شكلت الحربان الأخيرتان في لبنان بين عامَي 2023 و 2026 محطة مفصلية في تطور المشهد الإعلامي، وأعادتا التأكيد على الأهمية المتزايدة للصحافة الميدانية وصحافة المواطن، كما أبرزتا دور تطبيق "واتساب" كواحد من أهم أدوات نقل المعلومات وتداولها. خلال هذه الفترة، تحولت مجموعات وقنوات "واتساب" إلى مصادر أساسية للأخبار بالنسبة إلى وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، حتى باتت معلومات وصور ومقاطع فيديو تُبث مباشرة على الشاشات الإخبارية، فيما يكون مصدرها الأول مجموعات واتساب يديرها صحافيون أو ناشطون أو حتى سكان قرى جنوبية تتعرض للقصف.
ومن خلال تجربتي في التغطية الميدانية والعمل داخل غرف الأخبار، يمكن القول إن الاعتماد على "واتساب" كان من أبرز السمات التي ميزت التغطية الإعلامية للحرب. فقد أصبح التطبيق أداة رئيسية يعتمد عليها الصحافيون والمراسلون المعتمدون لدى مؤسسات إعلامية محلية وعالمية، سواء لنقل الأخبار العاجلة أو لتبادل الصور ومقاطع الفيديو والمعلومات الأولية من مناطق الأحداث.
اعتماد على الواتساب لتناقل المعلومة
على سبيل المثال، شكلت مجموعة "التنسيق الإعلامي" واحدة من أبرز المجموعات التي اعتمد عليها الصحافيون خلال الحرب. وكان المراسلون والمواطنون الذين بقوا في المناطق الخطرة يرسلون إليها بشكل مستمر مشاهد توثق الغارات الإسرائيلية وتداعياتها. وخلال سنوات الحرب، جرى تداول آلاف مقاطع الفيديو والصور عبر هذه المجموعة، وانتقل جزء كبير منها مباشرة إلى الشاشات الإخبارية أو المنصات الرقمية، أحياناً من دون التحقق الكامل من صحتها أو من مكان وزمان تصويرها.
وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى وقوع أخطاء إعلامية، إذ كان يكفي أن يخطئ مراسل ميداني في تحديد موقع غارة أو أن يلتبس عليه اسم بلدة أو منطقة، حتى تنتقل المعلومة الخاطئة بسرعة إلى عدد من المؤسسات الإعلامية التي كانت تتسابق لنقل الخبر. وقد برز هذا الأمر بشكل خاص في المناطق الحدودية والأمامية التي كانت تشهد تطورات ميدانية متسارعة.
كما ساهمت السرعة الكبيرة في تداول المعلومات عبر مجموعات "واتساب" في وقوع بعض المؤسسات الإعلامية في أخطاء مهنية. فخلال الحرب الإيرانية – الأميركية، كانت الصواريخ الاعتراضية التي تنفجر في الأجواء اللبنانية، ولا سيما فوق منطقة البقاع، تُفسَّر أحياناً داخل بعض المجموعات على أنها غارات إسرائيلية تستهدف جرود البقاع أو منطقة الهرمل، قبل أن يتبين لاحقاً عدم دقة تلك المعلومات.
ورغم هذا الاعتماد الواسع على "واتساب"، بقي المراسلون المعتمدون لدى المؤسسات الإعلامية والمصادر الموثوقة على الأرض المصدر الأساسي للأخبار داخل غرف التحرير. إلا أن مجموعات "واتساب" أدت دوراً مكملاً وسريعاً، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل الصور ومقاطع الفيديو. وفي كثير من الأحيان، كان يُنشر مقطع فيديو داخل إحدى المجموعات المغلقة، فيبادر المنتج أو المحرر إلى إرساله مباشرة إلى الشاشة أو الموقع الإلكتروني سعياً لتحقيق السبق الصحافي أو نشر المادة قبل المنافسين.
ومع اتساع الحاجة إلى المعلومات والصور من المناطق المستهدفة، بدأت العديد من المؤسسات الإعلامية بالتعاون مع مراسلين محليين وأبناء القرى الجنوبية لتأمين صور أولية ومعلومات سريعة حول الغارات والأحداث الميدانية. كما تحوّل عدد من عناصر فرق الإسعاف والدفاع المدني إلى شهود ميدانيين يوثقون بالصوت والصورة مواقع الاستهداف، وطبيعة الأضرار، وآليات عمل فرق الإنقاذ على الأرض. وبحكم سهولة استخدام التطبيق وسرعة تبادل الملفات عبره، شكّل "واتساب" الوسيلة الأكثر انتشاراً بين هؤلاء لنقل المواد الإعلامية.
