Loading...
الرقابة الذاتية للنساء على مواقع التواصل: إقصاء للرأي النسوي

 

مع بدء الاحتجاجات في لبنان احتلت النساء الصفوف الامامية في التظاهرات وقدن مجموعات في مختلف المناطق اللبنانية. هذا الدور الريادي للمرأة في الساحات لم ينعكس بنفس النسبة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بينت منصة احتجاجات لبنان ان النسبة التي احتلتها النساء على موقع تويتر كانت فقط حوالي ٢٧٪. هذا التفاوت كان ظاهرا ايضا في دراسة كانت مهارات قد اصدرتها حول رصد الاعلام الانتخابي من منظور جندري في انتخابات ٢٠١٨.

كثيرة هي التحديات التي تعيق المرأة من التعبير على مواقع التواصل. تحديات ترسم لها خطوطا حمراء وتجعلها تمارس رقابة ذاتية على تعبيرها ونشاطها الرقمي.

"انضبي" احدى الكلمات المهينة التي تلقتها سارة سويدان على صفحتها الفايسبوكية بعد تعبيرها عن رأيها على خلفية مشاركتها في ثورة 17 تشرين. تعيش سارة في مجتمع ذكوري قررت مواجهته على مختلف الأصعدة بدءًا من التمرد على سلطة رجال الدين مرورا بالسلطة السياسية وصولا الى الأمور المعيشية والحياتية والنسوية. قبل الثورة كان لها مواقف عديدة ما لبثت أن تبلورت بعد مشاركتها في التظاهرات. المعوقات بالنسبة لسارة كانت كثيرة أصعبها كان حرمة التطرق الى المواضيع التي تخص الأحزاب وسلطتها. تقول سارة لـ "مهارات نيوز" "لاني امرأة تكرس هذا الممنوع أكثر كون المرأة في مجتمعنا تابعة الى رجل وإلى أب. وهذا ما يؤدي إلى ممارسة القمع عليها بشكل أكبر، لذلك صرت اتحفظ عن تسمية السياسيين الفاسدين بالاسماء كما هي، خوفا من بطش الأحزاب لي وسلطتهم التي من الممكن أن تؤدي إلى خسارتي لعملي أو عمل زوجي وتحكمها في مصدر رزقنا".

خطوط حمراء رسمتها المرأة اليوم لنفسها على مواقع التواصل الاجتماعي، قيّدت حريتها في التعبير خوفًا من الحملات الالكترونية التي ممكن أن تواجهها من متابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي. لجأت المرأة إلى رقابة ذاتية خوفًا من الاضطهاد الذي يمكن ان يمارس بحقها في حال خوضها للنقاشات الحساسة او التمرد على التابوهات من خلال مواقفها التي تنشرها على شكل بوستات على صفحاتها الشخصية. حرية  المرأة على الانترنت مشروطة. قيود تتحكم في استغلالها لمساحتها الالكترونية كما تريد وتجعلها تمتنع عن الدخول في نقاشات وجدالات وتنشر رأيها وقناعاتها الشخصية وصولاً إلى امتناعها عن نشر صورها حتى ممارسة الصمت الالكتروني.

أكد استطلاع أجرته منظمة العفو الدولية على الإنترنت حول تجارب النساء من المضايقات التي يتعرضن لها على منصات التواصل الاجتماعي انعكاس هذه المضايقات على نشاطهن الرقمي وإسكاتهن او ممارستهن نوعا من الرقابة. اذ أعرب نسبة من النساء المستطلعات تتراوح بين 63٪ و 83٪ أنهن أجرين التغييرات على طريقة استخدامهن لوسائل التواصل الاجتماعي، وقالت 32٪ من النساء المستطلعات إنهن توقفن عن نشر محتوى يعبر عن رأيهن في بعض القضايا.

وقد اعتبرت المقررة الخاصة حول العنف ضد النساء لدى للامم المتحدة دوبرافكا سيمونوفيك ان ضمان انترنت خالي من العنف المبني على الجندر يعزز حرية التعبير ويتيح للنساء ان يشاركن في كافة المساحات العامة وهو بالتالي اساسي لتمكين النساء.

خوف المرأة من العنف الالكتروني الذي هو امتداد للعنف الواقع على النساء، ولا تختلف آثاره عن أنواع العنف الأخرى، جعل النساء يتريثن ويحتطن عند التعبير عن رأيهن فيما يخص الموضوعات الحساسة.  حالة عامة تعيشها النساء تصبح اكثر صعوبة في المجتمعات التقليدية الذكورية. ففي حال مخالفة هذه الآراء للصورة النمطية التي وضعتها الأعراف والتقاليد في هذه المجتمعات التقليدية، فإنها ستكون عرضة للحملات المشوّهة لصورتها، حيث يستسهل المهاجمون المساس والتداول بالقصص الشخصية كالعائلة والشرف وهذا ما يجعل الأضرار على المرأة المستهدفة كبيرة ووخيمة في مجتمع ذكوري تتمركز السلطة فيه لدى الرجل . فتجد المرأة نفسها في مواجهة آراء وحملات تتعرّض لسمعتها أو للتنمر وغيرها من أنواع الاساءة. وتفاديًا لكل ذلك تلجأ المرأة إلى اغلاق صفحاتها والابتعاد عن هذا العالم. نسبة قليلة من النساء من تتجرأ على التعبير والرد على الحملات الالكترونية بحقها على خلفية ابداء رأيها تجاه موضوع حساس.

