Loading...
halftrue

صحيح جزئياً

مصرف لبنان
هل استخدام أموال الدولة لدى مصرف لبنان لتغطية نفقات الحرب سيؤدي إلى انهيار سعر الصرف؟
24/04/2026

تناولت جريدة الأخبار في عددها الصادر في 20 نيسان 2026 قضية  فتح الحكومة اللبنانية نقاشًا مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض طارئ بقيمة مليار دولار، تحت عنوان تمويل تداعيات الحرب. وتطرق المقال الى أنّ التدقيق في بنية ميزانية الدولة لدى مصرف لبنان يكشف مفارقة أساسية، وهي أن الدولة نفسها تحتفظ بودائع كبيرة يمكن استخدامها جزئيًا، بدلاً من العودة إلى الاستدانة بشروط سياسية ومالية مُعقّدة. متسائلا، لماذا الاقتراض قبل استخدام ما هو موجود؟

 

وتطرق المقال إلى مشكلة متداولة وليست المرة الأولى التي يتم الحديث عنها قد تُعيق استخدام هذه الأموال وتشكل تحدّيًا لمصرف لبنان. وهي أنه لا يستطيع أن يدخل 9 تريليونات ليرة (مليار دولار) إلى السوق، من دون التأثير على سعر الصرف.

 

فهل استخدام أموال الدولة لدى مصرف لبنان لتغطية نفقات الحرب سيؤدي إلى انهيار سعر الصرف ؟

 

بدايًة نفى وزير المالية ياسين جابر ما يتم تداوله، مؤكدًا أن لا وجود لأي اتفاق مع صندوق النقد الدولي لحصول لبنان على تمويل طارئ يصل إلى مليار دولار، وأوضح جابر، في مقابلة مع "الشرق" على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، أن ما جرى تداوله يعود إلى التباس بين دور صندوق النقد والبنك الدولي، مشيرًا إلى أن النقاشات الجارية تتركز مع البنك الدولي، وتشمل بحث تحويل بعض القروض نحو حالات طارئة إنسانية.

 

مع هذا النفي يبقى التساؤل مطروحًا، كيف سيؤثر أي استخدام محتمل لأموال الدولة لدى مصرف لبنان لتغطية نفقات واضرار متعلقة بالحرب على سعر صرف الليرة الذي اعتاده اللبنانيون أنه ثابت ومستقر في السنوات الأخيرة على رقم 89500.

 

يرى الباحث المُقيم لدى كليّة سليمان العليان لإدارة الأعمال OSB في الجامعة الأمريكية في بيروت محمد فحيلي أنه في المقام الأول، يُفترض بالدولة أن تتحمّل مسؤولياتها تجاه ملف النزوح، بما في ذلك الأعباء المالية المترتبة عليه، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تفرضها الحروب. وقد أعرب البنك الدولي عن القدرة والرغبة لتقديم الدعم اللازم لمساندة الدولة في تغطية هذه التكاليف، كما أن دُول صديقة تبرعت للبنان للمساعدة، لذا يُستبعد أن تلجأ الدولة إلى استخدام حساباتها لدى مصرف لبنان لتمويل هذه النفقات.

 

لكن في حال تم اللجوء إلى هذه الأموال، فإن تأثير ذلك على سعر الصرف يبقى رهنًا بحجم المبالغ المستخدمة وآلية إنفاقها. ويستدعي هذا الأمر طرح مجموعة من الأسئلة الأساسية، من بينها: هل سيتم تحويل هذه الأموال مباشرة إلى النازحين مثلا، أم ستُخصص للمؤسسات المعنية برعايتهم داخل مراكز النزوح، أم ستُفتح اعتمادات للوزارات المعنية كوزارة الشؤون الاجتماعية، لتتولى إدارة هذا الملف؟

 

كذلك، تبرز مسألة تأثير هذه النفقات على الاقتصاد الوطني، فهل النفقات التي نريد تغطيتها تقوم بالضعط على الاقتصاد الوطني بمعنى أنها تزيد الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية لدرجة يمكن أن تؤثر على سعر الصرف؟

 

ويُطرح أيضًا تساؤل حول طبيعة العملة التي ستُصرف بها هذه النفقات: هل ستكون بالليرة اللبنانية، أم أن واقع الاقتصاد المُدولر سيدفع باتجاه شراء الدولار لتغطية المدفوعات بالعملة الصعبة؟ وفي هذه الحالة على مصرف لبنان إدارة هذه العملية، من خلال اعتماد آليات مدروسة لشراء الدولار بما يحدّ من أي تقلبات حادة في سعر الصرف، إضافة إلى ضرورة ضبط وتيرة الإنفاق بما يضمن الحفاظ على الاستقرار النقدي.

 

ويضيف فحيلي  لـ "مهارات نيوز": "برأي، ولو تمّ استخدام جزء من أموال الدولة بالليرة اللبنانية، فإن ذلك لن يكون بالحجم الذي يؤدي إلى تأثير جوهري على سعر الصرف، لأن الليرة اللبنانية لم تعد عملة مضاربة بسبب عدم وجود العرض والطلب عليها والاقتصاد مدولر بنسبة كبيرة خصوصًا في اقتصاد الظل".

 

بدوره الخبير الاقتصادي انطوان فرح يشرح لـ "مهارات نيوز" أن معظم أموال الدولة لدى مصرف لبنان هي بالليرة، وتُقدّر قيمتها بنحو 5 مليارات دولار، ويجري التعامل معها بحذر لتفادي زيادة الكتلة النقدية والضغط على سعر الصرف فمنذ منذ نحو ثلاث سنوات، تشكّل توافق بين السلطة النقدية، ممثّلة بمصرف لبنان، والسلطة المالية، ممثّلة بوزارة المالية، بهدف التنسيق لضبط سعر صرف الليرة في السوق اللبنانية.

