"نازحو الحزب يحتلون ثانوية رفيق الحريري الثانية". تنقّل هذا العنوان الذي نشرته منصة "هنا لبنان"، بين قناة محلية في تطبيق "تلغرام"، وعشر مجموعات على الأقل في تطبيق "واتسآب" في نيسان/أبريل الماضي، وتحوّل الى مادة استقطاب سياسي، يغذي المخاوف بين اللبنانيين، ويزيد من الانقسامات بينهم على خلفيات سياسية ومذهبية.
ومثله، على المقلب الآخر، انتشر خبر في قنوات "تلغرام" ومجموعات "واتسآب"، يتحدث عن "طرد عائلة نازحة في الجديدة من منزل استأجرته، لأنها شاهدت المنار والـ NBN". وَجَدَ الخبر طريقه للانتشار بشكل قياسي خلال ساعات، وأثار تفاعلات واسعة تغذّي الاعتقادات المسبقة بأن النازحين غير مرحّب بهم في جبل لبنان، وبأن هناك "طائفة معزولة ومنبوذة"، كما جاء في بعض التعليقات.
ويمثل العنوانان اللذان اطلعتُ عليهما خلال متابعات مضنية للأخبار والمعلومات منذ بدء الحرب، عيّنة صغيرة من ضخّ إعلامي، يأخذ طريقه عبر المنصات المغلقة، يمر من ضمن عشرات الأخبار المتناقلة بين المجموعات، من غير تدقيق أو مصدر واضح، ويعمل على تحشيد الرأي العام المنقسم أصلاً على عناوين الحرب الموسعة منذ 2 آذار/مارس الماضي، وتداعياتها، ويلقى رواجه من التناقل المكثف أولاً، والذي يخرج الى حسابات "فايسبوك" و"تويتر" وأحياناً يتحول الى مادة في وسائل الإعلام، ومن التفاعلات ضمن المجموعات نفسها التي ينتشر عبرها الخبر.
وينوّع الجمهور اللبناني بين المتابعات لقنوات "تلغرام" ومجموعات "واتسآب" التي تلقى رواجاً أكبر. وحسب رصد قنوات "تلغرام"، يتبين أن أغلبية الناشرين في لبنان، هم من أنصار "محور الممانعة"، وقد لجأوا إليه بعد سلسلة تدابير اتخذتها شركة "ميتا"، المالكة لـ"واتسآب"، لجهة حظر المحتوى السياسي أو ناشري المعلومات السياسية، وهي قيود غير متوفرة في "تلغرام".. أما "واتسآب"، فهو يحظى بانتشار أوسع في البيئة المعارضة لـ"حزب الله" وإيران، وغالباً ما تكون مجموعات محلية، تجمع مشاهدين بشكل أساسي من بيئتها. وللمفارقة، فإن مستخدمي التطبيقين، يضطلعون بنفس الوظيفة، وهي الاستقطاب السياسي في الأزمات، ويستخدمون منصات في اتجاه واحد، غالباً ما تكون مغلقة، وتبرز أهميتها في أن التلقي عبر الهاتف، له مفاعيل التواصل الشخصي، مما يساهم في زيادة نسبة الاقتناع.
أداة اتصال سياسي
يعد تطبيق "تلغرام"، أداة متنامية في الاتصال السياسي وتشكيل الرأي العام خلال الأزمات، حسبما ورد في دراسة أوروبية نشرتها مجلة علمية اسبانية في العام 2026، تحت عنوان "الاتصال السياسي في تلغرام: تأطير المشاعر والتراسل الاستراتيجي في أوروبا"، وعملت على تحليل رسائل الأحزاب السياسية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا أثناء أزمة الطاقة الأوروبية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
ويقول الخبير المتخصص في الإعلام الرقمي والأستاذ المحاضر في الولايات المتحدة أمين أبو يحيى، إنه "لا يمكن فهم المكانة التي باتت تشغلها منصة "تلغرام" داخل البيئة الإعلامية الرقمية المعاصرة من خلال منظور وظيفي بسيط يختزلها في كونها أداةً للتواصل؛ فما تكشفه الأبحاث الأكاديمية الحديثة أن "تلغرام" تحوّل إلى ما يشبه البنية التحتية للمعلومات، بمعنى أنه لم يعد فضاءً للتبادل فحسب، بل أصبح بيئةً منظِّمة لتدفق المعلومات وتضخيمها وإعادة توزيعها عبر شبكات مترابطة من القنوات والمستخدمين والأدوات الآلية".
