يواجه الصحافيون في لبنان خلال تغطيتهم للحروب تحديات كبيرة مرتبطة بانقطاع الإنترنت وضعف التغطية، خصوصًا في المناطق النائية وقرب خطوط المواجهة، ما يعرّضهم للعديد من المخاطر. هذه التحدّيات ظهرت جليًة في حرب عاميّ 2023-2024 وتظهر اليوم أيضًا بوضوح أثناء تغطية الحرب الاسرائيلية على لبنان منذ بداية آذار 2026. إذ أدى انقطاع الاتصالات والإنترنت بحسب صحافيين الى عزلهم ضمن مناطق النزاع والحد من قدرتهم على التواصل ونقل الأخبار بشكل فوري.
فاقم هذا الواقع الضغط على الشبكات بسبب موجات النزوح، إلى جانب المشكلات القائمة أصلًا في البنية التحتية وغياب التخطيط الاستراتيجي. كما أعاقت صعوبات الصيانة ونقص المحروقات تشغيل محطات الاتصال، ما اضطر الصحافيين للبحث عن حلول بديلة وعملية تضمن استمرار تغطيتهم وتأمين سير عملهم الميداني.
يُعيد هذا الواقع تسليط الضوء على إمكانية الإستفادة من الإنترنت الفضائي كحل بديل، لا سيما خدمة "ستارلينك"، حيث أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في عام 2025 الترخيص لشركة ستارلينك لبنان بتقديم خدمات الإنترنت على كامل الأراضي اللبنانية عبر الأقمار الصناعية المشغلة من قبل شركة Space X.
فهل يمكن أن يستفيد الصحافيون من هذه الخدمة لتأمين الإنترنت، وما هي أبرز ما يلجأون إليه في هذه الظروف اليوم لتحسين قدرتهم على نقل أحداث الحرب؟
حلول مؤقتة تواجه تحديات مستمرة
صعوبات حادة يواجهها الصحافيون في لبنان نتيجة ضعف خدمة الإنترنت والانقطاع المتكرر، ما يحدّ من قدرتهم على التواصل الفعّال ونقل الأخبار، خصوصًا في المناطق الحدودية. ويُعدّ هذا الانقطاع من أبرز العقبات المهنية، لما له من تأثير مباشر على الوصول إلى المعلومات وتقديم تغطية ميدانية دقيقة وموثوقة.
حول هذا الأمر يشرح المراسل محمد زيناتي لـ "مهارات نيوز" وهو الذي يقوم بتغطية الحرب الدائرة لاسيما في منطقة الجنوب أن غياب الإنترنت يؤثر مباشرة على السلامة العامة للصحافيين إذ يفرض هذا الأمر عزلة ويحدّ من قدرتهم على التواصل مع الخارج في حال تعرّضهم لأي طارئ. وتتفاقم هذه المخاطر في ظل عدم توفّر خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، مثل "ستارلينك" للفريلانسر حتى الآن، ما يحرمهم من بدائل الإتصال. ونتيجة لذلك، يضطر الصحافيون إلى تجنّب التوجّه إلى المناطق التي تفتقر إلى شبكة إنترنت، بما في ذلك الأودية وبعض الطرقات النائية.
إلى جانب ذلك، يشكّل ضعف أو انقطاع الإنترنت بحسب زيناتي عائقًا أساسيًا أمام أداء العمل الصحافي، نظرًا لارتباط مختلف المهام به، من البث المباشر إلى إرسال الفيديوهات والمواد الإخبارية. وحتى في الحالات التي تتوافر فيها خدمة إنترنت ضعيفة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع جودة البث، ما ينعكس سلبًا على قدرة الصحافي على تقديم محتوى مهني متكامل.
لا يقتصر هذا الواقع على المدن التي تشهد اشتباكات أو التي تعرّضت فيها مراكز الاتصالات لأعطال، بل يمتد أيضًا إلى مدن بعيدة نسبيًا كصيدا. إذ تعاني هذه المناطق من تراجع ملحوظ في جودة خدمات الإنترنت، نتيجة موجات النزوح الكبيرة التي تزيد الضغط على الشبكات.
في مواجهة هذه التحديات، يلجأ الصحافيون إلى حلول بديلة وبسيطة لضمان استمرارية عملهم، من بينها وفق زيناتي استخدام أكثر من خط اتصال على الهواتف لتفادي الانقطاع، الأمر الذي بدوره يزيد من الأكلاف المادية. كما يعتمد البعض على أجهزة تدعم تركيب عدة شرائح اتصال في الوقت نفسه، ما يتيح تعزيز جودة الاتصال وزيادة فرص البقاء على الشبكة أثناء التغطيات الميدانية.
في النبطية تقف مراسلة الـ LBCI رنا جوني في مواجهة تحديات كبيرة تتعلق بالاتصالات أثناء تغطية الحرب، فمنذ اندلاع الحرب، بدأت تلحظ تراجعًا في جودة خدمات الإنترنت، حيث كان الضعف في البداية محدودًا ومحصورًا في مناطق معينة، قبل أن يتفاقم تدريجيًا ليصل إلى حد انقطاع التغطية في العديد من المناطق.
