Loading...

الذكاء الاصطناعي: سلاح تحرش وتنمّر على نساء الشأن العام

 

صور مفبركة، ومحتوى ذو طابع جنسي، وحملات تشهير، واتهامات بالعمالة: في لبنان، يوفّر الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة للتحرّش بالنساء الناشطات في الشأن العام. وتُظهر حالة وزيرة وشهادتا صحفيتين ظاهرة عالمية تتفاقم بوتيرة أسرع من تطوّر الوسائل القانونية والتقنية الكفيلة بالحدّ منها.

 

شيطان أحمر بقرنين يحمل رمحاً ثلاثي الشعب، لكن بوجهٍ مألوف: نظارات طبية، شعر قصير مبيَضّ، وأقراط دائرية. لم يكن رسماً كاريكاتورياً عابراً، بل واحدة من عشرات الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي التي اجتاحت المنصات مستهدفةً وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، بعدما أثار تمسّكها المعلن بإجراء الامتحانات الرسمية في ظل الأجواء الأمنية المتوترة التي رافقت الحرب، موجة غضب واسعة.

 

لم يناقش الغاضبون القرار التربوي بحجج تربوية. بدلاً من ذلك، ظهرت حسابات تحمل اسماً محرّفاً ساخراً، إضافة إلى صفحات كراهية أُنشئت خصيصاً ضد الوزيرة، وانهالت صور تُظهر الوزيرة شيطانةً وساحرةً و"شريرة"، من بينها صورة تركّب وجهها على جسد شخصية "شرشبيل"، الشرير الشهير في مسلسل "السنافر" الكرتوني. وحين خضعت الصورتان لأداة الكشف "Hive Moderation"، قدّرت الأداة احتمال أن تكون كل منهما مولّدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%، فيما رجّحت بنسبة أدنى بوضوح (75.7%) أن يكون النموذج المستخدَم هو "Gemini 3".

 

Picture 1

الصورة الثانية المتداولة: تحليل Hive Moderation قدّر احتمال توليدها بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99.9%. وتجدر الإشارة إلى أن كواشف المحتوى المولَّد أدوات احتمالية قد تخطئ في الاتجاهين، إثباتاً ونفياً.

 

النمط نفسه تكرّر مع نساء أقلّ حمايةً من الوزيرة. مايا* صحفية لبنانية شابة نشرت خلال الحرب فيديو ميدانياً حصد انتشاراً واسعاً. وبحسب شهادتها لمعدّة التحقيق، لم تكن مكافأتها سوى حساب مجهول بدأ ينشر صوراً جنسية مفبركة لها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مرفقة بعبارات من قبيل "إسرائيل تحب مايا"، في محاولة مزدوجة لتشويه جسدها وولائها معاً، وهي واقعة لم يتيسّر حتى الآن توثيقها من مصدر مستقل.

 

أما الصحفية لين*، فوجدت صورتها من التغطية الميدانية وقد عُدّلت لتظهر بين جنديين إسرائيليين يصوّبان نحوها، على حساب أجنبي يتابعه عشرات الآلاف. وبعد تعرّضها لاعتداء جسدي أثناء التصوير في بيروت، انهال على منشورٍ وثّق الاعتداء 148 تعليقاً أحصتها بنفسها: انتقادات لشكلها، إيحاءات جنسية، واتهامات بالعمالة. تقول: "التعليقات كانت أشدّ إيذاءً من الاعتداء نفسه. الشخص الذي اعتدى عليّ تشاجرت معه وانتهى الأمر، أما هذا الكلام الذي كنت أقرؤه من أشخاص متخفّين خلف حسابات وهمية فكان أقسى بكثير".

 

رواية الوزارة: حملة منظّمة لا نقاش تربوي

يؤكد مصدر مقرّب من وزيرة التربية أن الوزيرة والوزارة كانتا على علمِ بالحملة منذ بدايتها، وأنها تدرّجت من نشر معلومات مغلوطة إلى هجوم شخصي ثم إلى "ترند" على منصات التواصل. ويقول المصدر إن الوزارة حاولت في المقابل أن تشرح موقفها وتنشر الدراسات والأرقام عن أعداد الطلاب والنازحين وخطة المناهج، "لكن هذه الرسائل لم تكن تصل، أو كانت تصل أضعف بكثير من الحملة التي تُشنّ عليها".