"استطيع ضبط افعالي وعدم إظهار آرائي عندما أشعر بأنها ستسبب لي المشاكل وربما لن يتقبلها الآخرون". تقول احداهن.  المجتمع الالكتروني شأنه كشأن المجتمع الواقعي لا يرحم المرأة عند التعبير بحرية على حسابها الشخصي وهذا ما سيبقى وصمة تنتقل من العالم الافتراضي إلى العالم اليومي لذلك تمتنع الكثير من النساء خوفًا من تحولها إلى مادة متناقلة تضر بنفسها وسمعتها قد تؤدي في كثير من الأحيان من حرمانها من أمور كثيرة بينها الوصول إلى الانترنت بحسب السلطة المجتمعية والأبوية التي تسيطر على واقعها وحياتها.

الدين والسياسة من الخطوط الحمراء

الحشد لهجوم الكتروني لا يحتاج إلى الكثير من العمل والتخطيط، قدّم رأيًا معارضًا واحدًا فيما يخص المقدسات السياسية، الحزبية، الدينية، النسوية ستجد الهجوم قد بدأ. الشرف، العائلة، شتائم من كل حدب وصوب متناولة الأعضاء التناسلية للمرأة، العقل، كل هذا يصبح في متناول المهاجمين باستخدام ألفاظ وتعابير دون المستوى. تفاديًا لكل هذا، تجد النساء نفسها أمام رقابة ذاتية وحدودًا ترسمها لحماية نفسها.

وتتمثل الخطوط الحمراء التي تضعها النساء لنفسهن بعدم التطرق إلى المواضيع الحساسة. تقول سيدة لـ "مهارات نيوز" " التعبير عن آرائي التي تعتبر من قبل البعض خارجة عن التقاليد والنمطية بشكل كبير، وخاصة فيما يتعلق بالدين، المواضيع الجندرية، والسياسة، تسبب لي بعض التعب النفسي والمشاكل مع العائلة خاصة، والمجتمع المتلقي للفكرة، حيث ان البعض يدعم، البعض ينتقد بشكل محترم، والبعض الآخر ينتقد او يتهجم بطريقة جدا سلبية وعدائية. علما انني دائما ما اتوخى الحذر بالطريقة التي اعبّر فيها عن آرائي، وادرس الاسلوب والكلمات الى ابعد الحدود."

بعض المواضيع ممنوع على النساء الخوض فيها كالسياسة والدين حيث تتعرض إلى كثير من الانتقادات على خلفية مواقفها بينما يرحب المجتمع الالكتروني ببقائها في عالم السفر والموضة. أما في حال خوض المرأة في نقاشات تحث عن الخروج عن المألوف وقانون المجتمع المبني على عادات وتقاليد فإن هذا سيجعلها خارجة عن إطار المنظومة وليس بعيدًا اتهامها بالقصور الفكري او الأخلاقي.

تقول نسرين مرعب لـ "مهارات نيوز" " كنت شخصًا عفويا للغاية، أكتب كل ما يدور في رأسي وهذا ما جعلني عرضة لحملات كثيرة، في إحدى المرات تم سرقة صوري وتم تداولها مع شتائم في كل المواقع. لذلك صرت أمارس رقابة ذاتية واتبع اسلوبًا بعيد عن الاستفزاز". عمدت نسرين الى طريقة جديدة في نشر آرائها "صرت أفكر كيف سيقرأ الآخر منشوري، هل سيعمد إلى شتمي أم مناقشتي في الفكرة وهذا نجح في نسبة كبيرة، إلا أن هناك من سيبقى يستهدفني في كل رأي أنشره على صفحتي".

الرقابة الذاتية او الحسابات الوهمية

ترى ميريام صفير مديرة المعهد العربي للمرأة أن لجوء النساء إلى الرقابة الذاتية ناتج عن انتمائهن إلى المنظومة أو المجموعة التي لا تحترم خوض المرأة في مواضيع حساسة. انطلاقًا من ذلك تتخذ النساء قرار عدم خوض المعارك. وتشرح "النساء مجبورات برسم حدود لانفسهن على مواقع التواصل أكثر من الرجال نتيجة لعيشهن داخل المنظومة الابوية وتحكمها في حياتهن".

هذا الواقع تعيشه النساء في كل العالم، وهي معضلة عالمية تعاني منها النساء لإسكاتهن كل بحسب القيود المفروضة عليهن في المكان الذي يعشن فيه إلا أن المطلوب اليوم بحسب صفير إيجاد طرق لحماية النساء من خلال مدونة سلوك عالمية وجهود تقوم بها الجمعيات والمؤسسات العالمية التي تعمل على مكافحة العنف الالكتروني على النساء.

بعض النساء وجدن الحل في إنشاء حسابات وهمية تبعد عنهن الشبهات بهدف التعبير عن رأيهن بحرية حتى في المواضيع الممنوع عنها النقاش. فيلجأن إلى البوح بما يردنه والتفريغ عن غضبهن تجاه ما يحصل من أحداث تجدنها مثيرة للاهتمام. فالحساب الوهمي يزيح عنهن تحمل الاهانات والشتائم التي يكيلها المعلقين على صفحاتهن.

 

TAG : ,self censorship ,women ,freedom of express ,online violance ,العنف الالكتروني على النساء