ويكتسب هذا التوصيف أهميةً خاصة في سياق دراسة التضليل المعلوماتي وعمليات التأثير الرقمي. ويقول أبو يحيى إن "الثابت من خلال الدراسات الميدانية الموسّعة أن تلغرام بات يُوظَّف بوصفه غرفة عمليات حقيقية لإدارة حملات التضليل وتجييش الرأي العام؛ إذ تنشأ السرديات المضلِّلة داخل شبكات مغلقة من القنوات، وتُختبر وتُعدَّل، قبل أن تنتقل مضخَّمةً إلى منصات أوسع انتشاراً".
وتضطلع منظومة الروبوتات الآلية بدور محوري في هذه العملية، إذ تُوظَّف لمضاعفة انتشار الرسائل الموجَّهة وصناعة وهم الزخم الشعبي وتصوير الرأي المُفتعَل على أنه إجماع عفوي. ويُعزز ذلك بكون بنية "تلغرام" التقنية القائمة على القنوات العامة تُوصل المحتوى مباشرةً إلى جميع المشتركين دون أن تتدخل خوارزمية لتُقرر ما يُعرض وما يُحجب، خلافاً لمنصات مثل "فايسبوك" و"إنستغرام" والى حد ما "واتسآب" التي "تتحكم في ما يراه المستخدم بناءً على سلوكه وتفاعلاته، مما يمنح أصحاب الأجندات قدرةً استثنائية على ضمان وصول رسائلهم كاملةً إلى كل مشترك"، وفقاً لما يقوله أبو يحيى.
عشرات القنوات
منذ اندلاع الحرب الموسّعة في لبنان، في 2 آذار 2026، نمت في "تلغرام" عشرات القنوات المعنية بنشر أخبار الحرب وتداعياتها. تنشر تلك القنوات المؤيدة بمعظمها لـ"الممانعة"، بيانات "حزب الله" وتطورات الحرب وتصريحات المسؤولين الإيرانيين ومقاطع فيديو الإعلام الحربي. وغالباً ما تتضمن المنشورات، تصريحات وتقديرات موقف لشخصيات غير معروفة، وليس لها أي مسمى عملي، لكنها تتضمن تحليلات تهاجم الدولة اللبنانية، وتصف رجالاتها بأوصاف سيئة لا تخلو من شتائم، وتفكك معطيات ميدانية وتصريحات لـ"المقاومة"، وتقدمها في إطار انحيازي.
على المقلب الآخر، نمت مجموعات أخرى عبر "واتسآب"، معارضة لـ"حزب الله"، تنشر مواقف الدولة اللبنانية والقوى السياسية المناهضة للحرب، وتعطي أوصافًا للشخصيات السياسية المعارضة لـ"حزب الله"، مثل "رجل المرحلة"، و"بطل السلم"، وتهاجم الشخصيات المحسوبة على "الممانعة"، وتطلق بحقها أوصافاً مثل "بوق"، و"تافه" و"منفخ".. كما تقدم روايتها للتطورات الميدانية إنطلاقاً من تحيزات سياسية، وتصل تلك المنشورات الى تبني الرواية الإسرائيلية أو التقليل من أهمية مجريات الميدان.
