أو جزءاً من رواتبهم.

وبين ليلة وضحاها، وجد المودعون أنفسهم يخسرون أموالهم ومدّخراتهم على وقع انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار وبروز سوق سوداء من جهة، وجراء القيود المصرفية المشددة التي سرت على ودائعهم من جهة أخرى. وشهدت قاعات المصارف خلال أشهر على مشادات بين مودعين راغبين بسحب دولاراتهم وقلقين على مصير ودائعهم المحجوزة وموظفين يتقيدون بالتعليمات المعطاة لهم.

تفاقمت القيود المصرفية تدريجياً على أموال المودعين من دون تدخّل من أي جهة كانت. فتراجعت ثقة اللبنانيين بالقطاع المصرفي الذي كان يعدّ حتى الأمس القريب من دعائم الاقتصاد اللبناني.

وبحسب قانون النقد والتسليف، يعدّ المصرف المركزي بمثابة هيئة ناظمة للقطاع المصرفي. ويمارس صلاحياته مباشرةً عبر الحاكم والمجلس المركزي، وكذلك عبر لجنة الرقابة على المصارف، وصولاً إلى الهيئة المصرفية العليا.

ويؤتمن المصرف من حيث المبدأ على أموال العميل التي لا يجوز له أن يبدّدها من غير إرادة الأخير، على أن تتولى لجنة الرقابة على المصارف التي تنشأ لدى مصرف لبنان ولا تخضع في ممارسة أعمالها لسلطته، مهمّات عدة بحسب المادّة 9 من قانون إنشائها، بينها التحقيق في حسن تطبيق النظام المصرفي وفق الأصول المحدّدة في قانون النقد والتسليف، والتدقيق الدوري في جميع المصارف.

انتهاكات

يواجه مودعون مؤخراً إشكالات في المصارف لدى محاولتهم إيداع شيكات بالدولار في حساباتهم. وتروي لارا لـ"مهارات نيوز" أنها تقاضت الشهر الماضي شيكاً بقيمة ثلاثة آلاف دولار مقابل عقد عمل مؤقت. ولدى توجّهها الى المصرف حيث تملك حساباً بالدولار، رفض الموظف وضع الشيك في رصيدها باعتبار أنه ليس في سجلها المصرفي أي إيداع للشيكات. وحاولت عبثاً إقناعه وإبراز عقد عمل يؤكد تقاضيها هذا المبلغ من دون جدوى.

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة الأخبار بتاريخ 4 كانون الأول 2020 أنّ مواطنة أرادت إيداع شيك بقيمة 2000 دولار في حسابها بالدولار وتمّ الرفض من المصرف بحجّة أن الحساب لا يُستخدم، لتؤكدّ الشابة أنها دفعت 10 دولارات منه قبل أيّام.

ويشكل تصرّف البنوك هذا مخالفة لمضمون مذكرة صادرة عن لجنة الرقابة على المصارف في 2 تشرين الأول 2020. ورغم تكرار الانتهاكات، تبدو اللجنة وكأنها "مكتوفة الأيدي" من دون القيام بدورها المنصوص عليه في المادّة 9 من قانون رقم 28/67 لناحية حسن تطبيق النظام المصرفي.

وتطبيقاً لمبادئ الحوكمة، المعيار المطلوب تطبيقه من المجتمع الدولي في القطاعين العام والخاص والذي يسوّق لوضع قواعد ومبادئ لإدارة ومراقبة المؤسسات، تمّ إنشاء "وحدة حماية المستهلك" في لجنة الرقابة على المصارف. لكن المفاجأة أنّ موظفاً وحيداً يعمل فيها، في مؤشر على مدى الاهتمام الذي يوليه القطاع المصرفي لحماية المودعين.

ورغم آليّات شكاوى المواطنين الموجودة وحقّ المصرف المركزي بإنزال العقوبات على المصارف المخالفة للتعاميم (المادة 208 من قانون النقد والتسليف) بدءاً من التنبيه وصولا إلى الشطب من لائحة المصارف، إلّا أنّ أي تحرك جدي لم يبصر النور.

