بعد نزوحهم عند أقارب في بيروت بسبب العدوان الاسرائيلي، عادت صفاء مع زوجها وطفلتيها إلى منزلهم في منطقة الشويفات بجبل لبنان. انقشعت أمامهم الأضرار في الجدران المتصدعة والنوافذ المكسورة، بينما لا تملك العائلة قدرات مالية لتكاليف الترميم، فالزوج سائق أجرة، وهو المعيل الوحيد. قام الزوجان بترقيع النوافذ بأكياس النايلون، بينما تسربت أمطار الشتاء من شقوق الجدران وتغلغلت فيها الرطوبة، الأمر الذي أزّم العوارض الصحية لطفلتهما الصغرى التي تعاني الربو.
تشير صفاء في حديث لـ"مهارات نيوز" إلى أنّ مؤسسة تابعة لحزب الله كشفت على المنزل مرتين، بعد ثلاثة أشهر على انحسار الحرب، ولم تحظ بعد بتعويض منها. كما لم تزرها أي جهة رسمية حكومية. وتقول أنّ دعمًا وحيدًا تحصل عليه منذ أربع سنوات من وزارة الشؤون الاجتماعية عبر بطاقة "أمان"، حيث تتلقى العائلة 105 دولارات شهريًا، ويصلها المبلغ بشكل غير منتظم. ففي الحرب مثلا، انقطعت التحويلات في شهري أيلول وتشرين الأول.
وتضيف: "المبلغ بالكاد يؤمن مصاريف ثلاثة أيام، فماذا ستُجدي 105 دولارات لعائلة لا تملك منازل مؤهلة للسكن"؟
تمثل صفاء عينة من حوالي مليون ونصف مواطن/ة لبناني/ة تضرروا من العدوان الإسرائيلي الأخير، ولا يتلقون اليوم الدعم الحكومي للتعافي من آثار الحرب القاسية. وبالتالي، تبقى شريحة واسعة من اللبنانيين عالقة في هالة المجهول حول "اليوم التالي" للحرب، في ظل نظام لبناني هش للحماية الاجتماعية، يعاني من ضعف الموارد وثغرات هيكلية، ما ينطبق أيضًا على احتواء تداعيات الحرب.
في السياق، أقرّت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد بارتفاع معدلات الفقر في لبنان بعد الحرب، حيث تبلغ اليوم 44%. وأكّدت انكباب الوزارة على "ورشة إصلاحية"، ملتزمة بالمحاور الأربعة للاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، وذلك عبر توسيع الدعم النقدي المباشر، وتعزيز الروابط مع الخدمات الاجتماعية، وبناء القدرات المؤسسية والبنى التحتية، وتعزيز التنسيق ومواءمة الأنظمة.
هذه الورشة الاصلاحية المُعلن عنها لاسيما لناحية الدعم النقدي وتوسيع المستفيدين، دونها أسئلة كثيرة تتعلق بالمعايير التي ستُوضع لاختيار العائلات المستفيدة، وما هي الآلية التي ستعتمدها وزارة الشؤون لضمان شفافية التوزيع.
نبذة عن المساعدات
عمليًا، تواصل "الشؤون" المسح الشامل للبنانيين النازحين المسجلين عبر روابط هيئة إدارة الكوارث، حيث يقوم 500 عامل اجتماعي تابعين للوزارة بزيارات منزلية، وذلك تمهيدًا لصياغة "برامج المساعدات الطارئة المخصصة للنازحين اللبنانيين المتضررين جراء الحرب"، وقد بلغ عدد الأسر المسجلة 182,189 أسرة حتى تاريخ 22 كانون الثاني 2025.
كما أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية خلال مؤتمر صحافي أوائل شهر آذار 2025 تمديد برنامج "أمان" لمدة 5 أشهر إضافية ابتداء من نهاية آذار الجاري، مؤكدة أن ملفات المستفيدين السابقين سيعاد تقييمها لتفادي حالات الغش، والبرنامج تستفيد منه حاليًا 157,162 أسرة لبنانية.