هذا المحتوى، على الضفتين، يُقدم على أساس أنه معلومات دامغة لا تحتمل التأويل. قوة هذا النشر، ينطلق من أنه غير قابل للمناقشة والمحاججة، كونه يُبث في مجموعات مغلقة، وأقصى ما يمكن التعامل معه، يتمثل في التفاعل عبر أيقونات تظهر الغضب أو التأييد أو الحزب أو التضامن، يوفرها التطبيقان للمجموعات المغلقة. بذلك، تصبح وظيفة النشر استقطابية، بما يتخطى كونها إعلام، وبالنظر الى أنه لا أحد يستطيع المحاججة، فإن المحتوى يقدم وجهة نظر واحدة، ويلتقي بالغالب مع توجهات جمهور يستهويه المحتوى المنشور، وربما يعبر عنه، على ضوء ضيق الحيّز الجغرافي للانتشار.
مصدر للصحافيين أيضاً
وبات "تلغرام" منذ العام 2024، مصدراً لمعلومات الصحافيين أيضاً، خصوصاً وأن "حزب الله" كان قد افتتح قنوات فيه لبث بيانات وفيديوهات. تقول مراسلة قناة "أل بي سي أيه" بترا أبو حيدر، إنها تستخدم التطبيق كمصدر للمعلومات والأخبار، الى جانب المصادر الأخرى، خصوصاً لمعرفة موقف "حزب الله"، وهو أحد الأطراف الرئيسية في الحرب، وللتأكد من صحة بياناته. لكنها تشير إلى أن المعلومات التي تطالعها عبر التطبيق، "تخضع لمراجعة وتدقيق، منعاً لأن تكون هناك أي معلومات مضللة"، مؤكدة أنها تقاطع معلوماتها على الدوام مع مصادر أخرى.
لامركزية إنتاج السرديات
من هنا، تزداد أي مهمة لمكافحة المحتوى الاستقطابي، تعقيداً بفعل ما يمكن تسميته "لامركزية إنتاج السرديات"؛ حسبما يقول أبو يحيى، إذ "لم تعد المحتويات المؤثرة نتاجَ جهة مركزية واحدة يسهل تعقّبها، بل هي محصلةٌ تراكمية لمجتمعات رقمية متفرقة تتشارك في إعادة إنتاج المحتوى وتعديله وتداوله، وهو ما يُصعّب الإسناد ويُعقّد مهمة كشف الجهات المحرِّكة لحملات التأثير".
وفي ضوء هذا الواقع، يرى أبو يحيى أن المسؤولية تتوزع على ثلاثة مستويات متكاملة. ويشرح: "على مستوى المنصة ذاتها، لا يمكن الاكتفاء بالتذرع بالحياد التقني؛ فتلغرام مطالَب بتفعيل سياسات إشراف فعلية على المحتوى وعلى القنوات بمختلف أحجامها، وتقييد منظومات الروبوتات المستخدمة في التضخيم الاصطناعي، وتعزيز التعاون مع الجهات البحثية المتخصصة في رصد عمليات التأثير".
أما على المستوى التقني، "يغدو تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على رصد السلوك المنسق غير الأصيل وتحليل شبكات التضخيم وكشف الارتباطات بين القنوات أمراً لا غنى عنه، إلى جانب إتاحة البيانات أمام المؤسسات البحثية لتمكينها من دراسة هذه الظاهرة بعمق أكبر". أما على المستوى التوجيهي والتربوي، فإن "تنمية الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الجمهور تبقى الرهان الأهم والأكثر ديمومةً؛ لأن المتلقي الواعي القادر على التمييز والتحقق وقراءة السياق لا يمكن اختراقه بسهولة، وهو في نهاية المطاف خط الدفاع الأول والأمتن في مواجهة عمليات التلاعب بالرأي العام في الفضاء الرقمي".
يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". تمّ دعم هذا المنشور من مؤسسة فريدريش إيبرت، والآراء الواردة فيه لا تمثّل بالضرورة وجهات نظر المؤسسة. ويُنشر بالتزامن مع المدن.
TAG : ,مجموعات تليغرام ,مجموعات واتسآب ,أداة استقطاب ,معلومات موثوقة ,نازحون