مع صدور ملفات إبستين وتصاعد الاهتمام الإعلامي العالمي بها، يعود الحديث عن الاتجار بالبشر إلى الواجهة والأطر القانونية والتطبيقية للحماية منه، خصوصا مع التساؤلات التي طرحت وبدأت تتزايد مع تبيان ورود أسماء شخصيات سياسية كبيرة في ملفات ومراسلات لها علاقة بإبستين.
على الصعيد المحلّي اللبناني، يواجه لبنان تحديات موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر، لا سيما الاتجار بالنساء. فلا تزال حالات الاستغلال الجنسي والعمل القسري مهيمنة. ولكن إلى أي مدى تُعد ظاهرة الاتجار بالبشر، وخصوصًا استغلال النساء، واسعة الانتشار في لبنان؟ وما مدى فعالية الحماية المقدمة للضحايا؟
جريمة مربحة على حساب الأرواح
يُعدّ الاتجار بالبشر من أكثر الجرائم ربحًا في العالم. ويعرّفه مكتب الأمم المتحدة الإقليمي المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) بأنه "تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها والاختطاف والاحتيال والخداع واستغلال السلطة واستغلال حالة الاستضعاف أو بإعطاء وتلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال".
وبحلول عام 2021، احتل الاتجار بالبشر المرتبة الثالثة بين أكثر الجرائم ربحًا عالميًا بعد السلع المقلدة وتجارة المخدرات، إذ يدرّ نحو 150 مليار دولار سنويًا.
تشكل النساء والفتيات النسبة الأكبر من الضحايا، وغالبًا ما يتعرضن للاستغلال الجنسي أو للعمل القسري، خصوصًا في قطاع الخدمة المنزلية. كما ارتفعت معدلات الاتجار بالأطفال في السنوات الأخيرة. ووفق مؤشر الرق الحديث العالمي، يعيش نحو 10,000 شخص في لبنان في ظروف تُصنَّف ضمن العبودية الحديثة، أي ما يعادل شخصين تقريبًا من كل ألف مقيم. وتُعدّ العاملات المنزليات المهاجرات من الفلبين وإثيوبيا وسريلانكا من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر.
أطر قانونية قائمة وتنفيذ ضعيف
أقرّ لبنان قرار مجلس الأمن الدولي 1325 عام 2000، متعهدًا بحماية النساء والأطفال في سياقات النزاع، كما صادق على بروتوكول باليرمو عام 2005، ملتزمًا بمكافحة الاتجار بالبشر من خلال التعاون الدولي.
ومع ذلك، لم يُجرَّم الاتجار بالبشر صراحةً في القانون اللبناني إلا عام 2011. وقد شكّل اعتماد القانون رقم 164/2011 محطة مفصلية، إذ جرّم جميع أشكال الاتجار بالبشر ونصّ على تدابير لحماية الضحايا. كما كلّف مكتب الآداب في الشرطة القضائية لتطبيق هذا القانون وأصبح اسمه مكتب الآداب ومكافحة الاتجار بالبشر.
وفي عام 2025، تم اعتماد إجراءات تشغيلية معيارية لتوحيد آليات تحديد الضحايا وتقديم الدعم لهم. وأفادت قوى الأمن الداخلي بتحقيق بعض التقدم؛ ففي عام 2023، كشفت السلطات 13 قضية تتعلق بالاتجار الجنسي شملت 69 مشتبهًا بهم.
وعلى الرغم من هذه التطورات، لا يزال تنفيذ القوانين غير منتظم. فالنساء، ولا سيما العاملات المهاجرات واللاجئات، ما زلن يواجهن مستويات مرتفعة من الهشاشة والاستغلال.
اللامبالاة السياسية والهشاشة البنيوية
تقول الناشطة في التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، رولا زعيتر في مقابلة لـ"مهارات نيوز" إن "العائق الأساسي في تنفيذ القوانين يتمثل في غياب الإرادة السياسية الحازمة.
وتشير زعيتر إلى أن "القانون رقم 164/2011 ووثيقة الإجراءات العملية الموحّدة لعام 2025 موجودان، إلا أن التطبيق على أرض الواقع لا يزال ضعيفًا، وغالبًا لا يتلقّى الضحايا الحماية والخدمات اللازمة، ويتم التعامل معهم كما لو كانوا مشتبهًا فيهم، خصوصًا العاملات المنزليات والأشخاص القادمين من دول مختلفة، حيث يتم توقيفهم وترحيلهم، وهذا يتناقض مع روح القانون".
وتشير أيضًا إلى أنّ أبرز الثغرات أمام تأمين الحماية تتمثّل "بافتقار السلطات إلى التدريب المتخصص والموارد الكافية والمعرفة اللازمة للتعامل مع هذه القضايا بشكل ملائم".
