Loading...
مزارعات الظل.. قوة نسائية خفيّة تعاني التهميش القانوني

 

"نحنا الستات منقدر ومنعمل شغل حلو". بهذه الجملة تختصر لبنى عزالدين سنواتها في مشروعها الزراعي الذي يقوم على الزراعة العضوية. في حديقة منزلها التي تمتد على مساحة لا يُستهان بها، زرعت لبنى أرضها بالخضراوات والفواكه بطريقة عضوية. عملت وزوجها على إنتاجٍ خالٍ من المبيدات الكيماوية على الرغم من محاولات اقناعها الكثيرة باستحالة نجاح المشروع من دون أدوية الرش الكيماوية.

لم يعد لعائلة لبنى الا الارض حالياً، وبنبرة لا تخلو من الأمل، تقول ان الارض "تعيلنا وتنتج لنا". فبعد سنوات من العمل، وادخار جنى عمرها في المصرف، تأسف أن تذهب إلى البنك من أجل تحصيل 100 دولار من حسابها المصرفي، وعليه، صارت الأرض مساحة الانتاج الوحيدة لعائلتها، حيث تبيع المحصول بأسعار رمزية "إحساساً بمعاناة الناس".

سنوات عجاف

تعود معاناة العاملين في القطاع الزراعي في لبنان إلى عهود بعيدة، إذ يعاند هذا القطاع والعاملون فيه للاستمرار رغم كل الصعوبات وغياب الدعم الرسمي الذي تكشفه أرقام موازنات المالية العامة للدولة خلال السنوات الماضية، والتي لم توفر للزراعة أكثر من 8 مليون دولار سنوياً، يذهب قسم كبير منها لرواتب العاملين في الوزارة والخدمات الادارية. أما اليوم، فقد تضاعفت المعاناة مع ارتفاع سعر صرف الدولار، ما بات يمثل تهديداً حقيقياً لامكانية استمرار المزارعين والمزارعات في عملهم.

وأدّت أسباب عديدة إلى تراجع هذا القطاع بشكل عام منها: غياب الروزنامة الزراعية واستيراد المنتجات الزراعية والغذائية بشكل غير مدروس، ما يؤدي إلى كساد المواسم لدى المزارعين المحليين، والعوامل الطبيعية وعدم تعويض المزارعين نتيجتها، وغياب دعم الدولة للعاملين في هذا القطاع، وتلوث مصادر المياه، وغياب الحماية الاجتماعية للمزارعين والمزارعات. هذه الأسباب وغيرها يُضاف إليها اهمال القطاع الزراعي ما أثّر على أوضاع العاملين والعاملات الاجتماعية والاقتصادية، ما جعلهم يرزحون تحت خط الفقر، وزيادة معدلات الفقر في المناطق الريفية، إذ بلغت نسبة العمال الفقراء في القطاع الزراعي25 % وهي  أعلى نسبة بالمقارنة مع باقي القطاعات الاقتصادية  بحسب دراسة لـ UNDP 2005. ويشكل سكان الريف في لبنان 12 في المائة فقط من الإجمالي، لكنهم أفقر نسبياً من بقية السكان، بحسب تقارير "الفاو".

وتساهم الزراعة بحوالي 5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي و8 بالمائة من القوى العاملة الفعالة. بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي الأساسي، يعد القطاع مساهماً رئيسياً في صناعة الأغذية الزراعية المهمة في لبنان والتي تساهم بنسبة 5 في المائة إضافية من الناتج المحلي، بحسب تقارير "الفاو".

وتوضح "المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمارات في لبنان" (إيدال) ان المنتجات الزراعية الرئيسية تشمل الفاكهة (التفاح والليمون والبرتقال والموز والعنب في الدرجة الأولى بالإضافة إلى الزيتون) التي تشكّل 31% من الحجم الكلي  للإنتاج الزراعي. أما الخضار (كالبطاطا والبندورة والذرة) فتشكّل 63% من إجمالي الإنتاج. وفي هذا التصنيف، تحتل البطاطا الحصّة الأكبر من إنتاج الخضروات، حيث تشكّل 25% من الحجم الكلي لهذه المحاصيل، تليها البندورة (20%) والخيار (11%) فالليمون الحامض بنسبة (5%).

