Loading...

الحقيقة في زمن الحرب: غياب القناة الرسمية يفاقم الضبابية!

 

فعليًا، بدأت الحرب بسؤالٍ تكرّر كاللعنة: ستّة صواريخ أُطلقت من الجنوب، أهي بداية حربٍ أخرى أم فتيلُ حربٍ سيطول اشتعاله؟ هل سنعود إلى العدم خارج الجنوب، أم إلى البقاء في كل الوجود داخل انعدام الأمن والأمان؟

 

هكذا تهاوت قدرة العقل على إدراك الطمأنينة، وتقلّبت الروايات المتضاربة بين ترهيبٍ يفرضه الواقع الظاهر، أي انفجار الحرب الحبيسة منذ خمسة عشر شهرًا، وبين جهلٍ ثقيل بالمستقبل الكامن تحت ريبةٍ تبدو مفتعلة أحيانًا، تُبقي الناس معلّقين بين هنا وهناك.

 

ريبةٌ تجد نفسك منقادًا أمامها إلى أي استجابة قد تحملك إلى "أمان" مؤقّت، قبل أن تعود وتتخبّط بين أمرين أحلاهما مرّ: صمتُ السلطة المطبق، الذي لا يُسمع صداه إلا مع الغارات، أو بياناتٌ فضفاضة لا تزيد الناس إلا قلقًا وخوفًا وتيهًا. فهي حربٌ على الروح والنفس، ولعلّ الأخيرة أشدُّ إيلامًا.

 

يفرض العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه أيّ دولة مسؤولية أساسيّة تتمثّل في التواصل الواضح والشفّاف مع مواطنيها؛ تواصلٌ يصون الثقة، ويعزّز الشعور بالأمان، ويُرسّخ بذلك أحد أهمّ أعمدة الدولة وضمانات بقائها. غير أنّ الواقع اللبناني غالبًا ما يميل إلى الاستثناء إلى حد اعتماده قاعدة. وفي هذا الاستثناء الذي نعيشه، وجد المواطن نفسه وسط سيلٍ من الأخبار المتناقضة: بين المبالغات والشائعات والأخبار الصحيحة التي بدت، من هول ما تحمله، عصيّة على التصديق، وسط غياب تام للدولة: لا خطاب، لا بيان، لا تنويه، ولا الذين يستنجدون يلقَون سبيلًا إلى النجدة. وهكذا تحوّلت القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل إلى مهارة فرديّة ضرورية، تستطيع النجاة بامتلاكها، والتي تراكمت لدى الناس خلال حرب الستة والستين يومًا، وأصبحت جزءًا من تجربتهم اليومية في مواجهة الحرب المستمرّة.

 

لكنّ الامتحان الأصعب لم يكن خلال الحرب نفسها، بل في الهدنة "الهشّة" التي بدأت مجازًا، في 17 نيسان. يومها انتظرت عائلتي، كما آلاف العائلات الجنوبية، بفارغ الصبر الممتزج بالألم والقلق، أيّ نافذة أمل تسمح بالعودة إلى الجنوب وتُنهي قسوة الاقتلاع عنه. ومع ذلك، بقيت العودة محاطة بالغموض. فالمخاطر لم تكن واضحة بما يكفي، وخطاب الدولة الرسمي اعتمد عبارات متريّثة وحذرة لم تنقل بصورة جازمة حجم التهديد القائم.

 

وصلنا إلى الجنوب، مُثقلين بمآتم كثيرة، فالأرض تلملم عظامنا وجراحنا، كما تضمّ أرواحنا إلى روحها. لم تكن العودة مُستقرة أو مطمئنة، ومع ذلك بدا وجع البقاء أهون من وطأة العدم، رغم التفجيرات والمسيّرات التي ظلّت تذكّرنا أنّها ليست سوى تنهيدةِ حربٍ مستمرّة. استمرّت الضبابية إلى أن جاء الجواب من الميدان نفسه. فقد كشف التصعيد العسكري الذي تجاوز ذلك "الخط الملوّن" حقيقة المشهد، وأعاد رسم حدود "الأمان" خارج الجنوب. عندها فقط أدركنا كجنوبيين أنّ ما عجزت الكلمات المتحفّظة عن قوله، قالته الغارات بوضوحٍ لا يحتمل التأويل.

