شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، فلم يعد دورها يقتصر على البحث أو الترجمة، بل امتد إلى تنظيم المعلومات، وتحليل البيانات العامة، وإنتاج العناصر البصرية، ودعم بعض مراحل العمل الصحفي. وفي المقابل، أثار هذا التطور نقاشًا مهنيًا حول حدود استخدام هذه الأدوات، وكيفية توظيفها بما يحافظ على الدقة والشفافية وحماية المصادر.
يوثق هذا التقرير تجربة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي خلال إعداد التحقيق الاستقصائي «من توقيع العقد إلى قبضة القراصنة.. رحلة بحارة مصريين لم تُحسب مخاطرها»، الذي اعتمد على تحليل الوثائق، والبيانات البحرية المفتوحة، والمقابلات الصحفية، والتقارير الدولية للكشف عن الضمانات التي يحصل عليها البحارة قبل الإبحار في المناطق عالية الخطورة.
ولا يهدف التقرير إلى تقييم أدوات الذكاء الاصطناعي أو المقارنة بينها، وإنما إلى توثيق كيفية توظيفها في مراحل إعداد التحقيق، وحدود استخدامها، ومدى إسهامها في تنظيم العمل، وتحليل المعلومات، وتطوير الإنفوجرافات، مع الالتزام الكامل بالتحقق من جميع المعلومات من مصادرها الأصلية.
وخلال إعداد التحقيق، استُخدمت مجموعة من الأدوات الرقمية، إلى جانب بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في مهام محددة شملت تنظيم المادة الصحفية، وتحليل المعلومات العامة، ومراجعة الاتساق اللغوي، وتطوير برومبتات الإنفوجرافات. وفي المقابل، لم تُستخدم هذه الأدوات في جمع الأدلة، أو إجراء المقابلات، أو اتخاذ القرارات التحريرية، كما لم تُرفع إليها أي وثائق أصلية، أو بيانات شخصية، أو هويات مصادر، أو مستندات غير منشورة، التزامًا بحماية المصادر والاعتبارات المهنية والأخلاقية.
ويستعرض هذا التقرير، خطوة بخطوة، تجربة استخدام هذه الأدوات في إنجاز التحقيق، بدءًا من جمع البيانات، مرورًا بتحليلها، وصولًا إلى إنتاج الإنفوجرافات ومراجعة المادة الصحفية، مع توثيق الأدوات المستخدمة، وإصداراتها، والبرومبتات التي وُظفت في كل مرحلة، بهدف تقديم تجربة عملية يمكن للصحفيين الاستفادة منها عند توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الاستقصائي..
تم توليد الانفوجراف بواسطة Gemini - اصدار 3.1
اعتمدت تجربة إعداد تحقيق «من توقيع العقد إلى قبضة القراصنة.. رحلة بحارة مصريين لم تُحسب مخاطرها» على الدمج بين أساليب العمل الصحفي التقليدية والأدوات الرقمية، بحيث أُسندت إلى كل أداة مهمة محددة، مع بقاء مسؤولية جمع الأدلة، والتحقق من المعلومات، واتخاذ القرار التحريري على عاتق الصحفي.
بدأ العمل بتحديد الفرضية الرئيسية للتحقيق، ثم إعداد خطة لجمع البيانات من مصادر متعددة شملت الوثائق الرسمية، والبيانات البحرية المفتوحة، والمقابلات الصحفية، والتقارير الدولية. وبعد ذلك جرى تحليل المعلومات، ومقارنتها، وربطها للوصول إلى نتائج مدعومة بالأدلة.
واعتمد التحقيق على مصادر متنوعة، من بينها عقد عمل بحار يعمل في القطاع نفسه بوصفه نموذجًا للعقود المتداولة، واتفاقية العمل البحري MLC 2006، واتفاقية SOLAS، وبيانات المنظمة البحرية الدولية IMO، وتقارير UKMTO، وسجل السفينة في قاعدة بيانات Equasis، وبيانات نظام التعريف الآلي AIS عبر منصة MarineTraffic، إلى جانب مقابلات مع ذوي البحارة وخبراء في القانون البحري والملاحة.