تضارب المصالح

ويُفترض أن تتمتّع اللجنة بالاستقلالية والشفافيّة لمراقبة عمل المصارف، إلا أن التدقيق في آلية تعيين أعضائها الخمسة، ويتمّ عبر مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، يظهر أن الأخير يقترح إثنين منهم بينما تسمّي كل من جمعية المصارف ومؤسسة ضمان الودائع ومصرف لبنان عضواً يمثّلها. ونظراً إلى كون أربعة من أصل سبعة أعضاء في مجلس إدارة مؤسّسة ضمان الودائع تنتخبهم المصارف المساهمة، فهذا يعطي للمصارف صوتاً وازناً داخل اللجنة.

وانطلاقاً من امتلاك جمعية المصارف حصّة وازنة في الهيئات الماليّة، فمن شأن ذلك أن يتيح للمصارف التفلّت من رقابة المصرف المركزي، وهو ما يشكّل عيّنة عن تضارب مصالح كرّسه القانون لجهة آليات الرقابة على المصارف.

في التعيينات الأخيرة، طرحت أسماء عدد من الخبراء والأكاديميين لتولّي المهام في الهيئات الماليّة منها لجنة الرقابة على المصارف. ورست التعيينات في لجنة الرقابة على المصارف على مايا دبّاغ رئيسة للجنة (سنيّة، وهي عضو مجلس إدارة غير تنفيذية في بنك البحر المتوسّط وكانت رئيسة دائرة في لجنة الرقابة على المصارف)، والأعضاء: كامل وزني (شيعي مقرّب من حركة أمل)، جوزف حداد (كاثوليكي من حصّة رئيس الجمهورية)، مروان مخايل (ماروني طرحته جمعيّة المصارف) وعادل دريق (أرثوذكسي مقرّب من تيار المردة).

وطغى منطق المحاصصة السياسية والطائفية على التعيينات. وبدا ذلك واضحاً بعدما تداولت وسائل الاعلام أسماء المرشحين مع ربطها بمرجعياتها السياسية والطائفية من جهة وتهديد رئيس تيار المردة، الوزير السابق، سليمان فرنجية بالخروج من الحكومة برئاسة حسان دياب بسبب اعتراضه على سياسة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل والتي اعتبرها "احتكارية" للمواقع الرسميّة الماليّة ضمن الطائفة الواحدة، من جهة أخرى.

ويقول الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمّود إنّ ما يحصل من تدخّلات سياسيّة في التعيينات الماليّة وفي اللجنة أمر معيب ويشكّل ضرباً للشفافية والاستقلاليّة في كثير من الأحيان.

ويعتبر أن مشكلة لجنة الرقابة تكمن في القانون الذي لا يجعل منها سلطة ناظمة، ويحصر دورها بالمراقبة ضمن تعاميم المصرف المركزي. ومن هنا وجوب تعديل القانون وزيادة الصلاحيّات، لكنّ الوقت راهناً ليس مناسباً لذلك.

رقابة "متفرجة"

وفي هذا الإطار، يوضح مصدر مصرفي لـ "مهارات نيوز"، رفض الكشف عن اسمه، أنّ اللجنة على تماس دائم ومباشر مع المصارف والمصرف المركزي لكنّها لم تمارس دورها الرقابي المطلوب منها. ويميّز بين "رقابة فعّالة ورقابة متفرّجة"، معتبراً أن "جزءاً مما أوصلنا إلى هذا الانهيار هو هذه الرقابة المتفرّجة".

في مثال على ذلك، يورد المصدر أنّ اللجنة كانت على دراية منذ سنوات بالخسائر التي تتكبّدها ميزانية المصرف المركزي، وانعكاس ذلك على وضع وميزانيّات المصارف. وبالتالي، كان عليها التدّخل للضغط ووقف السياسات الماليّة المتّبعة، خصوصاً أنّ كافة التعميمات الصادرة عن المصرف المركزي تمرّ عبر لجنة الرقابة، حتّى أنّها تشارك في إقرارها.

لا يحمّل المصدر المسؤولية كاملة للجنة باعتبارها جزءاً من نظام اقتصادي سياسي تتنافى منهجيته الريعيّة التحاصصيّة مع أي مبدأ من مبادئ الحوكمة. ويذهب إلى حدّ وصف التعيينات بـ"الكارثة". وفيما البنوك تصرف موظّفيها على وقع الأزمة المستمرة في البلاد، تستمرّ السلطة بتعييناتها الطائفية في الهيئات الماليّة آخرها انشغال لجنة الرقابة على المصارف بتوظيف 10 موظّفين مسلمين و10 مسيحيين (توظيفهن وين؟)، بناء على ما تمّ الموافقة عليه في الهيئة المصرفيّة العليا في تشرين الثاني الماضي.