في هذا السياق تقول رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة كفى والمحامية، موهانا إسحاق في مقابلة لـ"مهارات نيوز" إنّ "وجود مكتب مركزي واحد في بيروت غير كافٍ لتغطية لبنان بأكمله، كما أن القدرات البشرية واللوجستية محدودة".
وعلى صعيد القضاء، العديد من التحديات تقف أمام ألية الحماية تشمل بطء المحاكمات ونقص الإمكانات، بالإضافة إلى تأثير النظرة الاجتماعية السائدة، إذ تشرح اسحاق أنّه "في بعض الحالات يُنظر إلى الضحايا كما لو أنهم يمارسون الدعارة، بينما هم ضحايا للاستغلال الجنسي. وغالبًا ما يطغى الفكر الاجتماعي على التفسير القانوني، مما يضعف الحماية الفعلية للضحايا، على الرغم من أن القانون ينص على أن موافقة الضحية لا تُعتدّ بها في جرائم الاتجار".
من هم الفئات الأكثر عرضة للاتجار؟
تشير المصادر إلى أن بعض الفئات أكثر عرضة للاستغلال، مثل العاملات المنزليات الخاضعات لنظام الكفالة، اللواتي يواجهن الإكراه ومصادرة الأوراق الثبوتية وضعف الحماية القانونية، كما يواجه العمال المهاجرون واللاجئون مخاطر مرتفعة من العمل القسري وسوء المعاملة والاستغلال الجنسي.
ونظرًا لغياب برامج تأهيل رسمية تديرها الدولة، يعتمد الناجون والناجيات على منظمات المجتمع المدني لتوفير المأوى والدعم النفسي والمساعدة القانونية وفرص العمل، بينما يؤدي الفقر والنزوح وعدم الاستقرار الاقتصادي إلى تعميق الهشاشة، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاحات بنيوية شاملة.
حلول حقيقية تتطلب تنسيقًا فعّالًا
في ظلّ هذا الواقع الضعيف لأطر تطبيق القوانين وتأمين الحماية اللازمة للفئات التي تتعرّض للاستغلال والاتجار، لا بد من تكامل بين أصحاب المصلحة وتحمّل المسؤوليات، إذ تؤكد إسحاق أن "أي إصلاح يجب أن يبدأ بتعزيز القدرات المؤسساتية، وعلى الدولة أن توسّع آليات وقدرات مكتب مكافحة الاتجار بالبشر، وإنشاء مكاتب فرعية في المناطق الأخرى من لبنان لضمان فعالية أكبر.
كما تشدد إسحاق على أهمية تغيير النظرة المجتمعية مترافقة مع ضرورة رفع مستوى الوعي القانوني والاجتماعي للنيابات والقضاة لضمان اعتماد مقاربة ترتكز على حماية الضحية.
وتعيد إسحاق التأكيد أن مكافحة الاتجار بالبشر تقوم على ملاحقة الجناة وتأهيل الضحايا، مع ضرورة معالجة الأسباب الجذرية مثل الفقر واستغلال العمل والنزاعات وعدم الاستقرار الاقتصادي لتجنب إعادة الاستغلال.
في هذا السياق، تشير زعيتر إلى أهمية المساءلة المحلية وتكامل جهود البلديات مع السلطات الوطنية، وتؤكد ضرورة البدء بحملات التوعية المبكرة في المدارس والجامعات لتثقيف الشباب وتعزيز اليقظة المجتمعية، محذرة من أن السلطات المحلية لا تستطيع العمل بفعالية في ظل غياب قيادة وطنية واضحة.
على لبنان أن يوفي بالتزاماته
لا يمكن للبنان أن يكافح الاتجار بالبشر بفعالية من دون تحويل التزاماته القانونية إلى إجراءات حماية ملموسة على أرض الواقع. وبصفته من الدول الموقّعة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325، تعهّد بحماية النساء في سياقات النزاع وما بعد النزاع وإدماج مقاربات تراعي النوع الاجتماعي في السياسات الوطنية.
التحرك الفوري بات ضرورة ملحّة. فعلى السلطات التنفيذ الكامل للقانون رقم 164/2011، وتعزيز وتوسيع مكتب مكافحة الاتجار بالبشر في قوى الأمن الداخلي، والاستثمار في مراكز إيواء حكومية، وتعميق التنسيق مع منظمات المجتمع المدني. الاتجار بالبشر جريمة يمكن الوقاية منها، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحوّلت الوعود السياسية إلى أفعال.
TAG : ,مرأة ,إتجار ,حماية