صحيح
في أعقاب حادثة ساقية الجنزير في بيروت، التي اندلعت على خلفية محاولة توقيف صاحب أحد المولدات الكهربائية حسن عيتاني المعروف بـ "أبو علي عيتاني"، برزت تساؤلات حول طبيعة الإجراء الذي نفذته دورية من المديرية العامة لأمن الدولة، لا سيما مع ارتباط الملف بخلافات حول تسعيرة المولدات وإحالته إلى القضاء المختص.
وتأتي هذه التطوّرات في سياق أزمة تسعيرة المولّدات الكهربائيّة، التي تشهد خلافاتٍ متكرّرة بين أصحاب المولّدات والمواطنين، وغالبًا ما تتطوّر إلى إشكالاتٍ ميدانيّة، خصوصًا في المناطق المكتظّة. وبين الرّوايات المتضاربة حول قانونيّة المداهمة وخلفيّاتها، يبرز تساؤل أساسي حول ما إذا كانت القوّة الأمنيّة قد التزمت حدود المهمّة الموكلة إليها.
فهل يدخل تحرّك أمن الدولة في قضايا حماية المستهلك ضمن صلاحياته القانونية؟
شهدت منطقة ساقية الجنزير في بيروت إشكالًا بين عناصر من المديرية العامة لأمن الدولة وأحد أصحاب المولّدات الكهربائية المعروف بـ "أبو علي عيتاني"، إضافة إلى عدد من أبناء المنطقة، ما أدّى إلى حالة توتر ميدانية امتدّت إلى عدد من الطرقات في بيروت، حيث جرى قطعها تضامنًا مع عيتاني، قبل أن يُخلى سبيله لاحقًا.
من جهتها، أوضحت المديرية العامة لأمن الدولة في بيان أنها، وفي إطار متابعة ملف المخالفات التي تمسّ بالأمن الاقتصادي، وبعد تخلّف أحد أصحاب المولدات في بيروت عن الحضور إلى مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة لاستكمال الإجراءات القضائية بحقه، وبناءً لإشارة النيابة العامة المالية القاضية بإحضاره. قامت دورية من هذه المديرية العامة بتنفيذ الإشارة القضائية، فاعترضها عدد من المواطنين ومُنعت من تنفيذ مهمتها، مما اضطر بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم ولم يصب أحد بأذى. ويتم وفق البيان إجراء التحقيق بإشراف النيابة العامة العسكرية.
في السياق، يوضح مصدر في أمن الدولة في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أنّ المديرية تتابع منذ أكثر من شهر ملف مكافحة الفساد والغش في قطاع المولّدات، بناءً على تكليف صادر عن رئيس الحكومة بموجب التعميم رقم 31/2025. ويشير إلى أنه جرى عقد اجتماعات تنسيقية مع مدير عام وزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر، ووُضعت خطة عمل شملت بيروت وعددًا من مناطق جبل لبنان، واستهدفت المولدات المخالفة وبعض السوبرماركت التي تعتمد تسعيرًا مرتفعًا.
ويضيف أنّ الدوريات نفّذت جولات ميدانية في مناطق عدّة، من بينها الشويفات، عرمون، بشامون، طريق الجديدة، المصيطبة وبربور، حيث تم تنظيم أكثر من تسعة محاضر ضبط بحق مخالفين، وذلك بإشراف وإشارة من المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو.
أما في ما يتعلق بقضية "أبو علي عيتاني"، فيلفت إلى أنّ الأخير تخلّف عن الحضور رغم استدعائه مرتين إلى مركز القوة الضاربة، مكتفيًا بإرسال محاميه لطلب مهَل أو تقديم مستندات. وعلى هذا الأساس، أصدر القاضي إشارة بإحضاره، وهو إجراء قانوني يجيز للقوة الأمنية التوجه إلى مكان وجود الشخص وطلب مرافقتِه إلى مركز التحقيق، أو إحضاره بالقوة في حال عدم الامتثال.
ويؤكد أنّ ما حصل خلال تنفيذ المهمة جاء نتيجة رفض المعني الامتثال، وتدخّل عدد من المواطنين لمحاولة منعه من التوقيف، ما دفع العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريق الحشود وحماية الموقوف، من دون تسجيل أي إصابات. ويشدد على أنّ تحرّك الدورية تمّ بناءً على إشارة قضائية، وأن التحقيق في ملابسات الحادثة جارٍ بإشراف القضاء العسكري.
ويختم بالتأكيد أنّ المديرية العامة لأمن الدولة تُعد جزءًا من الضابطة العدلية، وهي تنفّذ المهام التي يكلّفها بها القضاء، ولا تقتصر صلاحياتها على حماية الشخصيات والمنشآت العامة فحسب.
الإطار القانوني لتحرّك أمن الدولة
ولفهم مدى قانونية هذا التدخّل، لا بد من التوقّف عند الإطار القانوني الذي يحكم تحرّك جهاز أمن الدولة وصلاحياته. وفي هذا الإطار، يوضح المحامي ووزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، أن القوى الأمنية تتحرّك كضابطة عدلية، إمّا فورًا في حالات الجرم المشهود، حيث تنتقل إلى مكان الحادث وتُبلغ النيابة العامة المختصة، أو بناءً على تكليف مسبق منها في غير هذه الحالات، عبر ما يُعرف بالإشارة القضائية. وتلتزم الضابطة العدلية بإطلاع النيابة العامة على الإجراءات التي تتخذها، ولا يحق لها تفتيش أي شخص أو منزل من دون إذن مسبق، وفقًا للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ويشير بارود في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، إلى أنه عند صدور إشارة قضائية (من النيابة العامة أو قاضي التحقيق)، تلتزم الدورية بتنفيذ مضمونها، سواء تعلّق الأمر بتوقيف أو دهم أو استدعاء، ولا يحق لها التصرف خارج نطاق الإشارة، مع إبراز الصفة الأمنية وتنظيم محاضر رسمية بكل الإجراءات.