في دليل على المزاوجة بين السلطتين السياسية والمصرفية، خلص الباحث جاد شعبان في دراسة صادرة عام 2016 إلى أنّ ثماني "عائلات سياسية" تسيطر على 32% من كامل أصول القطاع المصرفي.

وقال إنّ 18 من بين أكبر عشرين مصرف في لبنان، على علاقة وثيقة بمسؤولين سياسيين حاليين أو سابقين، سواء عبر تملّك هؤلاء أو أقاربهم أسهماً فيها أو عبر تعيينهم في مجالس إدارتها أو كمدراء تنفيذيين لديها. وقدّر شعبان أنّ 43% من الأصول في القطاع المصرفي مرتبطة بمصالح مسؤولين سياسيين، ممّا يفسّر هذه العلاقة بين السلطة السياسيّة والتعيينات في الهيئات الماليّة ومعاييرها.

"الخصم والحكم"

في معرض تفنيده لمنهجيّة التزاوج الحاصل بين السلطة السياسيّة والقطاع المصرفي، يربط الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور حسن مقلّد أزمة القطاع المصرفي ولجنة الرقابة على المصارف بالسياسة مباشرة وبالنهج المتبّع من الدولة كاملة منذ سنوات بمخالفة الدستور.

ويشرح أنّ التعيينات كافة لا تعتمد معيار الكفاءة، بل معيار تسمية "زلمة الزعيم" خدمة للنظام الزبائني، وهو ما يعزّز تحكّم السياسة بمفاصل البلد كافة ضمنها القطاع المصرفي. وبما أنّ القطاع المصرفي قد سلّف الدولة المليارات منذ سنوات، من دون الاستناد إلى معايير محدّدة، رغم كل الفساد الذي شاب أداء السلطة السياسيّة، فقد أصبحت السياسة المصرفيّة في خدمة النقد دون ممارسة أي رقابة جديّة.

وعوض أن تلتزم لجنة الرقابة بالقانون خصوصاً لناحية الرقابة والمحاسبة، أقدمت وفق مقلّد على ارتكابات كثيرة، على غرار النقاش المتعلّق بالكابيتال كونترول. ورغم أنّه لم يقرّ كقانون، لكن تمّ الاتفاق بشأنه خلال اجتماع موسّع في القصر الرئاسي. ولم يحل ذلك دون تحويل مبالغ مالية ضخمة إلى الخارج.

كما تتحمل لجنة الرقابة جزءاً كبيراً من المسؤولية في ما يتعلّق بمعايير التسليف للقطاع الخاص ورفع الفوائد، على غرار ارتفاع الفوائد الممنوحة على الأموال المودعة بالليرة اللبنانية قبل بدء معالم الانهيار الاقتصادي.

انطلاقاً مما تقدّم، يبدو واضحاً أنّ تداخل المصالح بين القطاع المصرفي والسلطة السياسيّة يطيح بمبدأ الشفافيّة وتكريس القطاع المصرفي لخدمة هذه المنظومة.

في مقال نشرته المفكرة القانونية في نيسان 2020، يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي هشام صفي الدين كيف أن الأغلبية داخل كل من لجنة الرقابة ومؤسسة ضمان الودائع والهيئة المصرفية العليا، هي بيد جمعية المصارف أولاً، ثم مصرف لبنان ثانياً، فالسلطة السياسية ثالثاً.

ويستنتج أن هذه التراتبية "تقلب مفهوم الرقابة رأساً على عقب، لتصبح المصارف تمارس نوعاً من الرقابة الذاتية تحت غطاء القانون وبالتواطؤ مع السلطة السياسية". ومن هنا، يعتبر صفي الدين أنّه "لا عجب إن ازدادت سلطة مصرف لبنان وسطوة جمعية المصارف، فاحتكر المصرف القرار النقدي وتلكّأت المصارف عن معاقبة أو حتى إصلاح ذاتها، بل وباتت تحلّ محل المشرع الأصلي كما نشهد اليوم، أي الخصم والحكم".

TAG : ,لجنة الرقابة على المصارف ,مصرف لبنان