علاوة على ذلك، أكّد مصدر من وزارة الشؤون الاجتماعية لـ"مهارات نيوز"، أنّ "المساعدة الطارئة" للمتضررين من الحرب هي عبارة عن ثمانية ملايين ليرة لبنانيّة، ما يعادل 90 دولارًا تعطى مرّة واحدة للأسر المستفيدة من برنامج "أمان" وستستمرّ حتى نهاية نيسان، وقد يجري تمديدها تبعًا للمانح "برنامج الأغذية العالميّ".
كما تواصل "الشؤون" العمل في برنامج "البدل النقدي للأشخاص ذوي الإعاقة"، ويستفيد منه حوالي 20,00 فرداً من ذوي الإعاقة ومنهم متضررون من الحرب، يحصلون على مبلغ 40 دولار شهريًا.
وخلال الحرب، كانت الاغاثة الحكومية تتمّ عبر عدة هيئات لاسيما لجنة الطوارئ الحكومية. وقد أقرّ رئيس اللجنة ووزير البيئة السابق ناصر ياسين في اجتماعه التقييمي الأخير، بالحاجة إلى إقرار قانون الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث في مجلس النواب، وتعزيز الشفافية والتواصل.
بناءً على ما سبق، تتداعى أسئلة حول المساعدات الاجتماعية المرتقبة وكيف ستستطيع على قلّتها وقصورها بالنهوض بمئات آلاف اللبنانيين الذين خسروا المساكن والأرزاق، مع خطط غالبًا ما افتقرت إلى التنظيم والشفافية.
المساعدات الطارئة: ما المعايير؟
بداية، تلتبس على المتابع التسمية "برامج المساعدات الطارئة المخصصة للنازحين اللبنانيين المتضررين جراء الحرب"، فليس كلّ المتضررين نازحين، بل أنّ أغلبهم عاد إلى منازله. هذا ما أظهرته مشاهد من جحافل العائلات العائدة إلى قراها في الجنوب والبقاع صبيحة وقف إطلاق النار في 28 تشرين الثاني الماضي. وقد سُجّل في ذلك اليوم تراجع أعداد النازحين في مراكز الإيواء بنسبة 77%.
تقول صفاء، العائدة حديثًا إلى منزلها في الشويفات، أنّها غير محاطة بالمسح الذي تقوم به "الشؤون" بهدف برامج المساعدات، ولم تصل إلى الرابط المخصص للتسجيل، بخلاف صديقتها التي نزحت إلى طرابلس، وقد زارها فريق من الوزارة.
وتشمل الاستمارة بيانات حول تاريخ النزوح، ومدته، والمدة المتبقية في النزوح، وعنوانه، والوضع الحالي للمسكن الأصلي، ومعلومات حول الدخل والوضع التعليمي والصحيّ.
في الموازاة، لم يعد لهيئة الطوارئ منسق بعد الوزير السابق ناصر ياسين، وعدد كبير من الموظفين تحت الهيئة يعاد ترتيبهم في البرامج المرتبطة بالنازحين.
ويشير منسق في برنامج "أمان" لـ"مهارات نيوز"، وقد انخرط مع فريقه في مسح النازحين، أنّ "وحدة الإدارة المركزية لدى رئاسة مجلس الوزراء تحدّد النازحين المستفيدين، وتحدّد أيضًا المستفيدين من "أمان"، وتولّت أولا "البرنامج الوطني للأسر الأكثر فقرا". والبيانات الخاصة بالأسر التي خضعت للمسح موصولة بخوادم هذه الوحدة".
ويؤكد ما سبق مصدر آخر من "الشؤون"، مضيفًا أنّ حتى التقديمات لم تُحدّد بعد، وتنتظر الدعم المالي من المنظمات والدول المانحة لتبيّن أطر التدخلات والتكاليف، وكذلك تحديد الجهة المسؤولة عن شفافية الإجراءات.
برنامج "أمان": أسئلة عالقة
وسط هذه الضبابية، ما يمكن تأكيده هو أنّ تحديد الأسر المتضررة من الحرب والتي ستستفيد من البرامج المقبلة، يسلك نفس الآلية المتبعة في "أمان"، من خلال وحدة الإدارة المركزية في رئاسة الحكومة.
وفي استعادة سريعة لمسار "أمان"، يتبين أنّ الشفافية معضلة عالقة، فيما تمضي "الشؤون" في توسعة قاعدة المستفيدين، أو تجزئتها، كما في "برنامج الدمج الاقتصادي المنتج في لبنان" الذي أطلق بداية 2025 ليشمل 1500 عائلة في المناطق ذات التجمعات العالية المستفيدة من "أمان".