وفي جميع هذه المراحل، اقتصر دور أدوات الذكاء الاصطناعي على تنظيم المعلومات العامة، والمساعدة في تحليل البيانات، ومراجعة الاتساق اللغوي، وتطوير الأفكار الأولية للإنفوجرافات، دون استخدامها في إنتاج الوقائع أو جمع المعلومات أو استبدال المصادر الصحفية. كما لم تُرفع إلى أي أداة وثائق أصلية، أو بيانات شخصية، أو هويات مصادر، أو مستندات غير منشورة، التزامًا بحماية المصادر والمعايير المهنية.
ولتعزيز الشفافية، جرى توثيق جميع الأدوات المستخدمة، وإصداراتها، والمهام التي أدتها، والبرومبتات المستخدمة معها، مع التمييز بوضوح بين النتائج التي أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والمعلومات التي استندت إلى الوثائق الرسمية والمصادر الأصلية. وبذلك اعتمدت منهجية العمل على مبدأ «الذكاء الاصطناعي المساعد، لا البديل»؛ إذ أسهمت الأدوات في تسريع بعض المهام الفنية والتنظيمية، بينما بقيت مسؤولية البحث، والتحقق، وربط الأدلة، وصياغة النتائج النهائية مسؤولية الصحفي وحده.
الأدوات المستخدمة في إعداد التحقيق
أولًا: أدوات جمع البيانات والتحقق
استُخدمت منصة MarineTraffic للحصول على بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، وتتبع مسار السفينة، وتحديد آخر موقع معروف لها قبل انقطاع الاتصال، وربط هذه البيانات بالتسلسل الزمني للأحداث.
كما استُخدمت قاعدة بيانات Equasis لمراجعة بيانات تسجيل السفينة، وملكيتها، وشركة إدارتها، ودولة العلم، وسجل الامتثال البحري، بما ساعد في استكمال المعلومات الواردة في الوثائق والمقابلات.
واستُخدم Google Earth Pro لتحديد الإحداثيات الجغرافية وقياس المواقع وربطها بمسار الرحلة، بينما استُخدم Google Maps لتبسيط عرض المواقع الجغرافية داخل التحقيق.
أما Microsoft Excel فاستُخدم لتنظيم البيانات الواردة من المصادر المختلفة، وإجراء المقارنات، وإعداد الجداول التي ساعدت في تحليل العلاقات بين الوقائع والبيانات البحرية.
ثانيًا: أدوات الذكاء الاصطناعي
اقتصر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على دعم الجوانب التنظيمية والتحليلية والبصرية، دون استخدامها في إنتاج الوقائع أو جمع المعلومات.
ChatGPT - GPT-5.5
استُخدم في:
- إعداد خطة العمل قبل تنفيذ التحقيق.
- تنظيم هيكل التحقيق.
- اقتراح تسلسل منطقي للفصول.
- المساعدة في ربط البيانات وتحليلها.
- مراجعة الاتساق اللغوي.
ومن أبرز البرومبتات المستخدمة:
"من خلال التسجيل الصوتي المرفق، اكتب لي خطة لبناء تحقيق استقصائي مدعم بالبيانات".
"تعامل كصحفي محترف في التحقيقات الاستقصائية المدعمة بالبيانات، وأخبرني أولًا بخطة ربط البيانات ببعضها".
"تعامل كصحفي استقصائي، راجع الفقرات التالية، وحدد مواضع التكرار، ثم اقترح خطة للعمل قبل البدء في إعادة الصياغة".
Google Gemini 2.5 Pro
استُخدم في تطوير برومبتات الإنفوجرافات وتحويل نتائج التحقيق إلى عناصر بصرية.
واعتمدت عملية العمل على إدخال البيانات التي جُمعت خلال التحقيق، مثل اسم السفينة، ورقمها التعريفي (IMO Number)، ودولة العلم، والبيانات البحرية، ثم طلب صياغة برومبتات احترافية للتصميم.