 

ويصف المصدر حجم الحملة بأنها كانت "عنيفة استُخدمت فيها كل الوسائل" من تجريح وشتيمة، وأن هاتف الوزيرة كان يصله في بعض الأيام ما بين 700 وألف رسالة في فترات زمنية متقاربة، عبر ما يصفه بـ"ذباب إلكتروني منظّم" من أرقام وهمية وأحياناً حقيقية، بعضها من طلاب. وتحوّلت الحملة، بحسب المصدر، إلى فرصة للظهور: "أخذ كل من أراد أن يَظهر أو يتعاطف أو يَبرز ينشر عن الوزيرة، حتى توقّف النقاش حول الامتحانات والتربية وتحوّلت المواجهة إلى شخصها: تارةً على شعرها، وتارةً على إكسسواراتها، وتارةً على لون تنورتها."

 

وعلى الرغم من ذلك، لم تتقدّم الوزيرة بأي شكوى قانونية، وهو ما يضعه المصدر في "إطار الترفّع عن شخصنة الموضوع": "كانت تتحدث بالعلم وبالأرقام، فلم تذهب لترفع دعوى شخصية على أحد". أما على مستوى الحلول، فيشير المصدر إلى خطة "التماسك الاجتماعي" التي تعمل عليها الوزارة ضمن المناهج بالتنسيق مع وزارات الثقافة والإعلام والشباب والرياضة، فيما يبقى ضبط التعاطي على منصات التواصل عبر إطار قانوني مطروحاً لدى وزارة الإعلام.

 

أبعد من التحرش: تنمّر رقمي ممنهج

ما يجمع الوزيرة والصحفيتين ليس "تحرشاً رقمياً" بالمعنى الضيق فحسب، بل تنمّر إلكتروني ممنهج يستهدف النساء في الشأن العام تحديداً: تشويه الصورة، الشيطنة، التسخيف، والتجريد من الكفاءة، من دون مناقشة قرار واحد أو فكرة واحدة.

 

الأرقام الدولية تؤكد أن ما يحدث في لبنان نمط عالمي يتفاقم. فبحسب مسح "Tipping Point" الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025 عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية الأوروبية بالتعاون مع اليونسكو وICFJ وبمشاركة بحثية من جامعة City St George's في لندن، وشمل 119 دولة، تعرّضت 70% من النساء العاملات في الشأن العام للعنف الرقمي في إطار عملهن، وأفادت 41% منهن بأذى واقعي مرتبط به، فيما ترتفع النسبة بين الصحفيات إلى 75%. وفي لبنان، تشير أحدث إحصاءات قوى الأمن الداخلي، كما أوردتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن 80% من ضحايا العنف الرقمي المبلَّغ عنه هم من النساء.

 

Picture3

 

أما حين يدخل الذكاء الاصطناعي على الخط، فتصبح الأرقام أكثر إنذاراً: 98% من فيديوهات "الديب فايك" على الإنترنت محتوى إباحي، و99% من ضحاياه نساء، وفق دراسة "State of Deepfakes" الصادرة عام 2023، والتي رصدت ارتفاع عددها 550% بين 2019 وذلك العام، وهي أحدث رصد شامل متاح لهذه الظاهرة. وكشف الجزء الثاني من "Tipping Point" الصادر في نيسان/أبريل 2026 أن 6% من النساء في الشأن العام وقعن فعلاً ضحايا ديب فايك، و12% تعرّضن لنشر صور حميمة من دون موافقتهن، وشُخّصت واحدة من كل أربع بقلق أو اكتئاب مرتبط بالعنف الرقمي، فيما تمارس 41% رقابة ذاتية على منشوراتهن تجنّباً للإساءة.

 

Picture4

 

 

كيف يُصنع المحتوى، وكيف يُكشف؟

لم يعد إنتاج هذا المحتوى يتطلب خبرة تقنية: تكفي صورة واحدة متاحة علناً لتوليد عشرات النسخ المشوِّهة خلال دقائق عبر نماذج توليد الصور، وتكفي، كما تقول لين، "عشر ثوانٍ من صوتك لتُركَّب لك محادثة كاملة لم تقلها". وفي المقابل، تتيح أدوات كشف مثل "Hive" تقدير احتمال أن يكون المحتوى مولّداً وتحديد النموذج المستخدَم، وهي الأداة التي استُخدمت في هذا التحقيق لفحص الصور والفيديو المستهدِفة للوزيرة كرامي. لكن يبقى الكشف أبطأ من الانتشار: فبحلول صدور نتيجة التحليل، تكون الصورة قد وصلت إلى آلاف الشاشات، ولأن المحتوى "يُصنَع بطريقة محترفة"، كما تقول الصحفية، "فإن الناس ستصدّقه، لأنه لم يعد أحد قادراً على التمييز".