 

وقد أثمر هذا التفاهم استقرارًا ملحوظًا في سعر الصرف خلال هذه الفترة، مستندُا إلى آلية تقوم على مراقبة السوق بشكل مستمر والحفاظ على الكتلة النقدية بالليرة ضمن حدود مضبوطة. ورغم ما يخلّفه هذا النهج من آثار سلبية على الدورة الاقتصادية، فقد اعتُبر أن كلفته تبقى أقل من تداعيات التقلبات الحادة والعشوائية في سعر الصرف.

 

ويرى فرح أن إنفاق هذه الكتلة النقدية دون تنسيق مع السلطة النقدية أو بشكل متسرّع قد يؤدي إلى انهيار سعر الصرف والعودة إلى دوامة التقلبات الحادة. إلا أن التفاهم القائم لا يزال ساريًا، ويقضي بعدم استخدام هذه الأموال إلا ضمن تنسيق دقيق، مع إبقاء أولوية تثبيت سعر الصرف فوق أي اعتبارات أخرى.

 

الخيارات المتاحة لتغطية نفقات الحرب

في ما يتعلق بالبدائل المتاحة داخليًا وخارجيًا، يشرح الخبير الاقتصادي د. نسيب غبريل لـ "مهارات نيوز" إلى أن الدولة حققت فائضًا ماليًا يُقدّر بملياريّ دولار في الـ 2024 و الـ 2025 ، من دون وضوح حتى الآن بشأن حجم ما قد يتم استخدامه منه. يأتي ذلك في ظل تحسّن إيرادات الخزينة، التي ارتفعت من 4.6 مليارات دولار في عام 2024 إلى 6.5 مليارات دولار في 2025، ما أتاح تسجيل فائض في المالية العامة بلغ نحو 825 مليون دولار في 2024، و1.15 مليار دولار في 2025.

 

ورغم أن الحرب يُتوقع أن تفرض أعباء إضافية على المالية العامة، لا تزال غير معروفة الحجم، إلا أن المؤشرات الحالية لا تُظهر لجوء الحكومة إلى استخدام الأموال المودعة لدى مصرف لبنان لتغطية هذه النفقات. ويستدل على ذلك من استقرار الكتلة النقدية المتداولة، التي بلغت نحو 64,838 مليار ليرة لبنانية (ما يعادل قرابة 725 مليون دولار) حتى منتصف نيسان، من دون تسجيل ارتفاع ملحوظ.

 

على صعيد الدعم الخارجي، يبرز وفق غبريل إعلان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عن حزمة تمويل بقيمة 5 مليارات يورو مخصصة للدول المتضررة من الحرب في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، ومن بينها لبنان، الذي يُعد من الأكثر تأثرًا. إلا أنه من غير المعروف كيف ستُستخدم هذه ال 5 مليارات واذا كان لبنان سيتأهل لجزء منها.

 

أيضًا وفي خلال اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد التي انتهت الأسبوع الماضي في واشنطن حاول الوفد اللبناني طلب تمويل سريع من ضمن المبالغ التي أعلن عنها البنك الدولي وصندوق النقد كلٌ على حدة لدعم البلدان المتضررة من الحرب ولكن الطلب لصندوق النقد لم يُستجاب لأن لبنان لا يزال يعاني من تداعيات قرار التعثر عن سداد سندات اليوروبوندز عام 2020 وعدم بدء مفاوضات مع حاملي السندات لإعادة هيكلتها. أما على مستوى البنك الدولي، فتجري مناقشة إمكانية إعادة توجيه جزء من القروض المقرّة سابقًا للبنان نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية الطارئة، في إطار التنسيق القائم بين الجانبين.

 

في السياق وفي ظل محدودية الخيارات المتاحة، وتداعيات الحرب التي تفرض ضغوطًا إضافية تستدعي زيادة النفقات يبرز ترشيد الإنفاق وفق الخبير الاقتصادي انطوان فرح كخيار أساسي يمكن اعتماده، بالاضافة الى تواصل المساعي لاستقطاب تمويلات خارجية، سواء عبر هبات أو قروض ذات طابع إنساني، في ظل مؤشرات إلى وجود تحفظ دولي حيال تمويل مشاريع كبرى أو برامج إعادة الإعمار.

 

هذه الموارد، إلى جانب استخدام جزء من القروض المقرّة سابقًا، قد تسهم في تغطية جزء من نفقات الحرب وتعزيز القدرة على الحفاظ على استقرار سعر الصرف. غير أن هذا الاستقرار يبقى رهنًا بمدة الأزمة، إذ يُرجّح أن يتمكن لبنان من الصمود في حال كانت الفترة محدودة بين شهرين وثلاثة، بينما تزداد الشكوك حول القدرة على الاستمرار باستقرار سعر الصرف في حال طال أمد الحرب.

 

إذًا وبناءً على ما سبق، فإنه صحيح جزئيًا أن استخدام أموال الدولة لدى مصرف لبنان لتغطية نفقات الحرب قد يؤدي إلى انهيار سعر الصرف. حيث أن استقرار سعر صرف الليرة أو تراجعه يرتبط بجملة عوامل أساسية، في مقدّمها حجم المبالغ المستخدمة، وآلية إنفاقها، ومدى انعكاسها على الاقتصاد الوطني. فكلما أدى هذا الإنفاق إلى زيادة الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية بشكل يفوق قدرة السوق على الاستيعاب، ارتفعت احتمالات الضغط على سعر الصرف، والعكس صحيح في حال جرى توظيف هذه الأموال ضمن ضوابط مالية ونقدية مدروسة.