Loading...

الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار مَن يكتب الخبر ومَن يتحمل مسؤولية الخطأ؟

 

في غرفة تحرير جريدة «الأخبار» المصرية، بدت المهمة بسيطة. مادة صحفية واحدة، وثلاث من أدوات الذكاء الاصطناعي، والمطلوب إنتاج إنفوجراف خبري بالاعتماد على النص نفسه. خلال دقائق، أنجزت الأدوات الثلاث المهمة، وبدت النتائج للوهلة الأولى متقاربة من حيث الشكل وسرعة التنفيذ. لكن المقارنة الدقيقة مع النص الأصلي كشفت واقعًا مختلفًا؛ إذ غيّرت إحدى الأدوات تواريخ أحداث، وحذفت أخرى رقمًا جوهريًا، بينما كانت الأداة الثالثة الأقرب إلى الحفاظ على البيانات كما وردت في المادة الأصلية.
 

لم تكن التجربة اختبارًا لقدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على التصميم أو سرعة الإنجاز، بل محاولة للإجابة عن سؤال يفرض نفسه على غرف الأخبار اليوم: هل يمكن الوثوق بمخرجات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، ومن يتحمل مسؤولية الخطأ إذا وقع؟
 

هذا السؤال لم يعد نظريًا. فمنذ إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، توسع استخدامها داخل المؤسسات الإعلامية حول العالم بوتيرة غير مسبوقة، بدءًا من الترجمة والتفريغ والتلخيص، وصولًا إلى اقتراح العناوين وصياغة المسودات الأولية وإنتاج الصور والرسوم البيانية. وبينما تتسابق غرف الأخبار للاستفادة من هذه الأدوات، ما تزال الأسئلة المتعلقة بالدقة، والشفافية، والخصوصية، والمسؤولية المهنية تفرض نفسها بقوة.
 

وفي مصر، فالصحفيون يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة، لكن هذا الاستخدام يتقدم بوتيرة أسرع من بناء السياسات المنظمة له أو توفير التدريب الكافي للعاملين في غرف الأخبار. وللإجابة عن هذه الأسئلة، اعتمد هذا التحقيق على أربعة مسارات متكاملة: استبيان شمل 18 صحفيًا وإعلاميًا من مؤسسات صحفية مصرية متنوعة، ومقابلات معمقة مع صحفيين وخبراء في الإعلام والذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، إلى جانب تجربة عملية داخل غرفة تحرير، فضلًا عن مراجعة أحدث التقارير والدراسات الدولية التي تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في الصحافة.ونظرًا لأن حجم العينة بلغ 18 مشاركًا فقط، فإن النتائج الواردة في هذا التحقيق تمثل مؤشرات أولية تعكس آراء المشاركين في الاستبيان، ولا يمكن تعميمها إحصائيًا على جميع الصحفيين أو المؤسسات الإعلامية المصرية.

تكشف نتائج الاستبيان أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الممارسة اليومية داخل غرف الأخبار المصرية. فجميع المشاركين أكدوا أنهم يستخدمون هذه الأدوات بدرجات متفاوتة، فيما قال 50% منهم إنهم يعتمدون عليها بشكل دائم في أداء مهامهم اليومية، بينما يستخدمها آخرون بصورة متكررة أو متقطعة بحسب طبيعة العمل.

 

ولا يقتصر الاستخدام على مهمة واحدة، بل يمتد إلى الترجمة، وتلخيص الوثائق، وصياغة العناوين، والمساعدة في كتابة المسودات الأولية، والبحث عن المعلومات، وإنتاج المحتوى البصري، وهي مهام كانت حتى وقت قريب تعتمد بالكامل على الجهد البشري. لكن هذا الانتشار السريع يكشف مفارقة لافتة؛ فبينما أصبحت الأدوات حاضرة في الحياة اليومية للصحفيين، ما تزال بعض المؤسسات الإعلامية متأخرة في وضع قواعد تنظم استخدامها.
 

وأظهرت نتائج الاستبيان أن 77.8% من المشاركين أكدوا عدم وجود سياسة مكتوبة داخل مؤسساتهم تحدد ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي، فيما قال الباقون إنهم لا يعلمون بوجود مثل هذه السياسات، وهو ما يعني أن أيًا من المشاركين لم يؤكد وجود إطار مؤسسي واضح يحكم استخدام هذه الأدوات.

