Loading...
المؤشر المحلي لمخاطر الفساد في لبنان... بين الإطارين القانوني والتطبيقي

 

شكّلت محاور الرشوة والفساد، تضارب المصالح، حقّ الوصول إلى المعلومات وقانون الشراء العام أساسا لإطلاق المؤشر المحلّي الأول للفساد في لبنان بهدف قياس الفساد في لبنان نظرا لمقاربة قانونية بين القوانين المحليّة والدولية ومقاربة لحجم تطبيق القوانين.

فما هي نتائج المؤشر المحلي لمخاطر الفساد؟

لمحة عن الدراسة

يهدف المشروع إلى تطوير أداة تسمح بتقييم أوجه القصور وحالة الفساد القائمة تكون مرجعا للتقييمات المستقبلية على الصعيدين المؤسسي والعملي، وتكون بمثابة معيار ً وخط أساس لتقديم المشورة بشأن السياسات استنادا إلى تقييم الإطار القانوني، ولتحديد حالات سوء السلوك استنادا إلى تقييم الإطار العملي.

ويرتكز المؤشر في منهجيته كمرحلة أوليّة على تقييم الإطار القانوني للبلد مقارنة ّ بالمعايير وبأفضل الممارسات الدولية إستنادا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد كمرجع أساسي لهذه المعايير إلى جانب  البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي كمراجع تكميلي.

وفي المرحلة الثانية يتمّ تقييم تنفيذ القوانين التي ترعى الإطار القانوني المذكور.

وارتكز المؤشر على دراسة أربعة أبعاد هي تضارب المصالح، الشراء العام، الحق في الوصول إلى المعلومات والرشوة في خمس إدارات عامة لعلاقتها بالوضع الحالي هي وزارات التربية، الشؤون الاجتماعية، الاقتصاد، الأشغال العامّة والاتصالات.

ووضع الشركاء بعد اختيار المعايير الدولية وتحديد الأبعاد قائمة بالمؤشرات التي تشمل تفاصيلا حول الاركان الأساسية التي يقوم عليها كل بعد وقاموا بمقارنتها بالإطار القانوني اللبناني و أعطيت درجة 0 أو 1 أو 2 أو 3 لكل مؤشر من المؤشرات لتمثيل مستوى شمولية القوانين القائمة

وبعد تقييم الإطار القانوني يصار إلى تقييم الإطار العملي بالتوازي مع القوانين اللبنانية الحالية لقياس حجم الامتثال في الإدارات المحدّدة.

تضارب المصالح

يشـكّل إقصاء المصالـح الشـخصية عـن المصالـح العامـة أحـد المبـادئ الأساسية للخدمـة العامّة ويعدّ التخلـف عـن ذلك السـبب الرئيسي لأكثر حالات السلوك الغير أخلاقي في القطاع العام.

ويرد في اتفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد أنّه لا يمكن تحقيق التنظيم السليم لتضارب المصالح في الإدارات العامّة إلاّ بوضع معايير محدّدة وواضحة لذلك فمن الضروري وضع انظمة واضحة بشأن تضارب المصالح لما يشكّل من عائق امام إنشاء إدارات عامة كفوءة.

ومن المعايير الدولية الأساسية في هذا الإطار مبدأ الحظر، إذ يحظر تنفيـذ الأنشطة وإشغال المناصب التي تعتبـر متعارضة مع حسن أداء الواجبات العامة وأيضا وجوب الموظّفين العموميين وأعضاء الحكومة الإفصاح عن مصالحهم الشخصية السابقة والحالية بشكل مستمرّ.

وبحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يجب اتخاذ إجراءات تأديبية في حال تضارب المصالح بأشكال عدّة منها تنحّي الموظّف، سحب أو تصفية مصلحة معينة من قبل الموظف، فرض القيود على الوصول إلى معلومات معينة من قبل الموظف، نقل الموظف إلى وظيفة أخرى أو الإستقالة.

ويقول المتحدّث باسم جمعية "نحن" إنّ السلطة في لبنان قد سرقت بعد الحرب الأهلية ليصبح تضارب المصالح في عمق النظام اللبناني أي سياسة "مرّقلي لمرّقلك"  دون قانون يعرّف تضارب المصالح بشكل واضح رغم التعاميم الإدارية.

وهدفت مقاربة الجمعية لتضارب المصالح إلى توفير قاعدة ملموسة لتقييم ميل القوانين اللبنانية إلى معالجة حالات تضارب المصالح على الرغم من صعوبة تحديد الممارسات التي تشكل مخالفة إذ إن الحدود بين المصلحة العامة والخاصة تتقاطع.

وتمّ اختيار 30 مؤشر في الإدارات المحدّدة لتغطية الإطار القانوني والإطار العملي فيما يتعلق بتضارب المصالح لتكون النتيجة 1.47 درجة كمعدل للتطابق القانوني مع المعايير الدولية و0.75 كمعدّل لتطابق الإطار العملي مع الإطار القانوني اللبناني.