ويلتقي هذا التوصيف مع ما يقدّمه الخبير القانوني الدكتور طوني مخايل، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، الذي يوضح أن جهاز أمن الدولة يتحرّك ضمن إطار الضابطة العدلية، باعتباره من الأجهزة الأمنية المخوّلة قانونًا جمع المعلومات المرتبطة بأمن الدولة الداخلي والخارجي وتحليلها. ولا يقتصر دوره على الرصد، بل يمتد إلى التنفيذ، إذ يتمتع عناصره المفوّضون بصفة ضباط عدليين، ما يتيح لهم التواصل المباشر مع النيابات العامة المختصة، وتنفيذ الاستنابات القضائية، وإجراء التحقيقات والتوقيفات. وتبدأ آلية التحرّك عادة بجمع المعلومات وتحليلها، قبل اتخاذ القرار إمّا بإحالة الملف إلى جهة مختصة، أو مباشرة الإجراءات بالتنسيق مع القضاء المختص، الذي يشرف على عمل الضابطة العدلية ويوجّهها.
أما في ما يتعلق باستخدام القوة، فيشير مخايل إلى أن هذا الموضوع يثير حساسية خاصة، ويخضع لثلاثة مبادئ أساسية: الضرورة، أي وجود خطر فعلي على العناصر أو المهمة؛ والتناسب بحيث تكون القوة المستخدمة متلائمة مع حجم التهديد؛ والشرعية أي أن تتم ضمن مهمة قانونية واضحة. وفي هذا الإطار، يُسمح للعناصر بإطلاق النار في الهواء كإجراء تحذيري لتفريق الحشود أو منع الاعتداء، في حال تقديرهم وجود خطر جدي، على أن تبقى هذه الصلاحية خاضعة لاحقًا لرقابة القضاء الذي يقيّم مدى مشروعيتها.
وفي موازاة ذلك، يوضح بارود، أن صلاحيات الجهاز تستند إلى قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102/1983)، الذي نصّ على إنشاء مديرية عامة لدى المجلس الأعلى للدفاع تُعرف بـ"المديرية العامة لأمن الدولة"، وتخضع لسلطة هذا المجلس وترتبط برئيسه ونائب رئيسه.
وبموجب المادة السابعة من هذا القانون، تتولى المديرية العامة لأمن الدولة مجموعة من المهام، أبرزها:
- أولًا: جمع المعلومات المتعلقة بأمن الدولة الداخلي، بواسطة شبكات خاصة بها تغطي الأراضي اللبنانية واستقصاء المعلومات الخارجية من الأجهزة القائمة، والتحقق منها وتحليلها وتصنيفها وحفظها أو إحالتها إلى الجهات المختصة.
- ثانيًا: مراقبة الأجانب بالتحري عما يقومون به من أعمال تمس بأمن الدولة ومراقبة علاقات المواطنين بالجهات الأجنبية فيما يتعلق بأمن الدولة.
- ثالثًا: مكافحة التجسس والنشاط المعادي بمختلف أشكاله.
- رابعًا: التحقيقات الأولية في الأفعال التي تمس أمن الدولة الداخلي والخارجي بواسطة مدير عام ونائب المدير العام وضباط المديرية العامة الأساسيين والضباط المنتدبين إليها و الرتباء الذين يسميهم نائب رئيس المجلس الأعلى للدفاع حيث يقومون بمهامهم بصفة ضباط عدليين مساعدين للنائب العام الاستئنافي ولمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وفقًا للقوانين المرعية الإجراء.
- خامسًا: التنسيق مع باقي الجهات الأمنية المختصة في المديرية العامة للأمن العام وقوى الأمن الداخلي ومديرية المخابرات في الجيش بشؤون الاستعلام وتبادل المعلومات .
وقد حُدّدت دقائق تطبيق هذا البند بالمرسوم رقم 2661 تاريخ 3/9/1985.
ويختم مخايل بالإشارة إلى أهمية التفريق بين المذكرة والإشارة القضائية، إذ أن المذكرة القضائية هي قرار خطي صادر عن قاضٍ، مثل مذكرة توقيف أو إحضار، وتُعد ملزمة التنفيذ وتشكل أساساً قانونياً مباشراً لأي إجراء قسري. أما الإشارة القضائية، فهي توجيه يصدر عن النيابة العامة، غالباً بشكل شفهي أو سريع، لتنظيم سير التحقيق وتوجيه الضابطة العدلية، خصوصاً في الحالات المستعجلة.
إذًا، الإشكالية المطروحة صحيحة، إذ أن تدخل جهاز أمن الدولة في قضايا حماية المستهلك يندرج ضمن صلاحياته القانونية، باعتباره يعمل ضمن إطار الضابطة العدلية ويملك عناصره صفة الضابطة العدلية، ما يتيح لهم تنفيذ مهام قضائية كالتواصل مع النيابات العامة وتنفيذ الاستنابات القضائية وإجراء التحقيقات والتوقيفات.