ويشكل غياب الإحصاءات الرسمية مشكلة حقيقية في لبنان ما يجعل الأرقام عبارة عن تقديرات، ما يجعل السلطات اللبنانية عاجزة عن تحديد دور المرأة في هذا القطاع وغيرها من القطاعات الأخرى. فلا إحصائيات جديدة ظهرت بعد العام 2010.

وفي التفاصيل، تتفاوت التقديرات حول مشاركة النساء وتتضارب المعطيات حولها، ففي وقت تشكّل الإناث نسبة 35% من العاملين في القطاع الزراعي، بحسب دراسات الدولية للمعلومات التي تشير الى ان نسبة كبيرة من العاملات هن يد عاملة عائلية، تقدّر "الفاو"  في العام 2005 حجم مشاركة المزارعات بنسبة 9 في المائة.

وتقول الوزيرة السابقة وفاء الضيقة حمزة لـ"مهارات نيوز" ان تقييم دور النساء في قطاع الزراعة "يتطلب دراسات واحصائيات جديدة لنعطي المرأة حقها بما تقوم به في هذه المهنة". لكن آخر إحصاء قامت به وزارة الزراعة في العام 2010 أظهر أن 9% من النساء فقط يملكن حيازات زراعية، ويمثلن 5.7% من مجمل العاملين حسب إحدى الدراسات. تضيف: "هذا الواقع يدفعنا للنظر إلى دور النساء من باب التقديرات حيث صارت الأرقام وجهة نظر، ذلك ان دور النساء أساسي في سلسلة الغذاء وهي موجودة فيها منذ البداية لكن الأرقام لا تظهر ذلك مما يجعلها تبقى القوة المخفية في هذا القطاع".

عهود من المعاناة

وتعاني العمالة الزراعية للنساء في هذا القطاع من التهميش القانوني. تقول لبنى عز الدين لـ"مهارات نيوز": "انا كمزارعة محرومة من الضمان الصحي وضمان الشيخوخة"، مسترسلة في شرح المعوقات التي تحول دون تطور المرأة في هذا القطاع. تقول انه على الرغم من نجاح المشروع إلا أنها لم تحصل على شهادة رسمية معتمدة بممارسة الزراعة العضوية. هذه الشهادة تخولها توسيع عملها وتصديره إلى الخارج كما تكفل لها الحصول على ضمانات مادية وصحية. إذ يقف التصريف عائقًا أمام كل المزارعين في لبنان، في الوقت الذي لا تتوقف فيه عمليات الاستيراد. فتضطر لبنى إلى التصريف من خلال علاقاتها أو جهود شخصية تقوم بها كالترويج على مواقع التواصل.

والحال، لا يُعدّ العمل في الزراعة في لبنان، مهنة حقيقية. إذ تعتبر مهنة جانبية يمارسها اللبنانيون إلى جانب أعمال أخرى يعتاشون منها. بالنسبة للمرأة، تعتبر هذه المهنة بكامل مشقاتها امتدادًا لواجباتها الكثيرة التي يتحتّم عليها تأديتها. ويعود ذلك إلى الفكر المتوارث منذ القدم بارتباط الزراعة بالاعمال المنزلية وما يجعل دور المرأة كبيراً في هذه المهنة.

وعلى الرغم من دورها، إلا أن المرأة تعاني من تهميش حقيقي في عملها. على سبيل المثال، في المجتمعات الريفية، تحدد ملكية الأراضي الوضع الإجتماعي والطريقة التي تمارس بها السيطرة على موارد الأسرة ودخلها. ويؤدي حرمان المرأة الإقتصادي في هذا الصدد إلى اعتماد هيكلي على الرجل للحصول على الموارد، وهو ما يمكن أن يعرض بدوره المرأة لانعدام الأمن والعنف. وفي لبنان، تمثل النساء 7 في المئة من جميع ملاكي الأراضي، لكنهن لا يملكن سوى 3.5 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، بحسب دراسة أصدرتها في العام 2012  CRTDA تحت عنوان "النساء والقدرة الاقتصادية في لبنان- الأطر القانونية والتحديات لتمكين النساء".