الشراء العام

يشكّل الشراء العام عملية شراء السلع من قبل الحكومة والبلديات وكل الشركات المملوكة من الدولة أي تلك التي تستخدم في نفقاتها المال العام. ويعدّ الشراء العام نشاط معرّض للفساد نظرا لآليته وتعدد أصحاب المصلحة فيه وبالتالي يعرّض التنمية الإقتصادية للخطر ويسبب بخسارة المال العام.

شكّل قانون الشراء العام اللبناني قبل إقرار القانون الحالي والذّي من المفترض أن يصبح نافذا في مهلة أقصاها 12 شهرا مزيجا عفا عليه الزمن ويتألف من قوانين ومراسيم وقرارات تنظم اجراءات خاصّة دون وجود أنظمة موحّدة تغطي قطاع الشراء العام ودون أن تواكب التطور الحديث في مجال الأعمال التجارية والأسواق.

وقد أفاد تقرير للبنك الدولي أن الوظيفة التنظيمية لنظام الشراء اللبناني غير موجودة وأن آليات الشكاوى غير فعالة.

وفي 30 حزيران 2021 تمّ إقرار قانون الشراء العام الذّي يشكّل خطوة مهمة نحو الحوكمة لما يقدّمه من شمولية وتوحيد لأنظمة الشراء العام في كل القطاعات التي تتولى إنفاق المال العام واعتماد الصفقات العمومية التي تضمن منافسة شفافة وبالتالي كلفة أقل على خزينة الدولة.

ويرتكز هذا القانون بحسب الدراسة إلى 8 مبادئ دولية للشراء العام من أصل 12 وضعتهم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وهي التكامل، الشفافية، التنافسية، الفعالية، المساءلة، النزاهة، الكفاءة المهنية، الاستدامة والتنمية المحلية.

وقال المستشار القانوني للجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية محمد المغبط سابقا لمهارات نيوز إنّه في القانون  بعض الثغرات المتعلّقة باستثناءات على مستندات تتعلق بالأمن القومي مما يسمح باستغلال هذه المواد لحجب بعض المعلومات عن الرأي العام ولا يتعرّض القانون بأي شكل من الأشكال لأصحاب الحقوق الاقتصاديَّة للشركات المتعاقدة مع الدولة أي معرفة المالكين الفعليين للشركات. ومن شأن ذلك أن يؤثر سلباً في المستقبل على صعيد الفساد وتضارب المصالح وصرف النفوذ.

وفي نتيجة الدراسة حول الشراء العام في الإدارات المحدّدة إستنادا إلى القوانين والمراسيم القديمة بانتظار تطبيق القانون الجديد بلغ معدل تطابق الإطار القانوني مع المعايير الدولية  1.15درجة  أمّا الإطار التطبيقي للإطار القانوني اللبناني  فكان 0.99 درجة.

الوصول إلى المعلومات

ينصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته التاسعة عشر على الحق بالتعبير بحريّة والحق باعتناق الآراء، وتضمن هذه المادة حقّ الأشخاص في الحصول على المعلومات دون التعرّض لأي قمع

وذكرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مبادئ غدّة بشأن الوصول إلى البيانات من التمويل العام منها سهولة الوصول الى البيانات المفتوحة والشفافية بإعطاء المعلومات واحترام حقوق أصحاب المصلحة واحترام الملكية الفكرية والاستخدام الآمن للتقنيات لضمان سلامة البيانات.

ووفقا للمعاهدات الدولية، هناك معايير دولية أساسية بشأن الوصول إلى المعلومات تتمحور حول كشف أكبر عدد ممكن من المعلومات بشكل مجاني واعتماد آليات لتسهيل الوصول إليها وأن يكون بعضها معلن دون الطلب وأيضا تحديد نطاق المعلومات المستثناة من النشر وأيضا حماية كاشفي الفساد.

أمّا داخليا تعامل لبنان مع مسألة الوصول إلى المعلومات فقط في إطار الحركة العالمية واستغلت منظمات المجتمع المدني هذه الحركة للضغط على الدولة اللبنانية من أجل الاعتراف بحق الوصول إلى المعلومات وقد قدّم القانون إلى المجلس النيابي عام 2009.

ورغم  تصديق للمجلس النيابي على قانون حق الوصول إلى المعلومات عام 2017 إلّا أن الأمر ليس كافيا كضمانة للحصول على المعلومات إذ يترتّب على الدولة اللبنانية ّ التزامات دولية عدّة من شأنها ضمان هذا الحق وحمايته.

وعلى الرغم من التطابق الكبير بين القانون اللبناني والمعايير الدولية إذ بلغ معدل الإطار القانوني 2.41 درجة،  إلاّ أن المشكلة هي في تطبيق هذه المعايير إذ بلغ معدل تطابق الإطار العملي في الإدارات المحدّدة على الإطار القانوني اللبناني 1.31 درجة.