760 صحافياً داخل مجموعة مغلقة
وفي هذا السياق، يوضح الصحافي محمد الزيناتي، مؤسس مجموعة "التنسيق الإعلامي"، التي تضم نحو 760 صحافياً وناشطاً إعلامياً، أن فكرة المجموعة بدأت قبل اندلاع الحرب، بهدف تسهيل التواصل بين الزملاء العاملين في الميدان. ويشير إلى أن التفاعل داخل المجموعة ازداد بشكل ملحوظ خلال أحداث مخيم عين الحلوة، حيث انضم إليها عدد من الصحافيين الذين توجهوا إلى مدينة صيدا والمخيم لتغطية الاشتباكات والتطورات الأمنية.
ويضيف الزيناتي أن المجموعة شهدت توسعاً كبيراً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، لتضم صحافيين ومراسلين ومنتجين إعلاميين وعاملين في مواقع إلكترونية ومنصات إخبارية مختلفة. ويؤكد أن الهدف الأساسي منها يتمثل في تسهيل التواصل السريع وتبادل الأخبار العاجلة والمعلومات الأولية بين العاملين في القطاع الإعلامي.
وفي الوقت نفسه، يقر الزيناتي بوجود معلومات غير دقيقة أو أخبار غير صحيحة يتم تداولها أحياناً داخل المجموعة، إلا أنه يشدد على ضرورة مقاطعة المعلومات مع أكثر من مصدر قبل اعتمادها أو إعادة نشرها. ويؤكد أن إدارة المجموعة تحرص باستمرار على تشجيع الصحافيين على التواصل فيما بينهم والتحقق من المعلومات بهدف تكوين صورة أولية دقيقة عن الأحداث الجارية في الجنوب اللبناني بشكل خاص، وفي لبنان عموماً.
رقم 760 صحافياً داخل مجموعة هو رقم كفيل بفهم كيف تحول الواتساب إلى وسيلة أساسية لنقل الأخبار ونشرها، ورغم أن غرف الأخبار "تفلتر" وتتأكد بمعظمها من المعلومات إلا أن الأمر لا ينطبق على المجموعات المختلفة في الواتساب والتي تضم آلاف المشتركين كونها مصدر مفتوح، فنشر خبر على مجموعة ما دون التأكد من مصدره كفيل بخلق جو عام ومعلومة خاطئة لدى عدد لا يستهان به من المجتمع.
دور مركزي لنقل الخبر داخل غرف الأخبار
الصحافية في قناة lbc ماري آنج النوشي رأت أنه رغم أهمية الدور الكبير الذي لعبه "واتساب" في نقل الأخبار خلال الحرب، فإن المؤسسات الإعلامية المهنية لم تكن تعتمد على الرسائل المتداولة بشكل مباشر. فالمعلومة التي تصل عبر المجموعات كانت تخضع لعملية تحقق تشمل التواصل مع المراسلين والمندوبين والمصادر الميدانية قبل نشرها. في المقابل، ساهمت بعض المجموعات والقنوات غير المهنية في نشر الأخبار الكاذبة نتيجة إعادة تداول المعلومات من دون تدقيق. وكانت مواجهة هذه الظاهرة تتم غالباً عبر تصحيح المعلومات ونشر الرواية الدقيقة للأحداث، سواءً من خلال نفي الأخبار الخاطئة أو تحديد المكان الصحيح للحدث.
وترى ماري اونج أن الواتساب ساهم في تسريع وصول الأخبار والمعلومات، كما لعب دوراً أساسياً في إيصال الإنذارات والتحذيرات إلى السكان، لا سيما في المناطق الجنوبية. إلا أن أبرز سلبياته تمثلت في انتشار الأخبار الكاذبة نتيجة اعتماد بعض المجموعات على إعادة نشر المعلومات من دون التحقق منها.
وأكدت أنه أصبح في غرف الأخبار أداة أساسية للتواصل بين المراسلين ومنتجي النشرات والمذيعين. ففي كثير من الأحيان كانت المعلومات العاجلة أو التصحيحات تصل إلى المذيع أو المراسل مباشرة عبر التطبيق، خصوصاً خلال البث المباشر أو في الحالات التي يتعذر فيها تعديل النصوص داخل غرفة الأخبار بالسرعة المطلوبة. وبذلك ساهم التطبيق في تسهيل تدفق المعلومات بين مختلف أفراد الفريق الإعلامي.
وتستشهد ماري أونج أنه خلال ما عُرف بـ"الأربعاء الأسود" (الغارات التي استهدفت بيروت في 8 نيسان 2026 وأدت لمقتل وجرح المئات).
في هذا اليوم لعب "واتساب" دوراً محورياً في نقل صورة سريعة عن حجم التصعيد الميداني. فقد أرسل المندوبون والمراسلون في توقيت متزامن مشاهد ومعلومات عن الأحزمة النارية والغارات المتلاحقة عبر مجموعاتهم الخاصة، ما سمح لغرفة الأخبار بإدراك خطورة التطورات وحجم الحدث خلال وقت قصير جداً، واتخاذ القرارات التحريرية المناسبة للتغطية.