هذا الواقع بحسب جوني صعّب بشكل كبير عملية التواصل مع المحيط، لا سيما في الحالات الطارئة، كما أعاق نقل الصورة الميدانية، ما يشكّل تحديًا أساسيًا للعمل الصحافي في ظل هذه الظروف.
وتقول جوني في حديث لـ "مهارات نيوز": "رغم أن محطات "ألفا" و"تاتش" لم تتعرّض وفق المعطيات المتوافرة لأضرار مباشرة، فإن مشكلة ضعف الإنترنت لا تزال قائمة". وعليه، تُطرح تساؤلات حول الأسباب الفعلية، خصوصًا مع توافر التيار الكهربائي، ما يضعف فرضية ارتباط الأزمة بنقص المحروقات.
حاليًا، وبحسب جوني تمرّ خدمات الإنترنت في واحدة من أسوأ مراحلها، حيث يُضطر الصحافيون إلى التوجّه نحو مناطق مرتفعة لالتقاط الإشارة وتمكينهم من إرسال المواد الإعلامية. ومع التقدّم نحو القرى والمناطق النائية، تزداد حدة المشكلة.
يثير هذا الواقع مخاوف جدية من الانقطاع الكامل عن القدرة على نقل الصورة، في ظل ظروف أكثر تعقيدًا من الحرب السابقة. وفي هذا الإطار، تقول جوني:" أناشد مجددًا اليوم وكإعلامية ميدانية تُغطي مجريات الحرب، وزير الاتصالات بضرورة العمل على تأمين الحدّ الأدنى من المقومات الأساسية، وفي مقدّمتها خدمة الإنترنت، بما يتيح لنا العمل ويتيح للسكان الصامدين في منازلهم وأراضيهم الحفاظ على تواصلهم مع العالم الخارجي. كما أدعو إلى إصدار التوجيهات اللازمة لإرسال فرق فنية متخصصة لمعالجة الأعطال القائمة، أما بالنسبة للذرائع المرتبطة بعدم توافر الظروف الأمنية فلا ينبغي أن تشكّل عائقًا، إذ يمكن التنسيق مع الجيش اللبناني لتأمين ممرات آمنة تضمن وصول هذه الفرق وتنفيذ مهامها".
وحول الحلول التي يلجأون إليها تجيب جوني أنه لا تتوافر عمليًا حتى الآن حلول فعالة لأزمة الانترنت، ما يدفع الصحافيين إلى الاعتماد على اجتهاداتهم الفردية، كالتنقّل بين خطوط الاتصال المختلفة أو البحث عن نقاط تتوافر فيها إشارة، فيما تبقى المؤسسات الإعلامية في كثير من الأحيان بعيدة عن لعب دور فعّال في إيجاد حلول مستدامة، تاركةً العبء الأكبر على عاتق الصحافي نفسه.
المشكلة قائمة من الحرب السابقة
ما نعانيه على مستوى الاتصالات والانترنت حاليا ليست مشكلة جديدة حيث واجه الصحافيون في الحرب السابقة تحديات كبيرة في انقطاع خدمات الإنترنت لفترات طويلة وفق ما تشرح مراسلة العربية - الحدث ناهد يوسف التي غطت الحرب الماضية من بلدة رميش الحدودية بينما تعمل اليوم من مشارف الضاحية.
وانقسمت أسباب هذه الأزمة وفق يوسف عام 2024 إلى عوامل متعددة، أبرزها استهداف شبكات الإرسال، أو عدم توافر المحروقات اللازمة لتشغيلها، نتيجة تعذّر وصول الفرق الفنية إلى المواقع المتضررة. ما اضطر الصحافيين للانتظار طويلا حتى تتمكّن الفرق المختصة، بمواكبة الجيش، من الوصول وإعادة تزويد المحطات بالمازوت.
وتضيف يوسف، يأخذ انقطاع الاتصالات أشكالاً مختلفة، ففي بعض الأحيان كانت الخطوط الأرضية تتوقف مع بقاء إمكانية الاتصال عبر الإنترنت من خلال شبكات الـWi-Fi، فيما شهدت حالات أخرى انقطاعًا كاملاً شمل الإنترنت والاتصالات معًا. وتقول يوسف لـ "مهارات نيوز": "أستذكر أول تجربة للانقطاع الشامل للانترنت والاتصالات وكيف خلّفت لنا شعورًا حادًا بالخوف والعزلة، في ظل غياب أي وسيلة للتواصل مع الخارج". مضيفةً، أمام هذا الواقع، جرى اللجوء إلى وسائل بديلة، من بينها أجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية مثل "الثريا" لتأمين البث المباشر، قبل التمكن لاحقًا من استخدام تطبيقات خاصة تتيح توفير اتصال بالإنترنت، رغم تعقيد آليات الاشتراك بها.