 

بين العودة والنزوح: أمانٌ معلّق

رغم إعلان الهدنة في 17 نيسان وعودة بعض العائلات الجنوبيّة إلى منازلها، بقيت مشاعر القلق وعدم اليقين تسيطر على الحياة العامة، وبين خيار العودة وخيار البقاء في النزوح، اختبر الجنوبيّون معنى الأمان الهش في مصير ما زال مجهولًا. يوسف، أبٌ لطفلين، لم يفكّر مرّتين قبل العودة إلى منزله في الجنوب، لم تكن العودة فعلَ طمأنينة بقدر ما كانت محاولةً للتشبّث بما تبقّى من حياةٍ طبيعيّة وسط الخراب المفتوح على كل الاحتمالات.

 

يقول يوسف إنّه لم يعد قادرًا على التمييز بين الأمان الحقيقي والوهم المؤقّت، فحالة الضياع نفسها تلاحقه في مكان النزوح كما بين جدران منزله. لذلك، لم يجد مبرّرًا للتخلّي عن بيته خلال العشرة أيّام الهشّة قبل التصعيد الأخير، خصوصًا مع تصاعد الأحاديث عن احتمال توسّع الاحتلال إلى ما بعد القرى الأماميّة بكيلومترات، وكأنّ الناس يعيشون سباقًا يوميًّا مع خسارة أكبر قد تقع في أي لحظة.

 

ويؤكّد أنّ أصعب ما عاشه خلال النزوح لم يكن الخوف من القصف بحدّ ذاته، بل العيش في فراغ كامل من أي معلومة موثوقة. "كنّا نستيقظ على خبر، وبعد دقائق نسمع نقيضه"، ويُضيف أنّ الناس باتوا يتلقّون أخبار مصيرهم من مجموعات واتساب، أو من شاشات التلفاز التي تتسابق على بثّ العاجل من دون أي مرجعيّة رسميّة واضحة. وبين إشاعةٍ تتحدّث عن اجتياح، وأخرى عن هدنة قريبة، كانت العائلات تبني قرارات مصيريّة على الخوف وحده: هل نهرب؟ هل نبقى؟ هل نسجّل أطفالنا في مدارس مناطق النزوح؟ أم ننتظر الجولة التالية إمّا من الحرب أو من المفاوضات؟

 

ولم يكن أهل الضاحية بمنأى عن هذا التخبّط أيضًا. سحر، أمّ لثلاثة أطفال، ما تزال تقيم في جبيل منذ نزوحها، وترفض حتى اللحظة العودة إلى الضاحية، مهما تعدّدت التطمينات أو تبدّلت الروايات. تقول بحزمٍ يخفي إرهاقًا طويلًا: "لن أعود إلى الضاحية إن لم تنتهِ الحرب، لأيّ سببٍ كان".

 

تشرح سحر أنّ قرارها لم يعد مرتبطًا فقط بالخوف من الغارات، بل بالخوف من تكرار الصدمة نفسها على أطفالها. "لا أستطيع أن أعيش معهم لحظة الركض مجددًا، أو أن أشرح لهم لماذا نهرب كلّ مرّة". وتضيف أنّه رغم ضيق الحال في جبيل، وتكدّس أفراد العائلة داخل شقّة صغيرة بالكاد تتّسع ليومياتهم، ترى سحر أنّ ما تعيشه اليوم يبقى أهون من العودة إلى ترقّب المجهول في الضاحية. "على الأقل هنا ننام تحت سقف ما زالت أساساته متينة"، تقول، في إشارة تختصر كيف تحوّل معنى الأمان لدى كثيرين من الشعور بالاستقرار إلى مجرّد النجاة الجسديّة المؤقّتة.

