صحيح
على وقع الحرب وما تخلّفه من دمار وضغط على مؤسسات الدولة، عاد ملف المقالع إلى الواجهة من بوابة قرار حكومي يفتح مجددًا باب الترخيص لشركات الإسمنت. ففي 9 نيسان 2026، أقرّ مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الصناعة جو عيسى الخوري، قرارًا يتيح لهذه الشركات استئناف عملها، رغم اعتراضات بيئية ووسط انسحاب وزيرة البيئة تمارا الزين من الجلسة. خطوة أثارت جدلًا واسعًا، لا سيما أنها تأتي في وقت لم تُحصّل فيه الدولة مليارات الدولارات من المستحقات المتراكمة على هذا القطاع، وفي ظلّ اتهامات بالسماح بالعمل في مناطق خارج المخطط التوجيهي وقريبة من التجمعات السكنية.
ومع تبرير الحكومة بضرورات اقتصادية، يبرز في المقابل موقف رافض من نواب وخبراء قانونيين، من بينهم حليمة القعقور ونجاة صليبا ونزار صاغية، الذين يعتبرون أن القرار يشكّل مخالفة للقوانين وتعدّيًا على البيئة وحقوق المجتمعات المحلية، ما يطرح السؤال الأساسي:
هل فعلًا خالف قرار مجلس الوزراء بشأن ترخيص المقالع القوانين النافذة وتجاوز صلاحياته القانونية؟
بعد تعهّده بتحصيل نحو مليار دولار من أصحاب المقالع، أقرّ رئيس الحكومة نواف سلام قرارًا يقضي بإعادة تنظيم عمل شركات الإسمنت، من خلال تعديل الإطار القانوني الذي يحكم هذا القطاع ومنح هذه الشركات تراخيص لاستثمار مقالعها.
يأتي هذا القرار في سياق قانوني معقّد، إذ يخضع قطاع المقالع والكسّارات للمرسوم رقم 8803 الصادر عام 2002، الذي ينظّم استخراج الصخور والمواد الأولية بهدف الحدّ من الفوضى والضرر البيئي. كما يرتبط هذا الملف بالمخطط التوجيهي لترتيب الأراضي الصادر عام 2009، والذي يحدّد المناطق المسموح فيها إنشاء المقالع. وقد شهدت شركات الإسمنت منذ مطلع الألفية تراجعًا تدريجيًا في عملها نتيجة النزاعات المرتبطة بهذه الأطر التنظيمية.
في هذا السياق، يقول المحامي والمدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية" نزار صاغية، في حديثٍ لـ"مهارات نيوز"، إن ملف المقالع، ولا سيما في منطقة الكورة، يشكّل "قضية مزمنة منذ عقود"، وسكان هذه المنطقة من بين الأكثر تضررًا من صناعة الإسمنت في لبنان.
ويلفت إلى أن العامين الأخيرين شهدا تقدّمًا قضائيًا تمثّل بكسب عدد من الدعاوى التي أدّت إلى وقف قرارات حكومية سابقة تتعلق بتراخيص المقالع، إلى حين تشكيل حكومة نواف سلام، التي استجابت بدورها لطلبات وقف التراخيص التي كانت قد مُنحت في عهد رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، إلا أن صاغية يعتبر أن القرار الصادر في 9 نيسان يشكّل "نكسة كبيرة"، لا سيما أنه جاء في توقيت حسّاس خلال الحرب، حيث يكون الرأي العام منشغلًا، ما يسهّل تمرير قرارات مثيرة للجدل.
ويشير إلى إشكالية قانونية أساسية في هذا القرار، تتمثّل بأن مجلس الوزراء أعطى توجيهات مباشرة للمجلس الأعلى للمقالع لمنح الموافقات، في حين أن هذه الصلاحية لا تعود له. فبحسب الأطر القانونية، تعود صلاحية منح التراخيص إلى المحافظ بناءً على موافقة المجلس الأعلى، من دون وجود أي سلطة هرمية للحكومة على هذا المجلس، ما يحصر دور مجلس الوزراء بتنظيم القطاع ووضع السياسات العامة.