في الخلاصة "يمكن القول أن انقطاع الإنترنت يُعد من أصعب التحديات التي قد يواجهها المراسل/ة، نظرًا لكونها الوسيلة الأساسية للوصول إلى المعلومات، خصوصًا في المناطق المعزولة التي تفتقر إلى أي بدائل اتصال أخرى".
ستارلينك حلّ معطّل !
في ظل التساؤل عن مدى إمكانية الاستفادة من خدمة ستارلينك كبديل مساعد للصحافيين لتأمين تغطية تمكن من أداء المهام الإعلامية، أفادت أوساط في وزارة الاتّصالات لـ "مهارات نيوز" أنّ الترخيص لخدمة ستارلينك، وفق قرار الحكومة، يقتصر على المؤسّسات التجارية، ومن ضمنها بطبيعة الحال وسائل الإعلام، على أن تكون هذه الخدمة مكمّلًا لشبكة الإنترنت القائمة لا بديلًا عنها.
ولكن لا تزال هذه الخدمة غير متاحة للاستخدام، رغم أنّ الإجراءات لاعتمادها قائمة وقد جرى العمل على استكمالها، في ظلّ اعتراضات واجهت المشروع ولا تزال، إذ تقدّمت عدّة شركات بدعاوى أمام مجلس شورى الدولة طالبت بإبطال الخدمة ووقف تنفيذ المشروع، إلا أنّ المجلس ردّ هذه الدعاوى مؤخرًا.
وتؤكّد المصادر أنّ هذه الاعتراضات أسهمت في تأخير إطلاق المشروع، إذ كان من الممكن أن يستفيد لبنان اليوم من هذه الخدمة، وأن توظّفها وسائل الإعلام في مواكبة وتغطية الأحداث الميدانية، فيما لو نُفّذ المشروع وفق الجدول الزمني الذي وُضع له.
حول هذا الموضوع يقول مدير برنامج الإعلام في منظمة "سمكس" عبد قطايا أنه في حال توفّرت خدمة "ستارلينك" بشكل فعلي، يمكن أن تشكّل حلاً واعدًا للصحافيين، من خلال استخدام معدّات تشمل صحن استقبال وجهاز توزيع (راوتر)، إلى جانب الحاجة لمصدر كهرباء، لكنها غير متوافرة حتى الآن، رغم وجود طلب متزايد عليها. كما أن تكلفتها المرتفعة قد تشكّل عائقًا أمام الصحافيين المستقلين أو العاملين مع مؤسسات إعلامية صغيرة.
وفي ما يتعلّق بالبدائل المتاحة لتأمين خدمة الإنترنت، قد يلجأ الصحافيون والمواطنون بحسب قطايا إلى حلول محدودة، من أبرزها استخدام شريحتي اتصال من شبكتي "ألفا" و"تاتش"، نظرًا لعدم استقرار التغطية وضمان استمرارية الاتصال. أما على صعيد خدمات البيانات والـ Wi-Fi، فتعتمد غالبية المناطق النائية على مزوّدي الإنترنت عبر الكابل، وليس على "أوجيرو"، ما يدفع البعض إلى الاشتراك مع أكثر من موزّع لتفادي الانقطاع المتكرر.
ويضيف قطايا، في خطوة وُصفت بالإيجابية، عمدت شركتا ألفا" و"تاتش" إلى تطبيق خدمة التجوال الوطني (National Roaming)، التي تتيح لمشتركي أي من الشبكتين الاتصال عبر الشبكة الأخرى في حال ضعف الإشارة، ما يسهم في تحسين مستوى التغطية. "وهذا ما طالبنا به منذ سنوات، قبل أن يُصار إلى تنفيذها قبل فترة وجيزة من الحرب. ويعتبر تطبيق هذا الإجراء متاحًا وسلسًا، نظرًا لكون الشركتين مملوكتين ومدارتين من الدولة".
قطاع الاتصالات في لبنان يعاني أزمة مزمنة وفق قطايا تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب، إذ تُعدّ هذه المشكلة بنيوية بالدرجة الأولى، ناتجة عن غياب الخطط والاستراتيجيات الواضحة، فضلاً عن ضعف الحوكمة في إدارة هذا القطاع الحيوي. كما تتفاقم الأزمة في المناطق النائية، حيث تعاني أساسًا من ضعف في التغطية وسوء جودة الإرسال.
عليه، وفي خضمّ النزاعات، لا تقتصر معاناة الصحافيين على المخاطر الميدانية، بل تمتد إلى ضعف الإنترنت وانقطاعه المتكرر. هذه المشكلة لم تعد ظرفية، بل تحوّلت إلى عائق مستدام يحدّ من قدرتهم على نقل الحقيقة في الوقت المناسب. من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى حلول جديّة تضمن استمرارية العمل الصحافي حتى في أصعب الظروف.