ومن أمثلة البرومبتات المستخدمة:
"صِغ لي برومبت احترافي لتصميم إنفوجراف يدعم تحقيقًا استقصائيًا، مع الالتزام بالألوان المحددة، اعتمادًا على البيانات التالية"...وبعد مراجعة البرومبت، استُخدم في إنتاج الإنفوجرافات المرفقة بالتحقيق.
كما رُفعت نسخة من عقد العمل إلى الأداة بعد طمس جميع البيانات الشخصية وبيانات الشركة وأي معلومات قد تكشف هوية المصدر، مع الإبقاء على بنود العقد فقط، بهدف استخدامها داخل التصميمات التوضيحية دون الإخلال بسرية المصادر.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا للصحفي؟
لم يعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار مقتصرًا على المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل أصبح جزءًا من الممارسات اليومية لكثير من الصحفيين، خاصة في المهام التي تتطلب تحليل البيانات، وتنظيم الوثائق، وإنتاج العناصر البصرية. ومع ذلك، لا يزال الجدل قائمًا حول حدود هذا الاستخدام، وما إذا كانت هذه الأدوات تمثل شريكًا للصحفي أم بديلًا عنه.
يرى الصحفي والمدرب في صحافة البيانات عمرو العراقي أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا في طريقة تعامل الصحفيين مع البيانات والوثائق، إذ أصبح قادرًا على المساعدة في تحليل كميات كبيرة من المعلومات، واكتشاف العلاقات بينها، وتنظيم المادة الصحفية، وإنتاج عناصر بصرية تدعم عرض النتائج. لكنه يؤكد أن هذه الأدوات يجب أن تتوقف عند حدود المساندة، لأن مسؤولية التحقق، وفهم السياق، واتخاذ القرار التحريري، تظل مسؤولية الصحفي وحده.
وقد انعكس هذا التصور على تجربة إعداد هذا التحقيق؛ إذ استُخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي في تنظيم المعلومات، وتحسين الصياغة، وتطوير برومبتات الإنفوجرافات، بينما جرى الاعتماد في جميع الوقائع والاستنتاجات على الوثائق الأصلية، والبيانات البحرية، والمقابلات مع الخبراء والمصادر.
تتفق الصحفية رحاب إسماعيل مع هذا الطرح، موضحة أنها تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في اقتراح الأفكار، وإعداد أسئلة المقابلات، وتنظيم خطة العمل، وتفريغ التسجيلات الصوتية، لكنها لا تعتمد عليها في كتابة المادة الصحفية، لأن الصياغة النهائية مسؤولية مهنية لا يمكن نقلها إلى الأداة. وتؤكد تجربة هذا التحقيق الفكرة نفسها؛ إذ ساعدت الأدوات في اختصار الوقت اللازم لبعض المهام الفنية، لكنها لم تُستخدم في كتابة التحقيق أو استخلاص نتائجه، وإنما ظل دورها مقتصرًا على الدعم الفني والتنظيمي.
أما الصحفية منى أبو سكين، فترى أن وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة داخل غرف الأخبار، مشيرة إلى أن محدودية خبرتها بهذه الأدوات تجعلها تستغرق وقتًا أطول في إنجاز بعض المهام مقارنة بزملائها، وهو ما دفعها إلى اعتبار تعلمها جزءًا من التطور المهني للصحفي.
وتعكس هذه الرؤية واقعًا يواجهه كثير من الصحفيين في ظل التحول الرقمي؛ إذ أصبحت المعرفة بأدوات الذكاء الاصطناعي مهارة مهنية مهمة، بشرط أن تُستخدم بما يدعم العمل الصحفي، لا أن تحل محل مهاراته الأساسية.
وتُظهر تجربة هذا التحقيق أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في إنتاج المحتوى، وإنما في مساعدة الصحفي على إدارة كميات كبيرة من المعلومات، وتنظيم سير العمل، وتحسين العناصر البصرية، مع الحفاظ على مبادئ الدقة، والشفافية، والتحقق من المصادر. ولذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي شريكًا تقنيًا في بعض مراحل الإنتاج، بينما تظل مسؤولية البحث، والتحقق، والتحليل، واتخاذ القرار التحريري، مسؤولية الصحفي وحده.