يفيد هنا تتبع منشور لوزارة الشؤون على "فايسبوك"، بتاريخ 25 شباط 2025، لنستنتج تواصل المشاكل المرتبطة بالمستفيدين. مثالاً، لم تحصل عائلات على أي دعم رغم تلقيها رسالة القبول في البرنامج، وهناك من يتّصل بالخط الساخن ولا تتابع الوزارة شكاويه، ومواطن تسجل في الاستمارة ولم تتابعها الوزارة رغم حاجته الماسة إلى الدعم.
في السياق، يوضح المنسق الميداني أن "منهجية اختيار المستفيدين تعتمد معايير الهشاشة ومستوى خط الفقر، علماً أنّ المعادلة مشفرة في النظام الالكتروني ضمن عمليات صغيرة ومعقدة في خوادم وحدة الإدارة المركزية لدى رئاسة الحكومة".
ويكشف أنّ "الشؤون" فوّضت بالزيارات في مرحلة ثانية لمتابعة الاستمارات المملوءة على Impact، وبدأت بزيارات تجريبيّة في الغبيري - الضاحية الجنوبية والتبانة شمال لبنان، ولم تقم من بعدها الوزارة بأي زيارة للأسر، وبالتالي يرجّح حرمان مئات المواطنين المؤهلين للدعم.
وخلال تتبّعنا توزيع المستفيدين، تظهر على Impact تحديثات لغاية 6 شباط 2022، وتشمل برنامج "دعم" لا شبكة "أمان" وحدها.
أمّا التقارير الشهرية، فتلك الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية تبرز فقط قيمة المساعدات في البرامج أو العدد الإجمالي للمستفيدين، دون تفصيل توزيعهم حسب الأقضية.
وبالنسبة للتفتيش المركزي، وهو الجهة الرقابية المخولة متابعة سير العمل، فالتقرير الأخير لاستكمال عملية الدفع المتاح على منصّته يعود لتاريخ 30 آذار 2024، ويبيّن فقط أعداد الطلبات الواردة وتلك المستبعدة بحسب الأقضية، علماً أنّ البيانات الخاصة بتوزيع المستفيدين تفوقها أهمية.
وفي استفسار حول توزيع العائلات بحسب الأقضية، يؤكد المنسق: "لا نملك في مراكزنا تحديثات حول عدد الأسر المستفيدة وتوزيعها، فكلّ البيانات محصورة في وحدة مجلس الوزراء".
ويقيّم هذه الآلية قائلا "تتمتع بإيجابية أكيدة لكونها محايدة بالمبدأ وموحّدة للمعلومات، ولكننا نفتقر إلى التنسيق والوضوح، إذ لم يجر أي اجتماع ما بين المنسقين والعاملين الميدانيين والمفتشين ووحدة مجلس الوزراء. أنا أعمل في برامج الفقر منذ انطلاقها، ولكنني لغاية اليوم لا أعلم من يعمل فيه من رئاسة مجلس الوزراء، وكيف تحلّل بيانات الأسر، وكيفية البتّ بالبلاغات".
ممارسات بديلة
هذا الواقع المتشابك، تتناوله منسقة حملة "الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية" صبحية نجار، حيث تصوّب بشكل أساسيّ على "تجزئة برامج الدعم التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية".
وهذه التجزئة وفق نجار، تشمل المهل الزمنية، والتمويل، ومعايير المستفيدين، ونوعية التقديمات، ما يؤثر بشكل مباشر على فعالية هذه البرامج في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية. وينتج عن كل هذه العوامل غياب النسق الإداري والمالي المستقر للبرنامج، مما يساهم بعجز الأسر عن التخطيط طويل الأمد لمواردها.
وتضيف "إنّ هذه الأعطاب في التطبيق تحدّ أيضًا من استدامة هذه البرامج، وتُضعف الثقة بها، مما يفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستهدفة".
