Loading...

بعد عقود على الحرب، نساء ما زلن يطالبن بالحقيقة حول مصير أحبائهن المفقودين

 

"لا أثق بأحد، ولا أتحدث إلى أحد. أنا متعب ومريض. أحبكم وأحب وطني. أرجوكم ساعدوني".
هذه العبارة هي الذكرى الأكثر وضوحًا التي بقيت لدى سامية من رسالة كتبها شقيقها عماد إلى عائلته عام 2003. كانت تلك آخر مرة وصلهم فيها أي خبر عنه.

 

اختُطف عماد إبراهيم عبد الله، وهو مقاتل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، مع رجلين آخرين عام 1984 عند حاجز في بيروت، أثناء توجهه إلى منزل سامية. كان في العشرين من عمره فقط. لاحقًا، أُبلغت العائلة أن عماد كان محتجزًا في سجن فلسطيني في سوريا، قبل أن يُنقل إلى سجن تدمر.

 

تستعيد سامية ذكرياتها عن شقيقها الأصغر، الخامس بين إخوتها، قائلةً: "كان قلبي وروحي؛ أنا التي ربّيته عمليًا. عندما تزوجت كان عمره تسع سنوات وكنت في التاسعة عشرة. كان يهرب من البيت ويستقل الحافلة من صيدا لزيارتي".

 

خافت سامية في البداية من الإبلاغ عن فقدان شقيقه، كونها فلسطينية. لكن إصرارها على رؤيته مجددًا تجاوز خوفها من الرفض والعزلة. وعندما قررت الإبلاغ عن اختفائه، استقبلتها لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا بحفاوة.

 

قصة عماد واحدة من آلاف القصص المشابهة، إذ وفق الأرقام الرسمية، يُقدَّر عدد المفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان بنحو 17 ألف شخص، اختفوا وتركوا وراءهم عائلات بلا يقين. وبينما ظل مصيرهم مجهولًا، تولّت النساء عبء المطالبة، وحملن القضية من الخيام في الشوارع إلى أروقة الدولة. 

 

بعد كل هذه السنوات، ما الذي أُنجز فعليًا لكشف مصير المفقودين؟ وكيف استطاعت النساء، منذ الثمانينيات، تحويل الفقد الشخصي إلى نضال طويل من أجل الحقيقة، في بلد لم يُغلق هذا الملف بعد؟

 

لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا: النساء الأعضاء يواجهن الفقد بالنضال

تأسست لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين قسرًا في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1983 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وهي تخوض منذ 42 عامًا معركة شاقة لمعرفة مصير أحبائها المفقودين.

 

تشكل النساء الغالبية من أعضاء اللجنة. وتشرح وداد حلواني، رئيسة اللجنة، أسباب ذلك بقولها: "معظم المفقودين كانوا من الرجال، وعندما تأسست اللجنة كانت الحرب لا تزال مستمرة. في ذلك الوقت، كانت عمليات الخطف متكررة، وكان الأعضاء الرجال أكثر عرضة لخطر الخطف أو الاعتقال".

وعلى الرغم من أن الحرب عمّقت الانقسامات الطائفية، فإن هذه القضية قرّبت أعضاء اللجنة من بعضهم البعض، وأكّدت سامية أنه "لم تكن الاختلافات مهمّة، إذ كنا نحب بعضنا. أصبحنا أصدقاء، وما زلنا نزور بعضنا ونبقى على تواصل حتى اليوم". وتستذكر سامية كيف كانت النساء يتظاهرن لأيام متواصلة بحثًا عن إجابات " كنا نترك أزواجنا وأولادنا في المنازل ونحضر وننام في الخيام لعدّة الأيام".

لم تقتصر معاناة بعض النساء على ساحات الاحتجاج، بل امتدت إلى بيوتهن، حيث ربّين أطفالهن بمفردهن بعد فقدان أزواجهن، ومن بينهم فردوس الآغا، عضوة في اللجنة، التي شهدت على هذه المعاناة مع والدتها، عندما خُطف والدها نزيه الآغا في شرق صيدا بينما كان يصطاد وهي في الثالثة من عمرها، وهو صيادًا بسيطًا، لم يكن له أي دور في الحرب. 

 

وأضافت "عندما كنا صغارًا لم نشعر بالأمر فورًا، لكن مع مرور الوقت اضطرت أمي وإخوتي إلى العمل لإعالتنا. لم نتمكن من متابعة تعليمنا؛ لم تستطع أمي تحمّل ذلك".

إقرار القانون وتأسيس الهيئة الوطنية للمفقودين

على مدى 36 عامًا، خرجت هؤلاء النساء إلى الشوارع للمطالبة بالحقيقة، وتعرّضن للترهيب والتهديد والعنف. ومع ذلك، تمكنّ من تحقيق إنجاز مفصلي تمثّل في إقرار قانون المفقودين والمخفيين قسرًا رقم 105/2018 الذي يهدف إلى تحديد حقوق عائلات المفقودين، وإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا، التي شُكّلت في تموز/يوليو 2020 لولاية مدتها خمس سنوات، انتهت في تموز/يوليو 2025، واجهت عقبات كبيرة أعاقت عملها وعيّن لاحقًا أعضاء هيئة ثانية جديدة تمتد ولايتها حتى عام 2030، كما والاعتراف بحقوق العائلات وحمايتها.

 

في هذا السياق، يقول جوزيف سماحة رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين إن "العمل ينتقل من المرحلة التنظيمية إلى المرحلة التنفيذية، ضمن الحدود التي يحددها القانون"، ويشرح أن "الهيئة بدأت بتجميع قاعدة بيانات وطنية للمفقودين تمهيدًا لتوضيح مصيرهم، إلى جانب العمل على تحديد مواقع المقابر الجماعية في فترة الحرب، بهدف إعادة الرفات إلى العائلات وتأمين دفن كريم لهم".

 

وأشار سماحة إلى أن "المراسيم التطبيقية للقانون، ولا سيما المتعلقة بتعويض الضرر، لم تُستكمل بعد. ويؤكد أن هذه الإجراءات ليست بالضرورة مالية، بل قد تكون رمزية أو إدارية تعترف بمعاناة العائلات الطويلة". في الوقت نفسه، تعمل الهيئة في ظروف صعبة؛ إذ يعمل أعضاؤها بشكل تطوعي، من دون أي تعويضات أو بدل مواصلات، على الرغم من تنقلهم من منطقة إلى أخرى للقيام بمهامهم.

 

قرار مجلس الأمن 1325 ومصير المفقودين

يؤكد قرار مجلس الأمن 1325 الصادر عام 200، على أهمية تمكين النساء من قيادة جهود المطالبة بمعرفة مصير أحبائهن المفقودين والمخفيين قسرًا، والمشاركة الفاعلة في تحقيق العدالة وبناء السلام.

 

ولكن في السياق اللبناني فبعد عقود على الحرب، لا تزال الأمهات والزوجات والبنات يطالبن بالحقيقة. ويمنح القانون 105/2018 هذا السعي اعترافًا قانونيًا، منسجمًا مع قرار مجلس الأمن 1325، ليؤكد الدور الحيوي للنساء في حالات النزاع وما بعد النزاع، ويشدد على مشاركتهن في صنع القرار، وحمايتهن، وضمان وصولهن إلى العدالة، ولكن الفشل في تحقيق هذا الحق يحرم النساء من أبسط حقوقهن.