مع تصاعد وتيرة الحرب وتزايد أعداد النازحين، تعود مسألة إدارة المساعدات الإنسانية إلى صدارة النقاش العام، لا سيما في ما يتعلّق بالشفافية وآليات التوزيع. فالتحدي لم يعد محصورًا في تأمين الدعم، بل بات يرتبط بكيفية إدارته وضمان وصوله إلى مستحقيه بعدالة وشفافية، في بلد لطالما واجه انتقادات بشأن غياب المساءلة في إدارة الأزمات. هنا، يبرز السؤال مجددًا: هل تغيّر واقع الشفافية في إدارة المساعدات بعد التجارب السابقة، أم أن الأدوات الجديدة لم تنجح بعد في تجاوز الإشكاليات البنيوية التي طبعت هذا الملف؟
آليات العمل في المرحلة الحالية
للوقوف على ملامح المقاربة المعتمدة اليوم، يقدّم رئيس وحدة إدارة مخاطر الكوارث زاهي شاهين شرحًا لآليات التوزيع والشفافية المعتمدة حاليًا وفق مقاربة أكثر تكاملاً مقارنةً بالفترات السابقة.
ويوضح في حديث لـ "مهارات نيوز"، أن المساعدات العينية التي تصل إلى لبنان تُستلم مركزيًا من قبل الهيئة العليا للإغاثة، باعتبار أن جهة رسمية واحدة يجب أن تتولى هذه المهمة. في المقابل، تتم عملية التوزيع بشكل لا مركزي، استنادًا إلى منصة المراكز التي جرى تطويرها بالتعاون مع المحافظات، والتي تتيح تحديد مواقع الاحتياجات في مختلف المناطق. وتقوم الهيئة العليا للإغاثة بتسليم المساعدات عبر المحافظين، الذين يتولون بدورهم تحديد آلية التوزيع ضمن نطاق محافظاتهم، وذلك تحت إشراف القائمقامين والبلديات.
وعلى ضوء التحديات التي برزت خلال الحرب السابقة، يشير شاهين إلى أن وحدة إدارة مخاطر الكوارث (DRM) تعمل اليوم، على اعتماد آلية قائمة على الشفافية ومشاركة المعلومات، وقد حققت تقدمًا ملحوظًا مقارنةً بالماضي. إذ يُطلب من جميع الجهات المعنية أن ينعكس كل ما يتم توزيعه مباشرة على المنصات المعتمدة.
ويكشف عن التوجه لإطلاق منصة جديدة قريبًا تتيح عرضًا تفصيليًا لكل المساعدات التي تصل إلى البلاد. وبذلك، ستتوفر ثلاث منصات متكاملة: الأولى تعرض المساعدات الإنسانية الموزّعة، بما في ذلك عدد مراكز الإيواء المفتوحة وإجمالي أعداد النازحين، إضافة إلى تفاصيل المساعدات الغذائية والمياه وخدمات الإصحاح والمواد الإغاثية الأساسية؛ والثانية تعرض المساعدات التي تصل وكمياتها والجهات التي تتولى توزيعها؛ أما الثالثة فستقدّم تحديثات حول المساعدات الواردة من الخارج. ويتيح دمج هذه المنصات تتبّع مسار المساعدات منذ وصولها وحتى توزيعها، بما يشمل الكميات والمناطق المستفيدة.
ويلفت شاهين إلى أن أي تأخير في نشر المعلومات لا يعود إلى نقص في البيانات أو غياب قرار بالشفافية، بل إلى الحرص على التأكد من جاهزية المنصات تقنيًا واختبارها بشكل كامل قبل إطلاقها، تفاديًا لأي أخطاء قد تُفسَّر على أنها تلاعب بالأرقام.
وضمن إطار النداء الإنساني العاجل لعام 2026 (Lebanon Flash Appeal 2026)، وضعت وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء أيضًا، رابطًا يتيح الاطلاع على حركة تدفّق المساعدات المقدّمة للبنان عبر منصة الأمم المتحدة (OCHA) الخاصة بتتبّع التمويل.
وفي السياق نفسه، يشير شاهين إلى أن ما يجري حاليًا يندرج ضمن إطار المتابعة المفصّلة أكثر منه رقابة مباشرة، إذ لا يمكن الحدّ من عمل الجهات المختلفة، بل يمكن توجيهها بما يتوافق مع الأولويات الوطنية. أما المساعدات التي لا تصل مباشرة إلى الدولة، فلا تخضع لرقابة الوحدة، ويقتصر دورها على توجيه المنظمات الدولية والجمعيات في تحديد الأولويات، خصوصًا في ما يتعلق بالمساعدات الملحّة، إضافة إلى تسجيلها على منصة التوزيع التابعة لها. وفي ظلّ محدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات، يتم التركيز على تسريع عملية التوزيع استنادًا إلى المعطيات الواردة من مديري المراكز والبلديات والقائمقامين والمحافظين، بهدف تلبية أكبر قدر ممكن من الطلب.