وتوضح الدراسات التي أجرتها منظمة الأغذية والزراعة أنه على الرغم من أن النساء في معظم البلدان النامية يمثلن دعامة القطاعات الزراعية، وقوة العمل في المزارع فضلاً عن قيامهن بالأعباء اليومية المتصلة بتوفير سبل الإعاشة للأسرة، فإنهن آخر من يستفيد من عمليات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية الجارية - بل إنهن في بعض الحالات قد تأثرن سلبياً بها. والموقف السائد هو التحيز للرجل والتغاضي عن حقوق المرأة، يُستدل اليه بواقع ان صانعي السياسات ومخططو التنمية والأطراف التي تقوم بتوفير الخدمات الزراعية لا يزالون يرون جميعاً أن المزارعين هم "الذكور"، وبالتالي تجد النساء أنفسهن في وضع أسوأ من وضع الرجال من حيث الحصول على الموارد المهمة، مثل الأراضي، والتسهيلات الائتمانية ومستلزمات الإنتاج الزراعي، والتكنولوجيا، وخدمات الإرشاد، والتدريب، وغير ذلك من الخدمات التي تساعد على زيادة قدراتهن الإنتاجية.

ولا يشمل قانون العمل المزارعين والمزارعات الذين حرموا من أسس الحماية الاجتماعية. هذه العوامل تؤثر على النساء المزارعات اللواتي تشكلن قوة في المناطق الزراعية. وتبدأ التحديات من التمييز في الأجور، إذ تشرح وفاء الضيقة حمزة أن "الأجور غير متساوية في هذا القطاع إذ تعاني النساء من غبن بالأجور حيث يتم منح النساء أجرًا اقل ب 43 % من الرجال".

التعاونيات الزراعية

وُجدت التعاونيات الزراعية كحل للمزارعين لمساعدتهم عبر تسهيل التحديات الاقتصادية في المدن الريفية. الهدف العام للتعاونيات، تحسين أوضاع الأعضاء إقتصادياً وإجتماعياً. تثمن "منظمة العمل الدولية" دور التعاونيات الزراعية في توفيرها لصغار ومتوسطي المزارعين بشكل خاص فوائد إقتصادية كبيرة، منها تقاسم الأصول والموارد وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق وتعزيز القدرة التفاوضية وبالتالي زيادة أكبر في عائدات الإنتاج.

على النقيض من نجاح التعاونيات على الصعيد العالمي، غالباً ما يعتبر ضعف عمل التعاونيات الزراعية في لبنان سبباً من أسباب عدم النهوض بهذا القطاع وأحد العوامل التي تعوق نمو المشاريع الزراعية وذلك بحسب الاستراتيجية الوطنية لوزارة الزراعة التي نشرتها في العام 2015.

فالتعاونيات المسجلة، هي تعاونيات زراعية ويعمل حوالي ربعها 27% في قطاع الغذاء الزراعي ومن بينها 125 تعاونية نسوية مسجلة تعمل معظمها في تصنيع المنتجات الغذائية التقليدية اللبنانية . بحسب دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية في العام 2017 .

اليوم، ومن خلال التعاونيات الزراعية، توجد 96 تعاونية نسائية فاعلة، انضمت المزارعات اليها بهدف تحسين عملهن. وتتواجد النساء في تعاونيات رائدة بالإنتاج الغذائي والمونة ونجحت إلا أنها بقيت مبادرات فردية لم تدخل في ريادة الاعمال كما يلزم.