 

وتؤكّد أنّ أكثر ما عمّق شعور الناس بالقلق لم تكن الحرب وحدها، بل غياب أي مصدر رسمي واضح يمكن الركون إليه. "ففي كلّ مرّة كنّا نسمع أنّ الوضع هادئ، كانت الغارات تسبق أي تفسير"، تقول سحر. فالناس لم يعودوا يعرفون إن كانوا يعيشون هدنة فعلية أم مجرّد استراحة قصيرة قبل جولة حرب جديدة.


الفراغ الأمني والإعلامي: الصحافيّون بين المسؤوليّة والمخاطر

إذا كان المواطنون قد عاشوا ارتباك الحرب وتناقض الروايات، فإنّ الصحافيين وجدوا أنفسهم في موقع أكثر تعقيدًا؛ فهم مطالبون بنقل الحقيقة في وقتٍ تبقى المعلومات فيه مجتزأة ومتفرقة، لا سيما مع غياب المصدر الرسمي وتسارع الشائعات. فقد وصف الصحافي أيمن شحادة حالة "الفراغ الإعلامي الأمني" خلال الحرب بأنها نتيجة غياب منصة رسمية سريعة وموثوقة قادرة على مواكبة التطورات الميدانية أولًا بأول. ويشير إلى أنّ التوضيحات الرسمية، سواء من الجيش أو الجهات المعنية، كانت غالبًا تصدر بعد ساعات طويلة من الحدث، وأحيانًا في اليوم التالي، ما ترك مساحة واسعة للشائعات والأخبار غير الدقيقة.

 

ويقول شحادة إنّ الصحافيين اضطروا إلى ملء هذا الفراغ عبر الاعتماد على شبكة واسعة من المصادر الميدانية، من بينها المراسلون على الأرض، فرق الدفاع المدني، جمعيات الإسعاف، إضافة إلى مصادر محلية كالمخاتير ورؤساء البلديات، باعتبارهم مرجعيات موثوقة داخل المناطق المتضررة. ويُشير إلى أنّ علاقاته الشخصية كانت، في كثير من الأحيان، مصدرًا للمعلومة أكثر من الجهات الرسمية.

 

ويضيف: "على الصحافي أن يتواصل مع من هم في شرق وغرب الحدث لاستقاء أكبر قدر ممكن من المعلومات، خصوصًا أنّ حجم الرسائل والتطورات كان يفوق قدرة أي مراسل أو محرّر على المتابعة الفردية". وفي هذا السياق، يشدّد على ضرورة وجود جهة لبنانية رسمية تتواصل مباشرة مع المواطنين، ليس فقط لنقل الأخبار، بل أيضًا لطمأنة الناس، معتبرًا أنّ "هذه المنصة يجب أن تكون مصدرًا للأمان والثقة والحقيقة، وليس مجرد ناقل للخبر".

 

ومن جهته، يرى الصحافي محمد غساني أنّ غياب جهة رسمية تواكب التطورات بشكل سريع وموثوق خلق حالة من القلق والارتباك لدى الناس، ودفع الإعلاميين إلى الاعتماد على مصادر متعددة للتحقق من الأخبار، من بينها الوكالة الوطنية للإعلام، والمراسلون على الأرض، إضافة إلى ما يُنشر عبر وسائل الإعلام ومنصًات التواصل الاجتماعي المختلفة. إلا أنّ تضارب المعلومات وعدم دقة بعض الأخبار المتعلقة بالغارات أو الإنذارات والإخلاءات ساهم في زيادة البلبلة، لا سيما مع تأثر بعض التغطيات بالتوجهات السياسية لوسائل الإعلام. ويؤكد غساني أنّ وجود قناة رسمية تنقل المعلومات بشكل يومي وواضح هو بمثابة مرجع موثوق للإعلاميين والناس على حد سواء.