ضوابط "عرفية"

وتقول ياسمين السيد هاني، مساعد رئيس التحرير بجريدة «الأخبار»، إن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الصحفية يتم في معظم الأحيان بصورة فردية، مضيفة أن الضوابط الحالية «عرفية أكثر منها مكتوبة»، وأن الحاجة أصبحت ملحة لوضع سياسات واضحة تحدد حدود الاستخدام والمسؤوليات المرتبطة به.
 
أما محمد رمضان، رئيس قسم بجريدة «الأخبار»، فيرى أن التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي سبق قدرة العديد من غرف الأخبار على وضع لوائح واضحة تنظم استخدامها، الأمر الذي يجعل الحاجة "ملحّة إلى تطوير آليات فعّالة للتحقق من المعلومات وضمان دقتها قبل نشرها".


وتذهب د. رضوى عبداللطيف، خبيرة صحافة الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي ومديرة مركز أخبار اليوم للتدريب والاستشارات، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن غياب الأطر التنظيمية لا يتعلق بمصر وحدها، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يقترن بالاعتماد المتزايد على أدوات يمكن أن تنتج معلومات غير دقيقة إذا لم تخضع لمراجعة بشرية.

 

لا تتوقف الفجوة عند غياب السياسات، بل تمتد إلى التدريب أيضًا. فقد أظهرت نتائج الاستبيان أن 83.3% من المشاركين لم يحصلوا على أي تدريب مؤسسي يتعلق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، بينما تلقى ثلاثة مشاركين فقط تدريبًا رسميًا داخل مؤسساتهم. وتنعكس هذه الفجوة بوضوح على طريقة الاستخدام. فكثير من الصحفيين يعتمدون على الخبرة الذاتية أو التجربة الشخصية في التعامل مع الأدوات، دون معرفة كافية أحيانًا بحدودها التقنية أو مخاطرها أو آليات التحقق من مخرجاتها.

 

ويرى الدكتور أسامة مصطفى، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، أن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في استخدامه دون فهم لطبيعته وحدوده، موضحًا أن كثيرًا من المستخدمين يتعاملون مع مخرجات النماذج اللغوية باعتبارها حقائق نهائية، رغم أنها قد تتضمن أخطاء أو معلومات مختلقة إذا لم تُراجع بعناية. وأوضح أن هذه النماذج: "صُممت لتكون مُجيبة بدرجة عالية، وعندما تكون غير متأكدة من الإجابة، تقوم بتخمين الكلمات أو المعلومات الأكثر احتمالًا إحصائيًا".

 

ويؤدي ذلك، بحسب تفسيره، إلى احتمالية: "اختراع اقتباسات، أو مصادر وهمية، أو إحصاءات غير صحيحة"، مشيرًا إلى أن النموذج: "لا يستذكر المعلومات مثل الإنسان، بل يولد تسلسلًا من الكلمات بناءً على احتمالات". وقد يؤدي ذلك إلى حذف معلومات مهمة لأنها: "تتعارض مع توقعه الإحصائي للرد المثالي، أو لأنها غير بارزة في بيانات تدريبه".
 

ويؤكد أن أي مؤسسة إعلامية ترغب في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن سير العمل يجب أن تسبق ذلك بسياسات واضحة، وتدريب إلزامي للعاملين، ومراجعة بشرية لكل ما تنتجه هذه الأدوات قبل النشر.

 

اختبار عملي لـ AI

 

بعيدًا عن الآراء والانطباعات، انتقل التحقيق إلى اختبار عملي يقيس أداء أدوات الذكاء الاصطناعي في مهمة صحفية حقيقية لإنتاج إنفوجراف خبري وفق مخطط زمني للتوترات بين إيران وإسرائيل وأميركا، وامتدت من يونيو 2025 حتى يونيو 2026، مقسمة إلى أربع مراحل، وشملت 16 حدثًا بتواريخ محددة وأرقام دقيقة وأسماء عمليات عسكرية ومنشآت نووية.استُخدمت المادة الصحفية نفسها لإنتاج الإنفوجراف بواسطة ثلاث أدوات مختلفة هي ChatGPT (GPT-5.5)، وGemini 2.5 Flash، وClickUp Brain، ثم قورنت المخرجات بالنص الأصلي سطرًا بسطر، بهدف قياس مدى التزام كل أداة بالحقائق والأرقام والتواريخ الواردة في المادة.