وعليه، تلفت نجار إلى الحاجة الملحّة لإطار وطني شامل لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية التي أقرتها الحكومة اللبنانية عام 2023، لأنها تضمن حقوق الجميع، خاصة لناحية التمويل المستدام ومعايير واضحة لتحديد المستفيدين، وتنسيقًا أفضل بين الجهات المعنية.
وتقترح نجّار حلولاً لتعزيز فعالية بطاقة "أمان" وبرامج دعم النازحين، وسواها من برامج الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، لضمان تحقيق أهدافها بشكل أكثر كفاءة وعدالة، وهي:
- تعزيز اللامركزية التشغيلية: من خلال منح المنسقين والعاملين الاجتماعيين صلاحيات أكبر في اتخاذ القرارات الميدانية، مع الحفاظ على الإشراف المركزي لضمان التوجيه العام والتنسيق.
- إنشاء آليات تواصل منتظمة: تأسيس قنوات اتصال دائمة بين الوحدة المركزية والعاملين الميدانيين، مثل الاجتماعات الدورية وورش العمل، لضمان تبادل المعلومات والتغذية الراجعة المستمرة.
- إشراك المجتمع المدني والجهات المحلية: تعزيز دور المجتمع المدني والسلطات المحلية في تصميم وتنفيذ وتقييم البرامج، لضمان تلبية الاحتياجات الحقيقية للمستفيدين وزيادة فعالية البرامج.
ووفق نجار، ينبغي أن تترافق هذه الإصلاحات بأخرى تضمن الرقابة والشفافية، وهذا مطلب دائم للعاملين والخبراء المنخرطين في سياسات الوزارة. وتنطوي هذه الخطة على:
- إنشاء هيئة رقابية مستقلة تتابع عمل المنصة وآليات تحديد المستفيدين.
- إصدار تقارير دورية علنية تبين معايير اختيار المستفيدين وآليات التنفيذ.
- فتح باب الطعون للمواطنين عبر آلية واضحة تسمح لهم بالطعن في القرارات المتعلقة بمساعداتهم.
- رقمنة البيانات والتقاطع مع قواعد بيانات رسمية للحد من التكرار وضمان وصول الدعم إلى الأكثر استحقاقاً.
ختامًا، تقترح صبحية نجار "إعادة توجيه الدعم نحو خدمات اجتماعية مستدامة، مثل دعم التعليم والصحة بدل تقديم مبالغ مالية غير كافية، ويجدر أيضًا دعم النقل العام. كما يمكن توسيع برامج النقد المشروط التي تضمن أن تصرف المساعدات على الحاجات الأساسية، مثل الغذاء والتعليم والصحة. وأخيراً، ينبغي تبني برامج دعم مرتبطة بالعمل، عبر تمويل مشاريع تخلق فرص عمل للأسر المستهدفة بدلاً من اعتمادها فقط على المساعدات".
الموظفون يعانون أيضًا
يناشد المنسق في برنامج "أمان" وزارة الشؤون الاجتماعية الحرص على حقوق الموظفين. بالقول: "خلال فترات طويلة لم يتلقّ موظفو الشؤون في برنامج الحماية الاجتماعية رواتب، وقد اختلفت ما بين 6 أشهر إلى سنة وثمانية أشهر. ومضى شهر شباط الأخير دون أن نتقاضَى راتب كانون الثاني".
يضيف "الرواتب ضئيلة جدًا، فمع كلّ الحوافز والزيادات بلغت رواتبنا 350 دولار أميركي شهريًا للمنسقين و330 دولاراً للعمال الاجتماعيين، ولا نتقاضى بدلاً للنقل، في وقت تتجه الحكومة الى إقرار 500 دولار حدًا أدنى للأجور، وتُلزم ببدل للنقل".
في المحصلة، تستمرّ التحديات في تصميم وإدارة برامج الحماية الاجتماعية في لبنان. ولعلّ الاستفادة القريبة للمتضررين من الحرب، ستشكّل فرصة لتقييم هذه البرامج وتصحيح الأعطاب قبل إطلاق برامج جديدة. ولتحقيق ذلك، يجب العمل على إصلاحات شاملة تضمن استدامة التمويل وتُرمّم ثقة المواطنين بالحكومة، كما يجب أن تصون حقوق الموظفين العاملين في هذه البرامج، لضمان استمرارها ونجاحها.
يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة "مهارات" حول "التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".