وكمثال على ذلك، استلزم أحد التحقيقات التي قامت بها مهارات نيوز حول السلع المدعومة معلومات من وزارة الإقتصاد لكن المعنيين في الوزارة لم يجيبوا على محاولات التواصل المتكرّرة.

الرشوة

تشكّل الرشوة استغلالا واضحا للسلطة المنوطة بالموظفين لتحقيق غايات شخصية، لذلك سعت الحكومات إلى سن قوانين ترمي إلى حماية المصلحة العامة من أنواع مماثلة من الفساد.

وتمّ وضع معايير دولية لمكافحة الفساد بشكل عام ولمكافحة الرشوة بشكل خاص فكانت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية مكافحة رشوة الموظفين العموميين في المعاملات التجارية الدولية لمنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، الوثيقتين الدوليتين الرئيسيتين.

وتعتبراتفاقية مكافحة الرشوة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والتي دخلت حيّز التنفيذ عام 1999 ملزمة وتضع معايير تجرّم رشوة الموظفين العموميين وتتضمّن أحكاما تتعلق بالمرتشين ومسؤولية الأشخاص المعنويين والعقوبات والمحاسبة وتسليم المجرمين والرصد والمتابعة وغيرها من الأحكام المتعلّقة بالتصديق على الإتفاقية.

وتقول المتحدّثة باسم الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية أسماء فارس إنّ هذه المعايير الدولية ساعدتنا لنستنتج 5 أعمدة أساسية لقياس تطابق الإطار القانوني اللبناني مع المعايير الدولية وهي الأدوات التشريعية، المكافحة ،العقوبات ،السلطات المختصة والسلطات التأديبية وتم على أساسها وضع 27 مؤشر لقياس الرشوة.

ولم يكتف لبنان بالانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بل اعتمد أيضا قوانين عدّة لمكافحة الرشوة بما في ذلك قانون العقوبات، قانون التصريح عن الذمة المالية ومعاقبة الإثراء غير المشروع وقانون محاربة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والمرسوم الإشتراعي رقم 115/1959 المتعلّق بإنشاء التفتيش المركزي.

وينصّ قانون العقوبات في ما يتعلّق بالرشوة "كل شخص منتدب إلى خدمة عامّة التمس أو قبل لنفسه هديّة أو أي منفعة خاصّة ليقوم بعمل هو في الأساس واجبه الوظيفي يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر لثلاث سنوات مع غرامة مالية حسب الجرم".

ويقول المغبط لمهارات نيوز إنّ الجمعية أرسلت كتابا إلى التفتيش المركزي يتضمن أسئلة عن الرشوة فكان الردّ أنه لا يوجد أي قضية رشوة واردة من الإدارات المحدّدة في الفترة الزمنية المحدّدة أي عام 2019.

ويتابع: "لم تقنعنا هذه النتائج خصوصا في النظر للمؤشرات الدولية بما يخص الفساد في الإدارات العامّة في لبنان، لذلك قمنا بالتواصل مع محاميين يتعاملون مع هذه الإدارات والذين أكّدوا بدورهم أن لا معاملة تمرّ من دون دفع رشوة".

ويقول إن الخلاصة هي أن النظام القانوني الخاص بمكافحة جرم الرشوة غير مطبّق إذ أنّ الجهة الرسمية الموكلة بمراقبة الإدارات العامة تفيد أنها لا تملك أي قضية رشوة ولا أي تحقيق جاري.

وقد بلغ معدّل التطابق القانوني اللبناني مع المعايير الدولية في ما يخصّ الرشوة 1.71، أمّا معدل تطابق الإطار العملي في الإدارات المحدّدة على الإطار القانوني اللبناني فبلغ 2.05.

هذا المؤشر أطلقته المنظمة الدولية للتقريرعن الديمقراطية DRI والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية "france expertise"، مبادرة غربال، جمعية الشفافية اللبنانية وجمعية "نحن" في 30 تموز 2021 عبر مؤتمر صحافي بعنوان "مؤشر مخاطر الفساد".

ويدعو الشركاء من خلال هذا النشاط جميع المنظّمات المستقلّة إلى إثراء هذا المؤشر وجعله أكثر شمولية وفعاليّة وشرعيّة من خلال إضافة مواردها ومعالجة المزيد من الأبعاد أو الإدارات ويدعو جميع من يكافحون الفساد إلى استخدام المعلومات المقدّمة كمعرفة تساعدهم في صياغة السياسات أو مراقبة التنفيذ في الإدارات وفي الدولة.

TAG : ,المؤشر المحلي لمخاطر الفساد ,الفساد ,تضارب المصالح ,الرشوة ,حق الوصول إلى المعلومات ,الشراء العام