 

كشفت النتائج منذ المحاولة الأولى أن سرعة الإنجاز لا تعني دائمًا دقة المخرجات، وأن الاختلافات بين الأدوات لم تكن في جودة التصميم فقط، بل امتدت إلى سلامة المعلومات نفسها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الصحفي، حتى في المهام التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى.

 

عند مقارنة المخرجات بالنص الأصلي، لم تكن الفروق شكلية، بل مست جوهر المعلومات. ففي إحدى الحالات، غيّرت أداة Gemini تاريخين واردين في المادة الصحفية؛، رغم أن النص الأصلي لم يتضمن هذه التعديلات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أعادت أيضًا صياغة بعض العناوين وظهرت أخطاء لغوية في المنتج النهائي.
 

 

أما ChatGPT، فقد وقع في خطأ من نوع مختلف، إذ حذف صفرًا من أحد الأرقام الواردة في النص، فتحول مثلا مدخل أصلي تحت عنوان "عبارة 1000 مسيّرة" إلى "100 مسيّرة" وهو تغيير يبدو بسيطًا بصريًا، لكنه يغيّر المعلومة نفسها بصورة جوهرية، ويؤثر في دقة المحتوى إذا لم ينتبه إليه الصحفي أثناء المراجعة. في المقابل، حافظت أداة ClickUp Brain على الأرقام والتواريخ والبيانات الواردة في النص الأصلي، ولم تُسجل عليه أخطاء معلوماتية، بينما اقتصر القصور على تكرار نصي محدود في أحد العناصر.

 

لا تعني هذه النتائج أن أداة أفضل من أخرى بصورة مطلقة، لكنها تؤكد أن جميعها تحتاج إلى مراجعة بشرية دقيقة قبل النشر، وأن الثقة المطلقة في المخرجات قد تقود إلى نشر أخطاء يصعب على القارئ اكتشافها.

عندما "يهلوس" الذكاء الاصطناعي

ويفسر د. أسامة مصطفى، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، هذه الأخطاء من منظور تقني، موضحًا أنها تُعرف باسم "الهلوسة" (Hallucination)، وهي ظاهرة مرتبطة بطريقة عمل النماذج اللغوية الكبيرة وتؤدي إلى إنتاج مخرجات غير منطقية وغير دقيقة. ويقول إن الهلوسة: "ليست خطأً عارضًا، بل ميزة جانبية مدمجة في طريقة عمل هذه الأنظمة"، ما يفرض على المستخدمين التعامل مع كل مخرج بوصفه مسودة تحتاج إلى تحقق، لا معلومة جاهزة للنشر.
  
 وقد جاءت نتائج التجربة العملية متسقة مع هذا التفسير؛ إذ أظهرت أن الأخطاء قد لا تكون صارخة، وإنما تتسلل في صورة تعديل تاريخ، أو حذف رقم، أو إعادة صياغة قد تغيّر المعنى الأصلي دون أن يلاحظها المستخدم سريعًا.

 

هل يخشى الصحفيون فقدان وظائفهم؟

رغم التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن نتائج الاستبيان تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين الإنسان والآلة.  فقد رأى 50% من المشاركين أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل من دور الصحفي إلى حد ما، بينما اعتبر آخرون أن تأثيره سيكون أكبر، في حين رأى عدد محدود أنه لن يؤثر بصورة جوهرية أو ربما يسهم في تعزيز الإنتاجية إذا استُخدم بالشكل الصحيح.

 

وتكشف هذه النتائج أن المخاوف لا ترتبط فقط بإمكانية الاستغناء عن بعض المهام التقليدية، بل أيضًا بإعادة تعريف دور الصحفي داخل غرفة الأخبار. فكلما أصبحت الأدوات أكثر قدرة على تنفيذ المهام الروتينية، ازدادت أهمية المهارات التي لا تستطيع الآلة القيام بها بسهولة، مثل التحقق من المعلومات، وبناء المصادر، وإجراء المقابلات، وفهم السياق، واتخاذ القرار التحريري.
 

