Loading...

الحقيقة في زمن الحرب: غياب القناة الرسمية يفاقم الضبابية!

 

بدأت الحرب في لبنان مع تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، وسط أسئلة متزايدة حول احتمال انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة. ومع غياب معلومات واضحة، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام روايات متضاربة، بين الشائعات والأخبار المتناقضة، في ظل غياب تواصل رسمي قادر على تقديم صورة واضحة عن حجم المخاطر.

 

وفيما يفرض العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه أي دولة مسؤولية أساسية تتمثل في التواصل الواضح والشفاف مع المواطنين، بما يعزز الثقة والشعور بالأمان، وجد اللبنانيون وجدوا أنفسهم خلال الحرب أمام فراغ رسمي، وسط سيل من الأخبار المتناقضة، ما جعل القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل مهارة فردية ضرورية، راكمها كثيرون خلال الحروب السابقة.

 

لكن الامتحان الأصعب لم يكن خلال الحرب نفسها، بل خلال الهدنة الهشة التي بدأت في 17 نيسان/أبريل الماضي. يومها انتظرت عائلتي، كما آلاف العائلات الجنوبية، فرصة العودة إلى الجنوب بعد أشهر من النزوح. ورغم ذلك، بقيت العودة محاطة بالغموض، حيث لم تكن المخاطر واضحة بما يكفي، فيما اكتفى الخطاب الرسمي بعبارات حذرة لم تنقل بصورة حاسمة حجم التهديد القائم.

 

وفيما عدنا إلى الجنوب، لم تبد الهدنة مستقرة. فالتفجيرات والمسيرات استمرت في التذكير بأن الحرب لم تنته فعلياً. ومع التصعيد العسكري اللاحق، اتضح أن الشعور بالأمان كان هشاً، وأن التطورات الميدانية هي التي حددت حدود الخطر أكثر من أي خطاب رسمي.

 

بين العودة والنزوح: أمان معلق

ورغم إعلان الهدنة في 17 نيسان/أبريل وعودة بعض العائلات الجنوبية إلى منازلها، بقي القلق مسيطراً على الحياة اليومية، بين خيار العودة وخيار البقاء في النزوح. فبالنسبة إلى كثيرين، لم يكن الشعور بالأمان كاملاً، بل ظل مرتبطاً بمصير بقي مفتوحاً على كل الاحتمالات.

 

ولم يتردد يوسف، وهو أب لطفلين، في العودة إلى منزله في الجنوب. وقال أن القرار لم يكن تعبيراً عن الطمأنينة، بقدر ما كان محاولة للتمسك بما تبقى من الحياة الطبيعية. وأضاف أن أصعب ما واجهه خلال النزوح لم يكن الخوف من القصف بحد ذاته، بل غياب المعلومات الموثوقة. وأكمل يوسف: "كنا نستيقظ على خبر، وبعد دقائق نسمع نقيضه" مشيراً إلى أن الناس باتوا يتلقون أخبارهم من مجموعات "واتساب" أو من شاشات التلفزيون، من دون وجود مرجعية رسمية واضحة. وبين الحديث عن اجتياح محتمل أو هدنة قريبة، كانت العائلات تتخذ قراراتها وسط حالة من الضبابية والخوف.

 

ولم يكن سكان الضاحية الجنوبية بمنأى عن هذا القلق. فسحر، وهي أم لثلاثة أطفال، مازالت تقيم في جبيل منذ نزوحها، وترفض العودة إلى الضاحية قبل انتهاء الحرب بشكل كامل. وقالت أن قرارها لم يعد مرتبطاً فقط بالخوف من الغارات، بل بالخوف من تكرار تجربة النزوح مع أطفالها. ورغم ضيق ظروف العيش وتكدس أفراد العائلة في شقة صغيرة، رأت أن البقاء في جبيل يبقى أقل قسوة من العودة إلى واقع غير مستقر. وأضافت سحر أن غياب مصدر رسمي واضح للمعلومات زاد من شعور الناس بالقلق: "في كل مرة كنا نسمع أن الوضع هادئ، كانت الغارات تسبق أي تفسير"، مشيرة إلى أن كثيرين لم يعودوا يعرفون ما إذا كانوا يعيشون هدنة فعلية أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الحرب.