تجربة سابقة في إدارة المساعدات الإنسانية
شهد عام 2024 أول تجربة من نوعها في لبنان في مجال إدارة المساعدات الإنسانية، مع إطلاق لجنة الطوارئ الحكومية برئاسة الوزير السابق ناصر ياسين منصة مخصّصة لعرض وتتبع المساعدات الواردة، في محاولة لتعزيز الشفافية في هذا الملف.
وفي هذا السياق، يستعرض ياسين، بصفته رئيس لجنة الطوارئ الحكومية آنذاك، تجربة إدارة المساعدات خلال الحرب السابقة، ويوضح في حديثٍ لـ"مهارات نيوز" أن إنشاء منصة مركزية لنشر البيانات والمعلومات المتعلقة بالمساعدات العينية، بالتعاون مع وحدة إدارة مخاطر الكوارث (DRM) في رئاسة مجلس الوزراء، خلال تنسيق الاستجابة لحرب الـ66 يومًا في خريف عام 2024، شكّل خطوة نوعية ومبتكرة في مسار تعزيز الشفافية.
وقد أتاحت هذه المنصة توثيق ونشر جميع المساعدات التي تلقتها لجنة الطوارئ الحكومية بشكل تفصيلي، بما في ذلك معلومات عن الجهات المانحة، ونوع المساعدة، والكميات، ومسار توزيعها وصولًا إلى الجهات المستفيدة الرسمية في المحافظات. كما شمل النشر محاضر الاستلام الموقّعة، إلى جانب تقارير يومية ترصد عمليات التوزيع عبر غرف عمليات الطوارئ في المحافظات.
عمليًا، ساهمت هذه الآلية، وفق ياسين، في تعزيز ثقة المانحين والرأي العام، من خلال توفير معلومات شبه فورية وقابلة للتدقيق، ما شكّل سابقة في العمل الحكومي اللبناني من حيث مستوى الشفافية الاستباقية. ولم يقتصر الأمر على مرحلة الاستجابة، بل جرى الانتقال إلى مرحلة استخلاص الدروس بشكل منهجي، حيث تمّ بعد انتهاء الحرب تنظيم لقاء وطني تشاوري ضمّ منسقي الاستجابة الإنسانية وممثلي المحافظات والوزارات المعنية، إلى جانب وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية، بهدف تقييم الأداء وصياغة توصيات عملية قابلة للتنفيذ.
وبحسب ياسين، أفضى هذا المسار إلى إطلاق خارطة طريق بعنوان: "الاستجابة لتداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان: الدروس المستفادة واستخلاص العبر"، مع تأمين التمويل اللازم لتنفيذ ورش العمل المرتبطة بها، باعتبارها أولوية وطنية لتعزيز الجهوزية المستقبلية.
ويضيف أن هذا الجهد استُكمل لاحقًا مع الحكومة الحالية عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، التي نظّمت ورش عمل على مستوى المحافظات، تُوّجت بإصدار تقارير تحليلية على المستويين الوطني والمحلي، وهي متاحة عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة، بما يعكس توجهًا نحو ترسيخ الشفافية وتحويل هذه التجربة إلى معرفة مؤسسية قابلة للبناء عليها.
من جهته، يرى رئيس وحدة إدارة مخاطر الكوارث زاهي شاهين أنه لا يمكن الحديث عن ثغرات جوهرية في الآلية السابقة، إذ يرتكز عمل الوحدة أساسًا على جمع المعلومات وتحويلها إلى بيانات متاحة عبر المنصات. لكنه يشير في المقابل إلى تحسّن واضح في مستوى التكامل بين مؤسسات الدولة اليوم، بعد مرحلة كانت فيها بعض الجهات تعمل بشكل منفصل، ويرى أن هذا التحول نحو العمل كمنظومة واحدة يعزّز فعالية الاستجابة ويسهّل الوصول إلى المعلومات.
ثغرات الرقابة والتوثيق في إدارة المساعدات
من جهة أخرى، وثّقت مبادرة "غربال" في تقرير بعنوان "العدوان الإسرائيلي 2024: توزيع المساعدات الإنسانية تحت المجهر" وجود خلل كبير في إدارة المساعدات خلال العدوان، لا سيما على مستوى الشفافية وجودة البيانات. وأظهر التقرير تناقضات واسعة في الأرقام وصعوبات في تتبّع مسار توزيع المساعدات، ما يعكس ضعفًا في أنظمة التوثيق والتنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب غياب معايير موحّدة لتسجيل المعلومات، الأمر الذي ساهم في تراجع الثقة بالبيانات المتاحة.