الدروس المستفادة والتوصيات
أظهرت تجربة إعداد تحقيق «من توقيع العقد إلى قبضة القراصنة.. رحلة بحارة مصريين لم تُحسب مخاطرها» أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في رفع كفاءة العمل الصحفي عندما تُستخدم ضمن منهجية واضحة.
وخلال هذه التجربة، أسهمت الأدوات في تنظيم المعلومات، ومراجعة هيكل التحقيق، وتحسين برومبتات الإنفوجرافات، واختصار الوقت اللازم لبعض المهام التنظيمية والبصرية، بينما اعتمدت جميع الوقائع والنتائج على الوثائق الأصلية، والبيانات المفتوحة، والمقابلات الصحفية، والتحقق المستقل.
وأبرزت التجربة عددًا من الدروس، أهمها:
- تحديد مهمة كل أداة قبل استخدامها يرفع كفاءة العمل ويمنع الاعتماد غير المبرر على الذكاء الاصطناعي.
- كتابة برومبتات دقيقة ومحددة تؤدي إلى نتائج أكثر ملاءمة لطبيعة العمل الصحفي.
- تظل مراجعة المصادر الأصلية والتحقق من المعلومات خطوة لا يمكن الاستغناء عنها مهما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي.
- حماية المصادر تتطلب عدم رفع الوثائق الأصلية أو البيانات الشخصية أو المعلومات الحساسة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، والاكتفاء بالبيانات العامة أو النسخ التي أزيلت منها المعلومات التعريفية عند الضرورة.
- الإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يعزز الشفافية والثقة في العمل الصحفي.
وانطلاقًا من هذه التجربة، يوصي التقرير بما يلي:
- تدريب الصحفيين على الاستخدام المهني والأخلاقي لأدوات الذكاء الاصطناعي.
- وضع سياسات واضحة داخل المؤسسات الإعلامية للإفصاح عن استخدام هذه الأدوات.
- تطوير مهارات كتابة البرومبتات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في المهام التنظيمية والبصرية.
- اعتماد ضوابط لحماية الوثائق والمصادر عند استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
- التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة لتحسين كفاءة العمل، لا بديلًا عن الصحفي.
تم توليد الانفوجراف بواسطة Gemini - أصدار 3.1
ماذا لو لم أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي؟
أثبتت التجربة أن التحقيق كان يمكن إنجازه بالكامل بالاعتماد على الأدوات الصحفية التقليدية، إلا أن ذلك كان سيستغرق وقتًا أطول في بعض المهام التنظيمية والفنية.
فقد ساعد ChatGPT في اقتراح أكثر من هيكل للتحقيق، وربط الفصول، ومراجعة الاتساق اللغوي، بينما ساعد Gemini في تطوير برومبتات الإنفوجرافات وتحويل البيانات إلى تصورات بصرية أولية. أما اختيار الهيكل النهائي، والتحرير، ومراجعة التصميمات، فقد ظلت جميعها مسؤولية الباحثة.
وفي المقابل، لم تتغير المراحل الأساسية للتحقيق؛ إذ أُنجزت جميع المقابلات، وجمع الوثائق، وتحليل عقد العمل، ومراجعة اتفاقية MLC 2006، وتتبع بيانات السفينة عبر MarineTraffic وEquasis، ومراجعة بيانات المنظمة البحرية الدولية، والتحقق من جميع المعلومات، بالاعتماد على المصادر الأصلية والخبرة الصحفية.
وتؤكد هذه التجربة أن الذكاء الاصطناعي لم يختصر خطوات التحقيق، بل اختصر الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام المساندة، مما أتاح وقتًا أكبر للتركيز على التحليل، والتحقق، وصياغة النتائج.
تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية. واستُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.
TAG : ,أدوات الذكاء الاصطناعي ,تحقيق استقصائي