في زمن التوتر الأمني والحروب، لا تحتاج الأخبار المضلِّلة إلى وقت طويل كي تتحوّل من مجرّد رواية غير دقيقة إلى عامل توتر فعلي يهدّد السلم الأهلي. القاسم المشترك بين حادثة فندق "كومفورت" في بعبدا/الحازمية أمس، والجدل في الحرب الماضية حول استهداف مبنى في أيطو – زغرتا، وحادثة إخلاء مهنية دير عمار، ليس فقط الخطأ في المعلومات، بل السرعة في التداول، والاعتماد على مصادر غير مدقّقة، واستعداد الجمهور لتصديق ما يعزّز مخاوفه المسبقة.
في الحالات الثلاث، الانتشار الواسع سبق عملية التحقّقَ من المعلومة، ورافقه تصعيد في الخطاب، ما كاد يحوّل معلومة غير مؤكدة إلى أزمة فعلية. هكذا يتبيّن أن التضليل لا يكمن دائماً في اختلاق الوقائع، بل أحياناً في نقل تصريحات أو روايات متضاربة من دون تدقيق كافٍ، في سياق مشحون أصلاً بالتوتر والانقسام.
أمثلة على تأثير الأخبار المضللة
ما حصل أمس يوم 4 آذار 2026، بعد استهداف فندق "كومفورت" في منطقة بعبدا/الحازمية، يُظهر بوضوح مخاطر تداول الأخبار غير الدقيقة. فقد صرّح رئيس بلدية بعبدا، جان أسمر، بأن "الدورية البلديّة تم إرسالها للمساعدة، لكن عناصر البلدية لم يتمكّنوا من الاقتراب بسبب الطوق الأمني الذي فرضه عناصر من حزب الله". هذا التصريح انتشر بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب، وأثار هلعًا واسعًا بين الناس وكاد أن يفضي إلى فتنة قبل أن يتضح لاحقًا أنّ الخبر غير صحيح.
وفي الحرب السابقة، أثارت معلومات غير دقيقة حول استهداف مبنى في أيطو – زغرتا جدلًا كبيرًا، إذ تداول الإعلام روايات متضاربة حول هوية المستأجر، منها أنه مراسل لقناة "المنار" أو عنصر أمني في حزب الله. إلى جانب الخوف الذي أحدثته هذه الأخبار، برزت مؤشرات على خطاب كراهية من خلال التمييز والإقصاء والتعميم السلبي، ما يبرز أهمية أن يحافظ الصحافي على مسافة نقدية واضحة عند نقل أقوال الشخصيات السياسية وعدم تبنيها أو نشرها دون تدقيق.
حتى التهديدات غير الصحيحة، مثل ما حدث في إخلاء مهنية دير عمار، أظهرت مدى الضرر النفسي الذي يمكن أن تسببه المعلومات المغلوطة للناس.
دور الصحافي في زمن الحرب
يصبح دور الصحافي في هذه اللحظات أكثر حساسية وأهمية، عليه التأكد من مصداقية الأخبار، مدققًا بالمعلومات قبل نشرها، وواعٍ للآثار النفسية والاجتماعية لكل خبر. فالتحقق من المعلومات لا يحمي الجمهور من التضليل فحسب، بل يمنع تأجيج الكراهية، يحمي السلم المجتمعي في لحظات حرجة، ويعزز الثقة بالإعلام كأداة لنقل المعلومات الدقيقة والمهنية في أوقات الأزمات.
دليل الصحافي للتحقق قبل النشر
- التحقق من المصدر: تأكد من أن المعلومة صادرة عن جهة موثوقة، ولا تعتمد على منشورات مجهولة أو مشكوك فيها.
- مقاطعة المعلومات: اعمل على مقاطعة المعلومات والتحقق منها من أكثر من مصدر، حتى لو صدرت على لسان شخصيات معروفة أو جهات رسمية، فالتصريحات قد تكون غير دقيقة أو منقولة خارج سياقها.
- تأكيد صحة التصريحات الرسمية: اذهب للحساب أو الموقع الرسمي للجهة أو الشخص، ولا تكتفِ بالصور أو لقطات الشاشة.
- التحقق من توقيت المعلومات: تأكد أن الخبر حديث، حيث يُعاد أحيانًا نشر تصريحات قديمة لتضليل الجمهور.
- تجنب العناوين العاطفية والتحريضية: الأخبار التي تهدف لإثارة الخوف أو الفرح المبالغ فيه غالبًا هي أدوات حرب نفسية وليست حقائق.
- التمهل قبل النشر: السبق الصحافي لا يعني نشر أي معلومة فورًا؛ التحقق أولًا يحمي الجمهور ويمنع تضليلهم.
الحفاظ على مسافة نقدية: عند نقل تصريحات سياسية أو مثيرة للجدل، ضع سياقًا واضحًا وأظهر أن الرأي ليس موقفك الشخصي أو موقف الوسيلة.