وبحسب التقرير، لا تقتصر هذه الإشكاليات على أخطاء تقنية، بل تكشف عن ثغرات بنيوية في إدارة الاستجابة الإنسانية، من أبرزها غياب نظام موحّد لتتبّع المساعدات، وضعف الشفافية في تحديد مواقع التوزيع والمستفيدين، إضافة إلى تضارب تسجيل البيانات بين الجهات المختلفة، ما يحدّ من فعالية الاستجابة ويصعّب تقييم أثرها الفعلي.
وفي هذا السياق، يوضح مؤسس مبادرة "غربال" أسعد ذبيان، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، أن من أبرز التحديات التي واجهت إدارة المساعدات تعدّد الجهات التي تولّت استلامها، مثل مجلس الجنوب، والهيئة العليا للإغاثة، ووحدة إدارة الكوارث، ما أدى إلى غياب جهة موحّدة مسؤولة عن الاستلام. بالإضافة إلى عدم توحيد آلية أو وحدة الاستلام، وهو ما خلق صعوبات كبيرة على مستوى التنظيم والتتبع.
كما وأن غياب الشفافية شكّل إشكالية أساسية، إذ لم ينشر مجلس الجنوب أي بيانات، فيما اعتمدت الهيئة العليا للإغاثة نشر المعلومات بصيغة PDF، ما يجعلها غير قابلة للتحليل أو الاستخدام الفعّال، فضلًا عن نقص في التفاصيل، مثل عدم تحديد الجهات المانحة أو طبيعة المساعدات بشكل واضح.
ويلفت ذبيان إلى أن لجنة الطوارئ الحكومية كانت الجهة الوحيدة التي نشرت بيانات بصيغة Excel، إلا أنها بقيت منقوصة أيضًا. كما يعتبر أن من أبرز التحديات غياب أي معلومات حول المساعدات التي دخلت إلى الجيش اللبناني، ما يثير تساؤلات حول آليات إدارتها وتوزيعها.
في المقابل، يشير إلى أن النقاط الإيجابية تمثّلت في مستوى الشفافية المرتفع نسبيًا لدى وحدة إدارة الكوارث، والذي قدّره بنحو 90%، إلا أن المشكلة الأساسية لا تزال تكمن في الجهات الأخرى التي تستلم المساعدات ولا تلتزم بالمستوى نفسه من الشفافية.
تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات: توصيات ملموسة
استنادًا إلى التجربة السابقة والجهود الجارية، تبرز أهمية الالتزام بالمعايير الدولية للشفافية في إدارة المساعدات، مع التركيز على بعض الملاحظات التي قد تعزّز فعالية لبنان في هذا المجال.
فقد دعت جمعية "الشفافية الدولية – لبنان (لا فساد)" الحكومة الحالية، في بيان سابق، إلى إعطاء الأولوية لإعادة إطلاق المنصة الرقمية التي أُطلقت عام 2024، بما يتماشى مع مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات والتوصيات الصادرة عنها. وفي الوقت ذاته، رحّبت الجمعية لاحقًا بإطلاق منصة متابعة المساعدات الوطنية من قبل الحكومة اللبنانية، باعتبارها خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية والتنسيق وإتاحة الوصول العام إلى المعلومات المتعلقة بتوزيع المساعدات.
ورغم ذلك، أكدت الجمعية على المجالات التي تستدعي تعزيز فعالية المنصة ومواءمتها مع المعايير الدولية، وتشمل:
- الإفصاح الكامل عن الجهات المانحة والكميات المستلمة.
- توسيع المنصة لتشمل جميع القطاعات الحيوية، مثل الصحة، إلى جانب الغذاء والمياه والصرف الصحي ومراكز الإيواء.
- تحسين تفصيل البيانات لتشمل المستفيدين والمراكز، وليس الاكتفاء بالمستوى الإقليمي فقط.
- إدراج جميع المؤسسات المعنية لضمان صورة وطنية متكاملة.
- اعتماد التتبع الزمني لوصول وتوزيع المساعدات لتقييم سرعة الاستجابة.
- إنشاء آليات للتحقق من التسليم وتعزيز المساءلة.
- توحيد وحدات القياس لتسهيل تتبع الكميات بدقة ووضوح.
واعتبرت الجمعية أن تحسين المنصة وفق هذه التوصيات من شأنه أن يعزّز قدرتها على أن تصبح أداة وطنية موثوقة لتتبع وصول المساعدات، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية، والحدّ من مخاطر الازدواجية أو الفساد.