وترى رضوى عبداللطيف أن مستقبل الصحفي لن يتحدد بقدرته على منافسة الذكاء الاصطناعي في السرعة، وإنما بقدرته على توظيفه دون التخلي عن مسؤوليته المهنية. وتضيف أن القيمة الحقيقية للصحفي ستبقى في قدرته على التفكير النقدي، وفهم السياقات، وربط المعلومات، وهي مهارات لا يمكن استبدالها بمجرد إنتاج نصوص أو صور خلال ثوانٍ، مؤكدة أن الصحفي "هو صاحب القرار الأول والأخير والمسؤول الأوحد عن كل ما ينتج حتى لو كان إنتاجًا بالذكاء الاصطناعي".

 

 ورغم أنها ترى أن الذكاء الاصطناعي غيّر الدور بالفعل، إلا أنها تؤكد أن الصحفي يظل "مديرًا لعملية إنتاج المحتوى" ويحتاج إلى مهارات جديدة مثل تحليل البيانات وهندسة الأوامر (Prompt Engineering) أي تصميم وصياغة الأوامر الموجهة للذكاء الاصطناعي لتحسين جودة ودقة المخرجات.

 

ويختلف معها في الرأي "م.أ.ع" محرر غرفة الأخبار في قناة " MBC مصر". ويقول المحرر الذي لم يوافق على ذكر اسمه، أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر دور الصحفي، وإنما "سهّل عمله ووفر الوقت في أداء المهام".
 

 

ورغم أن ياسمين السيد هاني ترى أن أكبر فائدة يقدمها الذكاء الاصطناعي هي "الإنجاز" في أداء المهام المعقدة، إلا أنها تحذر من تأثيراته السلبية على المدى البعيد، موضحة أنه "ينال من المهارات التي لا بد من توافرها لدى الصحفي"، إذ قد يتخلى تدريجيًا عن "القراءة المتعمقة" للمادة الصحفية.

 

الخصوصية... الخطر الأقل ظهورًا

بعيدًا عن أخطاء المحتوى، يبرز تحدٍ آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالبيانات التي يُدخلها الصحفيون إلى هذه الأدوات. ويحذر الدكتور أسامة مصطفى من أن "إدخال بيانات حساسة أو مصادر سرية في أنظمة طرف ثالث يعرضها للخطر، وقد تُستخدم هذه البيانات في تدريب النماذج مستقبلًا دون علم المؤسسة".

 

وتتفق معه رضوى عبداللطيف، مؤكدة أن حماية المصادر ليست مجرد التزام قانوني أو مهني، بل جزء أساسي من أخلاقيات العمل الصحفي، وهو ما يفرض على المؤسسات وضع ضوابط واضحة تحدد نوعية البيانات التي يمكن مشاركتها مع أدوات الذكاء الاصطناعي وتلك التي يجب أن تبقى خارجها تمامًا.

 

وفي ظلّ غياب سياسات داخلية في كثير من المؤسسات، يصبح القرار في أحيان كثيرة متروكًا لاجتهادات الصحفيين أنفسهم، وهو ما يزيد احتمالات الوقوع في أخطاء قد تمس خصوصية البيانات أو سرية المصادر.

 

العالم يتحرك... وغرف الأخبار تتغير

ما يحدث داخل غرف الأخبار المصرية لا يختلف كثيرًا عما تشهده المؤسسات الإعلامية حول العالم، وإن اختلفت سرعة التحول. وبحسب تقرير الأخبار الرقمية (Digital News Report 2024) الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، والذي استند إلى استطلاع شمل 28 سوقًا إعلامية، أبدى 36% من المشاركين ارتياحهم لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار بمساعدة بشرية.وفي تقرير "Generative AI and News Report 2025" الصادر عن المعهد نفسه، انخفضت نسبة تقبل الجمهور إلى 12% فقط عندما يتعلق الأمر بأخبار يُنتجها الذكاء الاصطناعي بالكامل دون تدخل بشري.

 

ويشير تقرير "Generative AI and News Report 2025" أيضًا إلى أن تقبل الجمهور يرتفع إلى 21% عندما يخضع المحتوى لإشراف صحفي، ويصل إلى 43% عندما يستخدم الصحفي الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة، بينما يظل المحتوى المنتج بالكامل بواسطة صحفي هو الأكثر قبولًا لدى الجمهور بنسبة 62%. وتشير هذه النتائج إلى أن الثقة لا ترتبط بالأداة نفسها، بقدر ما ترتبط بوجود إنسان يتحمل مسؤولية التحقق واتخاذ القرار التحريري.