وتدعم الاجتهادات القضائية هذا التفسير، إذ سبق لمجلس شورى الدولة أن أبطل قرارات حكومية مماثلة، معتبرًا أن مجلس الوزراء لا يملك صلاحية منح تراخيص لشركات الإسمنت لاستثمار المقالع (قراري 19/1/2022 و20/1/2022). كما كان قد أبطل، في قرار سابق بتاريخ 7/7/1999، المرسوم رقم 5616/1994 (وهو المرسوم الأول لتنظيم قطاع المقالع والكسّارات من نوعه وهو المرسوم السابق للمرسوم 8803)، لكونه منح الحكومة صلاحيات تتعارض مع أحكام المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959 الذي يحصر هذه الصلاحية بالمحافظ.
على صعيد آخر، يلفت صاغية إلى أن بعض البلديات، مثل بلدية كفرحزير، سبق أن رفضت هذه المشاريع، إلا أن القرار الحكومي تجاوز هذا الرفض عبر طرح خيارات لا تغيّر في جوهره، إذ يتيح منح التراخيص سواء وافقت البلديات أم لا، مع اختلاف في مدتها. ويعتبر أن ذلك يشكّل انتهاكًا لحقوق البلديات ومبدأ اللامركزية، فضلًا عن مخالفته لمبدأ الإنماء المتوازن.
ويحذّر من أن هذه المقاربة تفرض ضغوطًا كبيرة على البلديات واتحاداتها للتراجع عن مواقفها، خصوصًا في ظلّ الظروف الاستثنائية، ويؤكّد أن إعطاء تراخيص في مناطق غير مدرجة ضمن المخطط التوجيهي، أو قريبة من التجمعات السكنية والموارد الطبيعية، يفاقم الأضرار البيئية بما يفوق أي منفعة اقتصادية محتملة.
وتلتقي النائبة حليمة القعقور مع صاغية، عند اعتبار مجلس الوزراء لا يملك صلاحية منح تراخيص للمقالع، وأن هذه الصلاحية تعود حصرًا إلى المجلس الأعلى للمقالع، الذي يُفترض أن يعمل وفق آليات ومعايير محددة. وتشير إلى أن هذا الإشكال ليس جديدًا، إذ سبق أن تمّ الطعن برخص مُنحت في مناطق مثل الجية وبعاصير.
وترى القعقور أن ما يحصل يشكّل انتهاكًا لحقوق البلديات والسكان، الذين يفترض استشارتهم في ما يتعلق بالمشاريع التي تؤثر على حياتهم، فضلًا عن مساسه باستقلالية المجلس الأعلى للمقالع، وبالحق في بيئة سليمة وبمفهوم التنمية بشكل عام.
وتتوافق معهما أيضًا، النائبة نجاة عون صليبا، على اعتبار أن ما حصل يتجاوز كل الحدود، واصفة القرار بأنه من أخطر ما شهدته إدارة هذا الملف. وتوضح في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، أن المخالفات تبدأ من الأساس القانوني، إذ أن منح التراخيص لا يدخل ضمن صلاحيات مجلس الوزراء، بل يعود إلى اللجنة العليا للمقالع والكسارات برئاسة وزيرة البيئة.
وتشير إلى مخالفة ثانية تتمثل في طرح تعديل المرسوم 8803 والسير به بطريقة لا تراعي الأصول، لا سيما من دون الأخذ برأي المجتمعات المحلية المتضررة. أما المخالفة الثالثة، فتتعلق بتنظيم المقالع والكسارات الذي أعدّته وزارة البيئة، والذي يستثني مناطق مثل شكا من أي نشاط من هذا النوع استنادًا إلى دراسات ومعايير واضحة، فيما يأتي القرار الحالي ليخالف هذه المعايير عبر تجديد العمل لشركات في مناطق يُحظر فيها ذلك. وبالتالي تشكّل هذه المعطيات "مخالفات جسيمة" ارتكبها مجلس الوزراء لتمرير القرار.