أما الصحافي في موقع mtv الأخباري نادر حجار فرأى أنه ربما يكون قد تحوّل "واتساب" إلى المراسل الأول، والأسرع، القادر على إيصال الخبر في لحظة حصول الحدث ومن الأرض مباشرة. لذا يشكّل "واتساب" أداة التواصل الأولى في موقع mtv الإلكتروني، مع المراسلين والمندوبين في المناطق، وأحياناً المواطنين مباشرة.
صحيح أن "واتساب" اختصر كل تعقيدات المراسلات التقليدية، إلا أن الأمر بمثابة سيف ذو حدّين، فبين السرعة بإيصال الخبر والتسرّع بنشره فارق كبير، وهنا تكمن مسؤوليتنا كصحافيين في كيفية تعاملنا مع المعلومات التي تصلنا.
وتجنباً للوقوع بأي خطأ نعتمد أولاً على مصدر الخبر الموثوق، لا سيما شبكة المراسلين وإدارة التحرير. وأما الخبر الذي يصلنا بشكل مباشر من المواطنين نعمل على التحقّق منه بشكل مباشر إما عبر مندوبي المناطق، او بالتواصل المباشر مع الجهات المعنية أكانت رسمية أو أمنية أو محلية.
في المقابل، وكما نستعين بـ"واتساب" للحصول على خبر سريع، نعمل بدورنا على بذل كل جهد لنقله بحرفية عالية إلى متابعي الموقع عبر "شانيل" موقع mtv باللغتين العربية والإنكليزية، بعد التدقيق بصحة الخبر والمعلومات، التي تقترن عادة بإسم الموقع والمحطة، ما يرفع من حجم المسؤولية ويجعل من التدقيق شرطاً أساسياً قبل النشر لأن النشر مسؤولية، لا سيما عبر "واتساب" الوسيلة الكفيلة بإيصال أي خبر أو صورة أو فيديو لآلاف الناس على هواتفهم بـ"كبسة زر".
أهمية تدقيق المعلومات
أما الصحافي والمدرب المتخصص في تدقيق المعلومات محمود غزيل، فرأى أن "واتساب" يشكل وسيلة سريعة لتبادل المعلومات، إلا أن إعادة النشر عبره تتم بوتيرة كبيرة وفي مختلف الملفات. وأوضح أن الثقة التي تنشأ بين الأشخاص وبعض المصادر، ولا سيما الصحافيين الميدانيين، تلعب دوراً أساسياً في تداول الأخبار، مشيراً إلى وجود فرق بين المجموعات الإعلامية المهنية والمجموعات غير الإعلامية. وبطبيعة الحال، تميل الناس إلى الثقة بالقنوات أو المجموعات التابعة لوسائل إعلام محلية أو دولية أكثر من ثقتها بمجموعات مجهولة المصدر.
وأشار غزيل إلى أن بعض المجموعات عمدت خلال الحرب إلى إعادة نشر تحذيرات قديمة على أنها جديدة، ما أدى إلى انتشار معلومات مضللة وخلق حالة من البلبلة بين المواطنين، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى تداول معلومات تفيد بأن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ألغى تحذيراً سابقاً، وهو ما لم يكن صحيحاً.
واعتبر أن العديد من المؤسسات الإعلامية وقعت في فخ الأخبار العاجلة التي كان مصدرها مجموعات "واتساب"، ما أدى إلى ارتكاب أخطاء مهنية وصفها بـ"الكارثية". وشدد على أن مسؤولية وسائل الإعلام لا تقتصر على تدقيق المعلومات قبل نشرها، بل تشمل أيضاً تصحيح الأخطاء بشكل واضح عند اكتشافها، من خلال الإشارة إلى أن الخبر المنشور سابقاً غير صحيح، وهو ما يعكس مستوى المهنية والمصداقية لدى المؤسسة الإعلامية.
وأوضح غزيل، الذي يعمل في مجال تدقيق المعلومات منذ أكثر من عشرين عاماً، أن حجم الأخبار الكاذبة في تزايد مستمر، وأن عدداً من المسؤولين والأكاديميين والمتخصصين في الإعلام يقعون أحياناً ضحية لهذه الأخبار، لا سيما مع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية تطوير مهاراتهم باستمرار في مجال التحقق من المعلومات ومكافحة التضليل.
وأكد أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع من الأخبار المدققة، مشيراً إلى أن هذه المشكلة لا تقتصر على لبنان، بل تُعد ظاهرة عالمية. وأضاف أن العديد من المنصات والمبادرات المتخصصة تعمل خلال السنوات الأخيرة على تدقيق المعلومات ومواجهة انتشار الأخبار المضللة.
يأتي هذا التقرير في إطار زمالة الصحافيين والصحافيات بعنوان "فهم بيئة المعلومات في زمن الحرب". الآراء الواردة في هذا المنشور لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت. ينشر هذا التقرير بالتزامن مع موقع الكتائب الإخباري.
TAG : ,الواتساب ,التغطية الإعلامية ,الحروب ,الخبر ,مخاطر ,الأخبار الكاذبة