 

الصحافيون بين المسؤولية والمخاطر

وإذا كان المواطنون يعيشون تجربة ارتباك الحرب وتناقض الروايات، فإن الصحافيين وجدوا أنفسهم أمام تحد أكثر تعقيداً، يتمثل في نقل المعلومات في ظل غياب مصدر رسمي سريع وموثوق، وتسارع الشائعات وتضارب الأخبار.

 

ووصف الصحافي أيمن شحادة حالة "الفراغ الإعلامي الأمني" خلال الحرب بأنها نتيجة غياب منصة رسمية قادرة على مواكبة التطورات الميدانية أولاً بأول، مشيراً إلى أن التوضيحات الرسمية كانت غالباً تأتي متأخرة، ما ترك مساحة واسعة للشائعات والأخبار غير الدقيقة. وقال شحادة أن الصحافيين اضطروا إلى الاعتماد على شبكة واسعة من المصادر، من بينها المراسلون وفرق الدفاع المدني والإسعاف، إضافة إلى المخاتير ورؤساء البلديات، مؤكداً أن العلاقات الشخصية كانت، في كثير من الأحيان، مصدراً للمعلومة أكثر من الجهات الرسمية.

 

من جهته، رأى الصحافي محمد غساني أن غياب جهة رسمية تواكب التطورات بشكل سريع وموثوق خلق حالة من القلق والارتباك لدى الناس، ودفع الإعلاميين إلى الاعتماد على مصادر متعددة للتحقق من الأخبار، من بينها "الوكالة الوطنية للإعلام" والمراسلون على الأرض، إضافة إلى ما ينشر عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وأكد أن وجود قناة رسمية تقدم معلومات واضحة بشكل يومي يشكل مرجعاً موثوقاً للإعلاميين والمواطنين على حد سواء.

 

في السياق، رأت عميدة كلية العلوم الإنسانية في "جامعة اللويزة" الدكتورة ماريا بو زيد، أن غياب ثقافة التربية الإعلامية والمعلوماتية يجعل المواطن أكثر عرضة لتصديق الروايات المتوافقة مع قناعاته السياسية والأيديولوجية، في ما يعرف بـ"الانحياز التأكيدي". وأشارت إلى أن وجود إعلام رسمي مهني وغير منحاز يشكل ضرورة وطنية، شرط أن يبقى بعيداً عن الاصطفافات السياسية. واعتربت بو زيد أن بناء إعلام رسمي قادر على أداء هذا الدور يواجه تحديات كبيرة، في ظل ضعف التمويل والموازنات المخصصة له، مشيرة إلى أن مسؤولية مواجهة التضليل لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها، بل تشمل أيضاً المؤسسات الإعلامية والأكاديميين والمواطنين أنفسهم.

 

مواجهة التضليل ودعم الشفافية

وفي سياق الجهود الرامية إلى تعزيز الوصول إلى المعلومات ومواجهة التضليل، قال الصحافي والباحث في مؤسسة "مهارات" بلال ياسين ان المؤسسة ترصد الخطابات والسرديات غير الرسمية، وتعمل على تفكيكها عبر تقارير تشجع الصحافيين والمؤسسات الإعلامية على اعتماد تغطية مهنية تخفف من حدة التوترات، خصوصاً خلال النزاعات.

 

وأشار ياسين إلى أن الصحافيين يواجهون تحديات عديدة في الوصول إلى المعلومات، من بينها غياب قنوات رسمية للتواصل مع المعنيين بالشأن العام، والتصريحات الانتقائية، والعقبات البيروقراطية، والاعتماد على مصادر تشترط عدم الكشف عن هويتها. وأضاف أن تعزيز قدرة الصحافيين على استخدام قانون حق الوصول إلى المعلومات يشكل أداة مهمة للضغط باتجاه نشر المعلومات والاستجابة للطلبات.

 

ورأى ياسين أن تحسين التواصل بين المواطنين والسلطات يتطلب تطبيق القوانين الإصلاحية المتعلقة بالشفافية، وتعزيز دور الإعلام العام، وإنشاء قنوات رسمية بين الدولة والصحافيين لتسهيل الوصول إلى المعلومات، بدلاً من الاعتماد على العلاقات الشخصية، بما ينسجم مع المعايير الدولية في الإدارة العامة.

 

يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". تمّ دعم هذا المنشور من مؤسسة فريدريش إيبرت، والآراء الواردة فيه لا تمثّل بالضرورة وجهات نظر المؤسسة. ويُنشر بالتزامن مع المدن.

 

TAG : ,الحقيقة ,زمن الحرب ,القناة الرسمية ,الضبابية