 

كما أن نتائج تقرير أجرته وكالة أسوشيتد برس (Associated Press) والصادر في أبريل 2024، استند إلى استطلاع شمل نحو 300 صحفي وقائد لغرف أخبار، تدعم هذا الاتجاه؛ إذ أظهر أن نحو 70% من المؤسسات الإعلامية المشاركة بدأت بالفعل استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل غرف الأخبار، في مؤشر واضح على أن التحول لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح جزءًا من الواقع اليومي للعمل الصحفي.

 

سرعة الإنجاز ومسؤولية القرار

تدفع هذه المؤشرات إلى إعادة طرح السؤال الأساسي: إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من غرفة الأخبار، فما الدور الذي سيبقى للصحفي؟

 

لا يرى الخبراء أن الإجابة تكمن في رفض التكنولوجيا أو تبنيها بلا قيود، بل في إعادة تعريف العلاقة بينها وبين الصحفي. ويؤكد محمد قنديل، نائب رئيس قسم التحقيقات بجريدة «الأخبار»، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر الوقت والجهد في المهام المتكررة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحكم التحريري أو مهارة التحقق من المعلومات. ويرى أن المؤسسات الإعلامية أصبحت مطالبة بوضع سياسات واضحة " تُلزم بالشفافية والتحقق البشري من كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي".

 

أما محمود محروس، محرر السوشيال ميديا بقناة «الغد»، فيلفت إلى أن التحدي لا يتعلق بسرعة إنتاج المحتوى، وإنما بمدى صدقه وشفافيته. فالجمهور، بحسب رأيه، من حقه أن يعرف متى استُخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج مادة صحفية أو صورة أو تصميم، لأن الإفصاح أصبح جزءًا من بناء الثقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها.

 

وتذهب رضوى هاني، المحررة في «الأهرام أونلاين»، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهل العمل الصحفي إذا استُخدم بوعي، لكنه لا يغني عن الخبرة الصحفية، خصوصًا في التعامل مع الأخبار العاجلة أو القضايا المعقدة التي تحتاج إلى فهم السياق وربط المعلومات والتحقق من المصادر. وأكدت الضمانة الأساسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي دون الإضرار بالمهنية والمصداقية تتمثل في "الإبقاء على الإشراف والتحرير البشري الكامل".

 

وتجمع هذه الآراء، رغم اختلاف زواياها، على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي داخل غرفة الأخبار، بل في غياب قواعد مهنية واضحة تنظم استخدامه.

 

ما الذي تحتاجه غرف الأخبار؟

تُظهر نتائج التحقيق أن الفجوة الحالية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية. فالصحفيون يستخدمون الأدوات بالفعل، بينما لا تزال السياسات الداخلية والتدريب والضوابط المهنية تسير بوتيرة أبطأ من سرعة التطور التقني.

 

ويرى الدكتور أسامة مصطفى أن أي مؤسسة إعلامية ترغب في دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل تحتاج إلى مجموعة من الضوابط الأساسية، في مقدمتها وضع سياسة داخلية واضحة تحدد المجالات المسموح باستخدام الذكاء الاصطناعي فيها، مثل "توليد الأفكار وليس النشر النهائي"، وتدريب جميع الصحفيين والمحررين على فهم قدرات وقيود هذه الأدوات، وعدم إدخال البيانات الحساسة أو الوثائق السرية إلى النماذج العامة، إلى جانب مراجعة الأدوات المستخدمة بصورة دورية لضمان جودة مخرجاتها لضمان الجودة.

 

وتتفق رضوى عبداللطيف مع هذا الطرح، مؤكدة أن الصحفي يجب أن يبقى صاحب القرار الأول والأخير، حتى وإن استعان بأكثر أدوات الذكاء الاصطناعي تطورًا. وتضيف أن هذه الأدوات ينبغي أن تُعامل بوصفها مساعدين رقميين، لا بدائل عن الصحفي أو المحرر.
 