 

وفي خضمّ الضبابيّة التي تحاصر المشهد اللبناني حول مآلات المفاوضات التي تُجرى وجدوى ما يُطلق عليها "هدنة"، تتضاعف الحاجة إلى إعلامٍ رسميّ يشكّل مرجعيّة موثوقة للمواطنين، لا سيّما في ظلّ غياب ثقافة التربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة. في هذا السياق، تشير عميدة كليّة العلوم الإنسانيّة في جامعة اللويزة د. ماريّا بو زيد إلى أنّ المواطن، وسط سيل المعلومات المتناقضة، غالبًا ما يفتقر إلى أدوات التحقّق، ما يجعل وجود إعلام رسمي دقيق وغير منحاز ضرورةً وطنيّة، شرط أن يتحرّك تحت مظلّة الوطنيّة الجامعة بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات.

 

وفي ما يتعلّق بالسرديّات التي تتغلّب عادةً على عقل المواطن الخائف خلال الأزمات وخصوصًا في الحرب، توضّح بو زيد أنّ الأفراد يميلون إلى تصديق الروايات الأقرب إلى معتقداتهم وخياراتهم السياسيّة والأيديولوجيّة، وذلك في ما يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي". ومن هنا، تجد السرديّات المنحازة والخطابات التي لا تراعي السلم الأهلي جمهورًا يتبنّاها ويعيد إنتاجها، ما يمنحها قدرة أكبر على الانتشار والتأثير. 

 

وترى أنّ الدفع اليوم نحو بناء إعلام رسمي قادر على لعب هذا الدور يبدو شبه مستحيل في ظلّ ضعف التمويل والموازنات المخصّصة له. وتشمل هذه المسؤولية الأكاديميين والطلاب والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى المواطن نفسه بوصفه المتلقي الأساسي وصاحب المصلحة المباشرة.

 

لمواجهة التضليل ودعم الشفافية

وفي سياق الجهود التي تُبذل على صعيد تعزيز الوصول إلى المعلومات ومواجهة التضليل وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه الصحافيين في لبنان، يشرح الصحافي والباحث في مؤسسة مهارات بلال ياسين أنّ المؤسسة تعمل على رصد الخطابات والسرديات غير الرسميّة ومواجهتها عبر سلسلة من التقارير التي  تفكّك هذه السرديات وتحثّ الصحافيين والمؤسسات الاعلامية على التغطية المهنيّة التي تخفّف من حدّة هذه التوترات خصوصًا في ظلّ النزاعات.

 

ولناحية الصحافيين وصعوبة الوصول إلى المعلومات، يتم رصد هذه  التحديات ومن ضمنها غياب قنوات رسمية للتواصل مع المعنيين بالشأن العام، التصريحات الانتقائية بحسب الأهداف السياسية، الحجج البيروقراطية والآليات المعقّدة للوصول الى المعلومات، التصريحات المشروطة بتجهيل المصدر وغيرها من التحديات الموثقة في العديد من التقارير.

 

ويضيف ياسين: "من المهم تعزيز قدرة الصحافيين على الوصول إلى المعلومات من خلال التدريب على قانون حق الوصول إلى المعلومات للضغط على المعنيين بضرورة نشر المعلومات والاستجابة إلى الطلبات".

 

وفيما يخصّ آليات تعزيز التواصل بين الشعب والسلطات المعنيّة، يشير ياسين إلى ضرورة تطبيق القوانين الإصلاحية التي تعزّز شفافية المعلومات بشكل كامل وفعّال وضرورة تعزيز دور الإعلام العام ودعمه وبناء قنوات رسمية بين الدولة والصحافيين لتسهيل وتسريع عملية الوصول إلى المعلومات بدلا من اعتماد الصحافيين على قنواتهم وعلاقاتهم الخاصة، التزاما بالمعايير الدولية في مجال الإدارة العامة والتي تشدد على ضرورة الفصل بين القنوات الشخصية والوظيفية لضمان المساءلة وحماية البيانات.

 

يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". تمّ دعم هذا المنشور من مؤسسة فريدريش إيبرت، والآراء الواردة فيه لا تمثّل بالضرورة وجهات نظر المؤسسة. ويُنشر بالتزامن مع المدن.

 

TAG : ,الحقيقة ,زمن الحرب ,القناة الرسمية ,الضبابية