وتقول الضيقة ان المطلوب اليوم "هو تحوّل النساء إلى رائدات أعمال في مشاريع زراعية لأن النساء بحاجة إلى تطوير خططها في التسويق والتصدير وربطهن مباشرة بالموردين الى الخارج وذلك بهدف تطوير عملهن ورفع سقف المداخيل".

وتشير وفاء الضيقة الى "مبادرات رائدة وتعاونيات نجحت في مناطق مختلفة انتهجت العمل ضمن مفهوم العمل التعاوني، حيث قامت النسوة بتوزيع الأدوار في الوقت التي حافظت فيه بعض التعاونيات على إطارها العائلي بينما احتضنت تعاونيات من قبل مؤسسات كبيرة". لكنها تستطرد بالاشارة إلا ان المشكلة الكبرى في التعاونيات "هو عدم فهم أهمية العمل التعاوني والفائدة منها عبر إمكانية تخفيض كلفة الإنتاج، وإبرام عقود مع المزارعات من مختلف المناطق وتصريف الإنتاج".

بالفعل، تثمن سميرة زغيب، صاحبة تعاونية "أطايب الريف " في كفرذبيان (جبل لبنان) وجود التعاونيات وتشرح أهميتها لـ"مهارات نيوز" انطلاقًا من تجربتها. تقول: "أهمية التعاونية الزراعية في عملية التصنيع الغذائي انها تربط المزارعين مع الصناعيين فيقومون بصناعة ما ينتجونه من الأرض وبيعه كمواد غذائية أو مونة. وهذا ما يجعل المرأة تشارك من منزلها في عملية الإنتاج من خلال خلق فرصة عمل لها من جهة وتوفير منتجاتها الغذائية من جهة ثانية". وتوفر هذا التعاونية كل أنواع الخضار والحشائش وكل ما يرتبط بتصنيع المونة.

قامت سميرة بزراعة أرضها مع 10 سيدات بـ 3 آلآف شتلة صعتر، كما تعمل مع أكثر من 10 سيدات في التعاونية على تحويل المنتوجات الزراعية إلى صناعية.

أهمية الصعتر في البيت اللبناني كبيرة، شأنه شأن الخبز، وهو نوع من الحشائش التي يسهل على المرأة العمل فيه، فهو لا يحتاج إلى تكلفة كبيرة والعمل فيه لا يحتاج إلى مجهود جسدي بالغ. غير أن معوقات هذا العمل تتمثل في أن الشتول مكلفة، والأسمدة باهظة لاسيما مع ارتفاع سعر صرف الدولار.

اليوم، ومع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، تقول زغيب ان الناس "اتجهت للشراء من تعاونيتنا لأننا لم نرفع أسعارنا. إلا اننا نتيجة الوضع الراهن لم يعد نملك القدرة على الاستثمار تزامنًا مع انعدام مصادر التمويل".

تشجيع الزراعة

مع تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت دعوات ومبادرات تشجع على العودة إلى استغلال الأراضي بالزراعة انطلاقاً من توقعات بتدهور الوضع أكثر في الشهور المقبلة. وفي إطار مواز، من المتوقع أن تنعكس الأزمة الاقتصادية على القطاع الزراعي، والمزارعين والمزارعات تحديدًا بعد ارتفاع كلفة الإنتاج.

وترى الضيقة أن "الازمة الاقتصادية اثرت على كل القطاعات في لبنان، إلا أن النساء في هذا القطاع كونهن مهمشات يتأثرن بالأوضاع الاقتصادية أكثر من الفئات الاخرى، لأنهن من الفئات الأكثر تحسساً". وتقول انه "من العواقب التي قد تتعرض لها النساء هو تركها لعملها والبقاء في المنزل". تداركًا لذلك، وفي ظل الدعوات الكثيرة للعودة إلى الزراعة في ظل هذه الأزمة "يجب على النساء الاستفادة من هذه الفرصة وتطوير اعمالهن والتشبيك في ما بينهن للنهوض من هذا الوضع".

TAG : ,الزراعة في لبنان ,النساء المزارعات ,women ,agriculture