 

ولكن هذه الرؤية تتقاطع مع ما تكشفه التقارير الدولية؛ فالمؤسسات الإعلامية التي نجحت في توظيف الذكاء الاصطناعي لم تفعل ذلك عبر استبدال الصحفيين، بل من خلال إعادة توزيع المهام، بحيث تتولى الأدوات الأعمال الروتينية، بينما يحتفظ الصحفي بالمهام التي تتطلب الحكم المهني، والتحقق، وصناعة القرار.

 

تكشف نتائج التحقيق أن الذكاء الاصطناعي لم يعد احتمالًا مستقبليًا بالنسبة للصحافة، بل أصبح واقعًا يوميًا داخل غرف الأخبار. غير أن هذا الواقع يفرض تحديات لا تقل أهمية عن الفرص التي يوفرها. فالسرعة التي تمنحها هذه الأدوات قد تتحول إلى مصدر للأخطاء إذا غابت المراجعة البشرية، كما أن سهولة الوصول إليها لا تعني بالضرورة جاهزية المؤسسات لاستخدامها بصورة مسؤولة.

 

وتشير التجربة العملية إلى أن الخطأ قد يكون في تاريخ أو رقم أو صياغة تبدو بسيطة، لكنها كفيلة بتغيير مضمون الخبر. كما تكشف نتائج الاستبيان أن غالبية الصحفيين يعملون في بيئة تفتقر إلى سياسات واضحة أو تدريب مؤسسي، وهو ما يضاعف أهمية بناء إطار مهني يواكب هذا التحول.

 

وفي الوقت نفسه، تظهر التقارير الدولية أن المؤسسات الإعلامية حول العالم تتجه إلى دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، لكن مع الإبقاء على الإنسان في موقع المسؤولية النهائية عن المحتوى المنشور، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الثقة في الصحافة لا تُبنى على سرعة إنتاج الأخبار، وإنما على دقتها وشفافيتها.

 

من يكتب الخبر؟

ربما لن يكون السؤال في السنوات المقبلة من يكتب" و"من لا يكتب"، بل بين "من يقرر" و"من ينفّذ"، لأن الإجابة حُسمت بالفعل داخل كل غرفة أخبار. وأصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نضمن أن يظل الصحفي هو صاحب القرار، حتى حين تكتب الآلة النص؟ وكيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟

 

وهنا تكمن الإجابة التي خلص إليها هذا التحقيق؛ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على الكتابة أو التحليل أو التصميم، لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية نشر معلومة خاطئة، أو حماية مصدر صحفي، أو اتخاذ قرار تحريري يوازن بين المصلحة العامة والأخلاقيات المهنية. وقد تنجح الخوارزميات في كتابة مسودة خلال ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تتحمل تبعات نشرها. ولهذا، يبقى الصحفي هو "الحلقة الحاسمة" في معادلة تتغير بسرعة؛ ليس لأنه الأسرع، بل لأنه المسؤول عن التحقق، والسياق، والدقة، والثقة التي تمنح العمل الصحفي قيمته الحقيقية.

 

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل زميلًا جديدًا داخل غرفة الأخبار، لكنه لم يصبح رئيس التحرير، ولم يحل محل الصحفي، إذ تبقى المسؤولية المهنية والأخلاقية في يده لكي يتحقق من المعلومات، ويختار الكلمات، ويقرر ما يصل إلى الجمهور.

 

والتزامًا بالشفافية التي يدعو إليها هذا التقرير فقد تم الاستعانة بأدوات ذكاء اصطناعي هي: ChatGPT (GPT-5.5)، وGemini 2.5 Flash، وClickUp Brain، في البحث الأولي عن بعض المراجع والتقارير الدولية، وتنظيم المعلومات، وتلخيص بعض الوثائق، وتحسين بعض الصياغات اللغوية، إضافة إلى تنفيذ الاختبار العملي الموثق في هذا التحقيق لمقارنة أداء هذه الأدوات في إنتاج محتوى صحفي. وقد خضعت جميع المعلومات والبيانات والاقتباسات والمراجع لمراجعة بشرية كاملة والتحقق منها قبل النشر.

 

تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. واستُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه. ويُنشر بالتزامن مع جريدة "الأخبار" المصرية.

 

TAG : ,الذكاء الاصطناعي ,غرف الأخبار ,الخبر ,مسؤولية الخطأ