 

المشكلة في المجتمع قبل الأداة

"مع تطوّر الذكاء الاصطناعي، تغيّر التحرش الرقمي في طبيعته لا في حدّته فقط؛ أصبحنا نرى أخباراً مزيّفة تُصنَع بالصور والفيديوهات، وهي دائماً أشدّ خطراً على النساء منها على الرجال"، يقول عبد قطايا، مدير المحتوى الرقمي في منظمة "SMEX" المعنية بالحقوق الرقمية.

 

ويلاحظ قطايا أن الحملات تتصاعد عند اللحظات السياسية: ترشّح امرأة، أو اتخاذها قراراً مثيراً للجدل، كما في حالة الوزيرة كرامي: "غالباً ما تُستعمل الإهانة بحق النساء العاملات في الشأن العام، وتكون الإهانة شخصية؛ لا يحاولون حتى النقاش في السياسة أو الوقائع". ويضيف: "الخطر لا ينطلق من أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة فحسب، بل من طريقة تفكير المجتمع ونظرته إلى النساء".

 

قانونياً، يبدو لبنان متأخراً عن سرعة التهديد. يشرح قطايا: "نحن في لبنان لا نملك قوانين مباشرة خاصة بالمجال الإلكتروني؛ الموجود هو قانون العقوبات، وقانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي لعام 2018، وقانون تجريم التحرش لعام 2020"، من دون أي نص خاص بالمحتوى المفبرك أو العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي: "ليس لدينا خطة وطنية، ولا حتى لجنة وطنية لهذا الموضوع".

 

وتوافق لين من موقع التجربة: "أول ما نحتاجه هو قوانين حقيقية تحاسب فعلاً. ضد من أقدّم دعوى؟ ضد مجهول؟". وتلفت إلى أن السلطات نفسها لا تأخذ العنف الرقمي على محمل الجد: "يشعرون أنه ليس عنفاً حقيقياً؛ العنف الحقيقي بالنسبة إليهم هو أن يأتي شخص ويضربك".

 

من التشريع إلى المنصات: أربعة مستويات للمواجهة

الوقائع الثلاث في هذا التحقيق، وزيرة شُيطنت لقرار تربوي، وصحفية فُبركت لها صور جنسية، وثالثة وُضعت رقمياً بين بندقيتين إسرائيليتين، تفرض تحركاً على أربعة مستويات لا يحتمل التأجيل.

 

على المشرّعين إقرار إطار قانوني يجرّم صراحةً إنتاج ونشر المحتوى المفبرك المسيء، مع تشديد العقوبات على الابتزاز الجنسي والمالي، وإنشاء اللجنة الوطنية التي يطالب بها الحقوقيون. وعلى المؤسسات الإعلامية والرسمية اعتماد بروتوكولات حماية واضحة، من إدارة التعليقات المسيئة إلى الدعم القانوني والنفسي، بدل ترك المستهدَفات وحيدات أمام مئات التعليقات. وعلى المنصات الرقمية تسريع الاستجابة للبلاغات ووسم المحتوى المولَّد. أما النساء العاملات في الشأن العام وفرقهن، فينصحهن قطايا بالاستثمار في مهارات السلامة الرقمية، التقنية والنفسية معاً.

 

وحتى يتحقق ذلك، تبقى القاعدة الأولى بيد الجمهور نفسه: قبل أن تشارك صورة "فاضحة" أو "صادمة" لامرأة في الشأن العام، اسأل أولاً: مَن صنعها؟ ولماذا؟

 

* "مايا" و"لين" اسمان مستعاران، استُخدما لحماية هوية الصحفيتين بناءً على طلبهما.

 

تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. واستُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه. ويُنشر بالتزامن مع Levant Time.

 

TAG : ,الذكاء الاصطناعي ,سلاح تحرش ,تنمّر ,نساء الشأن العام