وفي الإطار نفسه، يبرز البعدان المالي والبيئي كأحد أبرز أوجه الإشكالية التي يثيرها القرار، وفق ما تؤكده النائبتان حليمة القعقور ونجاة عون صليبا.
إذ تشير القعقور في حديثٍ لـ "مهارات نيوز"، إلى أن الطرح الذي سبق القرار، والقائم على إعادة احتساب المستحقات المالية على شركات الكسارات وربط منح التراخيص بتسديدها، لا يشكّل حلًا بحدّ ذاته. وتعتبر أن دفع التعويضات عن الأضرار البيئية لا يبرّر إعادة منح هذه الشركات تراخيص جديدة. وتصف القرار الأخير بأنه "أسوأ من سابقه"، إذ لم يكتفِ بتجاوز هذا المبدأ، بل فتح المجال أمام الترخيص في مناطق تقع خارج المخطط التوجيهي، وبعضها قريب من التجمعات السكنية.
من جهتها، تلفت النائبة نجاة عون صليبا، إلى أن الإشكالية لا تقتصر على الصلاحيات، بل تمتد إلى الشق المالي، إذ أن الشركات المعنية لم تسدّد بعد الرسوم والضرائب المستحقة ولا تعويضات الأضرار البيئية، رغم الدمار الكبير الذي خلّفته، و"كان يُفترض بالدولة أن تحاسب لا أن تكافئ".
وتشير إلى أن قيمة هذه المستحقات تقدّر بأكثر من 3.7 مليار دولار، كان يمكن أن تُستخدم لدعم قطاعات أساسية، مثل المتقاعدين والمتعاقدين وأن يأخذ الأساتذة حقهم، بدل منح هذه الشركات تراخيص جديدة لنهش الجبال واستباحة البيئة لعقد إضافي.
كما وتحذّر من استمرار حرق مواد شديدة الخطورة في الأفران، وما يخلّفه ذلك من أضرار صحية وبيئية جسيمة. وتضيء على واقع بلدات متضررة، مثل بدبهون في قضاء الكورة، التي فقدت مساحات واسعة من أراضيها نتيجة أعمال المقالع، متسائلة عن مصير سكانها في ظل هذا التوسع المستمر.
وفي مواجهة القرار، تتبلور مجموعة من التحركات القانونية والحقوقية المتكاملة للطعن به ووقف مفاعيله، إذ يؤكد كلّ من صاغية والنائبتين حليمة القعقور ونجاة عون صليبا أن المسار القضائي يبقى الخيار الأساسي في المرحلة الراهنة. وفي هذا الإطار، يشير صاغية إلى التوجّه للطعن أمام مجلس شورى الدولة، فيما تعمل القعقور على إعداد كتاب موقّع منها ومن "المفكرة القانونية" وعدد من المجموعات يُرفع إلى الحكومة للمطالبة بوقف القرار وإلغائه، بالتوازي مع تنسيق صليبا مع الجمعيات البيئية ومباشرة محامين إعداد الطعن أمام الجهات المختصة، إلى جانب متابعة النواب لهذه المسارات قانونيًا.
بناءً عليه، إن الإشكالية المطروحة صحيحة، إذ أن مجلس الوزراء لا يملك صلاحية منح تراخيص المقالع. فبحسب الأطر القانونية الناظمة، تعود هذه الصلاحية إلى المحافظ بناءً على موافقة المجلس الأعلى للمقالع، من دون أي سلطة هرمية للحكومة على هذا المجلس، ما يحصر دور مجلس الوزراء بتنظيم القطاع ووضع السياسات العامة.